فند علماء الإسلام وأساتذة التاريخ الإسلامي المبررات التي استند إليها المتطرفون من تنظيم "داعش" في تبرير الأعمال التخريبية وتدمير الآثار التاريخية في العراق . . وأكدوا أن الإسلام بريء من تلك الممارسات الهمجية التي لا أساس لها من الفهم الصحيح والمستنير للدين . . وأشاروا إلى أنه ما يقوم به "الدواعش" ومن على شاكلتهم من المتطرفين يعد أكبر إساءة للإسلام وتشويهاً لصورة المسلمين .
في البداية أوضح الدكتور محمد رأفت عثمان، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، أن الذين يفتون ل"داعش" جهّال يعيشون في الماضي ولا ينتمون للحاضر ولا يعرفون شيئاً عن العصر ومشكلاته ولا يزالون يعتمدون على بعض الكتب التراثية الصفراء القديمة، وأقوال بعض الفقهاء المتشددين، ويجهلون مقاصد الشرع وقواعد الفقه الحيوي الذي يتفاعل مع الواقع ويحسن قراءته، وبالتالي فهو ليس مجرد حفظ الحواشي والمتون فقط من دون قراءة واعية للواقع، بل والتاريخ الإسلامي ذاته، حيث لم يحطم الصحابة الفاتحين أي آثار للبلاد التي فتحوها، لأنهم أحسنوا النظر إلى مآلات الأشياء وما يترتب على العمل بها .
وعرض الدكتور رأفت عثمان، مثالاً استشهد به على ذلك برغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في تعديل بناء الكعبة عن بناء الجاهلية، لكنه لم يغيره لأن الناس كانوا حديثي عهد بالجاهلية وقد روت ذلك أم المؤمنين عائشة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه، وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، باباً شرقياً وباباً غربياً، فبلغت به أساس إبراهيم" .
وعرض الدكتور رأفت عثمان، لنموذج آخر تم خلاله تطبيق القاعدة الفقهية القائمة على أن جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها بمعنى أنه إذا تعارضت مفسدة ومصلحة قدم دفع المفسدة غالباً لأن اعتناء الشرع بترك المنهيات أشد من اعتنائه بفعل المأمورات، ولهذا نهي القرآن الكريم عن سب آلهة غير المسلمين - وليس تدمير تماثيلهم - فقال الله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم"، بل إن النبي- صلى الله عليه وسلم - اعتمر في العام السابع من الهجرة وكانت الكعبة مكتظة بالأصنام، وحتى بعد فتح مكة لم يحطم إلا الأصنام التي كانت في المسجد ومشهورة بالعبادة والتقديس لدى الكفار .
عبر قرآنية
* أوضح الدكتور نصر فريد واصل، مفتي مصر الأسبق، عضو هيئة كبار العلماء بالأزهر، أن ما حدث من زبانية "داعش" يذكّره بما سبق أن حدث حينما قام مع وفد من العلماء الموفدين من منظمة المؤتمر الإسلامي للإبقاء على ما تبقى من تماثيل لم يتم تدميرها في أفغانستان بعد تدمير تمثال بوذا حتى لا يتم استغلالها في تشويه صورة الإسلام في العالم، إلا أن علماء طالبان للأسف لم يستجيبوا لطلب الوفد رغم الحوار الفقهي معهم، وهذا ما أثر سلبياً في الأقليات الإسلامية في العالم بوجه عام والقارة الآسيوية بوجه خاص، ونتجت عنه اعتداءات بالجملة على المسلمين في البلاد البوذية، خاصة بورما التي تتم فيها عملية إبادة جماعية للمسلمين حتى اليوم .
ودعا الدكتور واصل، إلى تأمل ما فعله نبي الله هارون عليه السلام حين وجد بني إسرائيل يعبدون العجل، وعندما عاد أخوه موسى عليه السلام وعاتبه على ترك بني إسرائيل يعبدون الصنم، فقال له: "ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعن أفعصيت أمري"، فكان رد هارون حكيماً: "خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي"، أي أنه قدم وحدة الجماعة ومصلحتها على تحطيم العجل الصنم .
أشار الدكتور واصل، إلى أن ما ذكره القرآن الكريم من قصص الأولين - ومنهم كثير من المشركين - لنتخذ منهم العبرة والعظة وهذه القصص ما زالت باقية في القرآن - وإلى يوم القيامة - رغم غياب أصحابها المشركين منذ آلاف السنين، وقياساً عليه فإن الآثار تدخل تحت قاعدة "تلك آثارهم تدل عليهم" ولا مانع شرعاً من الإبقاء عليها .
وأنهى الدكتور واصل مؤكداً أنه توجد العديد من الآيات التي تنهي عن هدم تراث الأسلاف رغم كفرهم، وإلا فماذا نقول في الآيات الكريمة: "ألم تر كيف فعل ربك بعاد . إرم ذات العماد . التي لم يخلق مثلها في البلاد . وثمود الذين جابوا الصخر بالواد . وفرعون ذي الأوتاد . الذين طغوا في البلاد . فأكثروا فيها الفساد . فصب عليهم ربك سوط عذاب . إن ربك لبالمرصاد"، ويرتبط بذلك نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن هدم "آطام المدينة" أي حصونها وآثارها وبالتالي لا قيمة شرعاً لأي مرويات مكذوبة أو ضعيفة عن هدم المسلمين الأوائل للتماثيل والآثار .
تأويل خاطئ
* نفى الدكتور أحمد عمر هاشم، عضو هيئة كبار العلماء والرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، انطباق نهي رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتشديده من يصنعون التماثيل وأنهم يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: "أحيوا ما خلقتم"، وبيانه في أحاديث أخرى "أن ملائكة الرحمة لا تدخل بيتاً فيه تماثيل" . حيث يرى فريق من أهل العلم أن هذا الوعيد فيما كان مكتمل الخلقة من التماثيل، أما إذا لم يكن مكتمل الخلقة كأن يكون هناك نقص في عضو فلا ينطبق عليه الوعيد، لأنه لا يضاهي خلق الله تعالى .
وأضاف: يرى فريق آخر من الفقهاء أن هذا الوعيد فيما ينحت ليعبد من دون الله تعالى ولهذا هدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- التماثيل التي كانت حول الكعبة يوم الفتح، أما في الفتوحات الإسلامية في زمن أبي بكر وعمر وعثمان، فقد وجد الفاتحون هذه التماثيل التي خلفتها الأمم السابقة ولم يهدموها أو يخشوا على عقيدة الفاتحين أو المسلمين الجدد من أهل تلك البلاد والتاريخ والواقع خير شاهد على ذلك، ولهذا فإن السلف بريء مما يفعله الجهال بالتماثيل في العراق وغيرها لأنهم تركوا كل ما خلفه المصريون القدماء والفرس والكنعانيون والآراميون والآشوريون والبابليون والبوذيون والهندوس وغيرهم .
وأنهى الدكتور عمر هاشم كلامه قائلاً: هؤلاء أبعد ما يكونوا عن الدين ونهج السلف الراقي في فهمه، حتى إن الفاتحين للدول وجدوا بها آثار الأقدمين تركوها وحافظوا عليها من دون أن يقدسوها، ونحن نلتزم بنهجهم لقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عنهم: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم"، أما هؤلاء الهمج المفسدون فصدق فيهم قول الله تعالى: "وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل" .
مؤامرة تاريخية
* فند الدكتور عبد المقصود باشا- رئيس قسم التاريخ الإسلامي، جامعة الأزهر- مزاعم جهلة "داعش" في أرض الشام، وقبلهم ادعاءات طالبان في أفغانستان وباكستان قائلاً: هل أنتم أشد فهماً للإسلام وغيرة عليه من الصحابة الذين فتحوا مصر وإيران وأفغانستان وباكستان والهند وإندونيسيا وماليزيا وسوريا وغيرها من الدول في قارتي آسيا وإفريقيا اللتين كانت بهما آثار حضارات بعضها انتهى مثل الفراعنة، وبعضها كان أتباعها موجودين بل ومحاربين للمسلمين الذين انتصروا عليهم وقد وجدوا الأصنام والتماثيل، وكان بعضهم يعبدها ومع هذا لم يحطموها رغم وجود مبرر من الانتصار والانتقام، وإنما رسخوا العقيدة في النفوس فكانت الحماية الحقيقية لهم من دون هدم أو تحطيم للآثار .
وتساءل الدكتور عبد المقصود باشا: أفلا يسعنا ما وسع صحابة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من التسامح والعقلانية والوعي والحكمة أم أعمانا التعصب الأعمى؟ هل "الدواعش" وطالبان أشد حباً للإسلام وغيرة عليه من الصحابة والتابعين؟ هل من مصلحة المسلمين أن يكون الإسلام في هذه الصورة الكريهة البغيضة الكارهة للآخر والمبيدة لحضارته؟ كيف ندعو الآخر للدخول في الإسلام عن قناعة ونؤكد سماحته ورحمته، ونحن لا نطيق آثاره ونحرق ونقتل أتباع نفس الدين؟
وأضاف الدكتور عبد المقصود باشا: أكاد أبكي دماً وأنا أرى ما تطاله اليوم أيادي "الدواعش" - الذين فاقوا التتار في وحشيتهم- من كنوز الآثار العراقية القديمة الموجودة في متحف الموصل ومدينة نمرود ومدينة الحضر الآشورية، خاصة أن التقارير تؤكد أن المنطقة الواقعة تحت سيطرة "داعش" في العراق تحوي 1800 من أصل 12 ألف موقع أثري في البلاد، ويرى بعضهم أنه أباح لنفسه بيع بعض تلك الآثار لتمويل عملياته العسكرية فيربح مادياً، وينفذ مخططه السرطاني في إزالة تلك الآثار، فمثلاً عندما اقتحم مسلحو "داعش" مكتبة الموصل التي تضم نحو ثمانية آلاف من الكتب والمخطوطات النادرة استولوا على 2500 كتاب قديم وأثري وأبقوا على النصوص الإسلامية فقط، ثم أحرقوا بعض الكتب وباعوا بعضها التي صادروها .
وربط الدكتور عبد المقصود باشا، بين ما يجرى في العراق والمخطط الأمريكي "الإسرائيلي" لتدميره، لأنه موطن نبوخذ نصر الثاني أو بختنصر الذي أذل اليهود القدامى وأزال ملكهم في القرن السادس قبل الميلاد حين استعادت الإمبراطورية البابلية مجدها في عهده الذي كان ملكاً وقائداً حربياً ورجلاً عمرانياً محبّاً للبناء، حيث قاد حملة حربية انتصر على الفراعنة واستولى على فلسطين ونهب القدس حوالي 586 ق .م، ولم يكتف بذلك، وإنما أرسل كل اليهود البارزين أسرى إلى بابل فيما يعرف ب"السبي البابلي"، وفي نفس الوقت أقام آثاراً عظيمة أشهرها "الحدائق المعلَقة" التي تعد من عجائب الدنيا السبع، أما مدينة "نمرود" التي تم تدميرها فهي مدينة أثرية تقع على ضفاف نهر دجلة في المرحلة الآشورية الوسيطة - أي القرون الستة قبل الميلاد، ووردت في العهد القديم باسم "كالا"- وظلت نمرود عاصمة الآشوريين لنحو 150 عاماً، وبها كنوز وتحف أثرية ثمينة لا تقدر بثمن .
أعداء التاريخ
أكدت الدكتورة فتحية النبراوي - أستاذ التاريخ الإسلامي، جامعة الأزهر - أن "الملا محمد عمر" زعيم طالبان سبق أن أمر بتدمير كل التماثيل الأثرية، خاصة تمثالي بوذا المنحوتين في الصخر، ويبلغ ارتفاع أحدهما 55 متراً، ويعودان إلى القرنين الثاني والخامس بعد الميلاد، وأن أبي بكر البغدادي الخليفة المزعوم ل"داعش" قد أمر بتحطيم كل التماثيل، وليس هذا ببعيد عما أطلقه بعض الجهال من دعاة السلفية في مصر بعد ثورة 25 يناير، فقد أفتى الشيخ مرجان الجوهري - السلفي التكفيري - بضرورة تحطيم تمثال "أبو الهول" و"الأهرام" مثلما حدث مع تمثال بأفغانستان، في حين دعا عبد المنعم الشحات - المتحدث باسم الدعوة السلفية بالإسكندرية - إلى تغطية وجوه التماثيل الفرعونية بالشمع، لأنها من الأصنام ونتاج حضارة عفنة قائمة على الكفر والشرك، والسياحة القائمة عليها كسبها حرام .
ووصفت الدكتورة النبراوي، هذه الفتاوى بأنها "حالة جنون"، لأن من يتحدثون عن هدم التاريخ المصري والعربي بل التراث الحضاري للإنسانية هم أعداء الإنسانية وأجهل الناس ليس بالدين فقط بل وبالتاريخ أيضاً، وإلا كيف حافظ الفتح الإسلامي بقيادة عمرو بن العاص في نهاية أول عشرين سنة من الهجرة وتحت خلافة الفاروق عمر - الذي يعد من أغير الناس على دينه - وأبقى الآثار الفرعونية بل آثار كل البلدان التي فتحها المسلمون، ومنها آثار العراق وسوريا وغيرها من البلاد التي فتحها المسلمون الأوائل طيلة خلافة عمر التي امتدت 23 عاماً، فهل خليفة "داعش" أو زعيم طالبان أو دعاة السلفية أحب لدينهم من الفاروق .
ورفضت الدكتورة النبراوي، حجة أن تدمير هذه التماثيل حتى لا يعبدها الناس، قائلة: هل نحن أقرب تاريخياً لعصر الجاهلية الذي كانت تعبد فيه الأصنام، بالتالي يخشى على عقيدتنا لأننا قريبو عهد بها أم عصر الخلفاء الراشدين الذي كان بعد فتح مكة بسنوات معدودات؟ ولهذا فإن المسلمين الأوائل رأوا التماثيل التي صنعها الأقدمون قبل الإسلام لا تزيد على كونها تراثاً تاريخياً ومادة حية من مواد التاريخ لكل أمة، فلا يجوز تدميرها وتحطيمها باعتبار أنها محرمات أو منكرات يجب تغييرها باليد، بل إن تماثيل الأقدمين دلالة على نعمة الله تعالى على الأمة التي هداها للإسلام وحررها من عبادة الأصنام .
وطالبت الدكتورة فتحية النبراوي، بالحجر على أصحاب تلك الفتاوى الجاهلة بتدمير الآثار القديمة، لأنهم نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الإسلام وهم أجهل الناس به، وفي الوقت نفسه لا بد من الرجوع إلى الفتاوى المستنيرة التي توضح موقف الإسلام من الآثار، خاصة أن الغالبية العظمى من التماثيل الأثرية التي تعود إلى حقبة ما قبل الإسلام ما هي إلا مجرد تسجيل للتاريخ ولا تؤثر سلباً في عقيدة المسلمين .
وأنهت الدكتورة النبراوي كلامها متحدية بأن يأتي هؤلاء الجهال بنموذج واحد لمسلم قام بعبادة أصنام الفراعنة أو غيرهم منذ الفتوحات الإسلامية قبل أكثر من 14 قرناً، وبالتالي فإن الإبقاء على الآثار الفرعونية في مصر والآثار في بقية البلاد العربية والإسلامية ليس محرماً، بل إنه يدر على شعوبها مصالح اقتصادية، ويؤكد عراقتها التاريخية مقارنة بالدول التي تحاول أن تصنع لها تاريخا ولو بالتزييف مثل الولايات المتحدة و"إسرائيل"