هدفاً مستمراً ومغنماً مستهدفاً.. فتلك الشرايين المائية التي تتحكم في عصب التجارة العالمية ثم حركة انتقال النفط من وإلى، كان التحكم فيها ضرورة قصوى.
فعلتها إنجلترا وتمكنت بفضل سيطرتها على مضيق جبل طارق من إغلاق البحر المتوسط أمام قوات المحور، فمالت الكفة نحو الحلفاء، واستطاعت إيران التي أحكمت قبضتها على مضيق هرمز أن تجبر الأساطيل الأمريكية على الاستئذان قبل المرور من المضيق.
وأغلقت مصر مضايق تيران فكانت البداية لحروب لم تكن فيها هوادة بين مصر و«إسرائيل».. وها هو مضيق باب المندب يشعل حرباً جديدة في المنطقة لا نعرف متى تصل فيها العاصفة إلى ساعة الحسم.
إنها قوة المضايق الاستراتيجية التي تسببت في نشوب حروب واشتعال صراعات.
هرمز : مضيق الصراعات والنفط
أحمد السيوفي
«مدينة عظيمة ونبيلة على البحر»، هكذا وصف الرحالة الإيطالي ماركو بولو تلك المملكة التي ازدهرت على مدار خمسة قرون بداية من القرن العاشر الميلادي على السواحل الشرقية للخليج العربي، واشتهرت بالتجارة والآثار، واصفاً إياها بأن بها أعداداً هائلة من الخيول المطهمة والناس يأخذونها إلى الهند للبيع لأنها غالية الثمن، وهنا أيضاً يوجد أجود حمير في العالم، لأنها كبيرة وسريعة وتمتاز بخفة نادرة.
والتجار يأتون إلى هناك من الهند بسفن محملة من التوابل والأحجار الكريمة واللؤلؤ وأقمشة الحرير والذهب والعاج وبضائع أخرى، حيث يبيعونها لتجار هرمز الذين يبيعونها بدورهم إلى مختلف دول العالم، ومن اسم هذه المملكة العظيمة اكتسب ذلك الممر المائي أو المضيق الذي يفصل بين مياه الخليج العربي من جهة ومياه خليج عمان وبحر العرب والمحيط الهندي من جهة أخرى، اسمه ليصبح مضيق هرمز. هو ليس مجرد معبر مائي، لكنه من أهم المضايق على مستوى العالم، حيث اكتسب أهميته من كونه معبر النفط العالمي، حيث تمر منه 40 % من ناقلات النفط إلى العالم و90% من نفط الخليج كذلك وينقل عبره أهم الواردات لدول الخليج. ومع هذا ليس النفط وحده هو ما جعل مضيق هرمز من أهم المضايق على مستوى العالم.
فهناك أيضا الموقع المتميز له الذي جعله مطمعاً للدول الكبرى التي كانت مسيطرة على العالم على مدار أكثر من أربعة قرون، حيث سيطرت البرتغال على المضيق من عام 1588، ثم تناوبت عليه دول أخرى وإمبراطوريات مثل الإمبراطورية البريطانية، حيث كان المضيق أهم ممر لبريطانيا تجاه مستعمراتها في الهند، ثم دارت صراعات على المضيق من الدول الكبرى المعاصرة مثل الاتحاد السوفييتى السابق الذي حاول فرض سيطرته عليه كي يضيف إلى رصيده أوراق القوة. التي تعضد من موقفه في حربه الباردة مع الولايات المتحدة.
وواصلت روسيا وريثة الاتحاد السوفييتي محاولة السيطرة على هذا المضيق، وحاولت أن تستفيد من تحالفها مع إيران في هذا الإطار، وعندما عجزت الولايات المتحدة الأمريكية من السيطرة على المضيق، كان البديل هو إطلاق أساطيلها في المحيط الهندي والخليج العربي.
النفط والسياحة
يقع مضيق هرمز في محافظة مسندم في الخليج العربي ويقع بين خليج مكران وبحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي وفي الجانب الشمالي للمضيق محافظة بندر عباس ومن الجنوب سلطنة عمان، وعرض المضيق 50 كيلومتراً، وتعتبر أضيق نقطة أمام بندر عباس 34 كيلومتراً، وعمقه 60 متراً أما مساحة عرض ممري الدخول للمضيق فهي 2 ميل بحري (من عشرة ونصف كم إلى أحد عشر كيلومتراً) وتعبر فيه يومياً من 25 إلى 30 ناقلة عملاقة بما يزيد على 40% من النفط العالمي وبما يزيد على 90% من نفط دول الخليج.
وتنتشر في المضيق العديد من سلاسل الجبال والصخور مشكلة عدداً من الجزر منها جزيرة مسندم وجزيرة سلامة وجزيرة الطير والتي سميت بذلك بسبب استقبالها لأنواع عديدة من الطيور، ورغم أن المضيق يعتبر مضيقاً تجارياً إلى حد كبير، فإن حركة السياحة فيه معقولة نظراً للمناظر الخلابة التي تجذب العديد من السائحين.
أدركت إيران منذ الوهلة الأولى أن خليج هرمز أعطاها ميزة كبيرة في صراعها مع الدول الغربية وحلفائها، ولهذا حاولت أن تجعل تلك الورقة أكثر فاعلية، وأن تسيطر على المضيق، فقامت بتطوير سلاح البحرية وأنفقت عليه مئات الملايين من الدولارات، وقامت بصناعة فرقاطات وصواريخ بالستية بحرية إلى جانب البرية والجوية.
ولم يتوقف الأمر عند صناعة واستيراد الأسلحة البحرية المتطورة والألغام المعقدة، حيث تشير المعلومات إلى أن إيران لديها أكثر من خمسة آلاف متطوع على استعداد للقيام بعمليات استشهادية داخل مياه المضيق وأن يتحولوا إلى قنابل تنفجر في آليات الأعداء. وقامت إيران بإجراء العديد من المناورات البحرية في مضيق هرمز ووضعت أهدافاً لأعداء مفترضين، ونجحت بصواريخها في ضرب تلك الأهداف المفترضة والتي كان أبرزها «مناورة الرسول الأعظم» التي جرت أخيراً في شهر فبراير/شباط الماضي في جزيرة «لارك» باستخدام حاملة طائرات لعدو مفترض وتم إطلاق صواريخ باليستية بر - جو، وأخرى بحرية وتم زرع ألغام بحرية.
وطبقاً لتصريحات محمد جعفري قائد الحرس الثوري، فإن المناورة حققت أهدافها، حيث قال: «سبق أن أعلنا للعالم أجمع أن لدينا الإمكانات الضخمة لاستتباب الأمن في مضيق هرمز والخليج للحيلولة دون السماح للأعداء بممارسة
نفوذهم في المنطقة»، وقال جعفرى في واحدة من أخطر الرسائل: إن بلاده توصلت إلى قوة لا مثيل لها ولكن لا تريد ممارستها على أرض الواقع. والبحرية الإيرانية سوف تسيطر بالكامل على بحر عمان ومضيق هرمز.
وقد بثت طهران رسائل أخرى عبر أطراف غير مسؤولة في الدولة مضمونها، أنها قادرة على تحويل المضيق إلى كتلة من النار، لهذا عندما دخلت بعض القوارب البريطانية إلى هذه المياه، انقضت عليها البحرية الإيرانية وصادرت القوارب والمعدات. ثم أفرجت عن البحارة بتدخلات دولية، وعندما اقتربت بعض الأساطيل الأمريكية من هذه المنطقة استأذنت البحرية الإيرانية.
وقد لمحت إيران بأكثر من شكل بأن أي اعتداء غربي وخصوصاً أمريكي على إيران، سيعقبه إغلاق المضيق ومنع خروج أي قطرة نفط مما يعطل الاقتصاد الدولي، على الرغم من أن المضيق في عرف القانون الدولي ينطبق عليه قانون أعالي البحار، وتعطيله أو إغلاقه أمر ليس بالهين، لكن طهران تدرك أيضاً أن سيطرتها على المضيق هي أقوى ورقة تملكها، ولن تستخدمها إلا إذا شعرت أن أمنها القومي بات في خطر محقق.
فإيران تقريباً هي الدولة الوحيدة التي تهيمن هيمنة كاملة على مضيق هرمز وأكثر من مرة تحتجز سفناً غربية وأمريكية، وترى أن أي سفن أجنبية لابد أن تنسق مع إيران في حال مرورها في المضيق، ولهذا لم يكن غريباً أن تصدر وزارة الدفاع الأمريكية تصريحاً في الأيام الماضية وتقول إن الحرس الثوري الإيراني تحرش بسفينة تجارية تحمل العلم الأمريكي في مضيق هرمز، وذلك قبل أيام من قيام الإيرانيين باحتجاز سفينة أخرى.
وقال العقيد ستيف وارن الناطق باسم الوزارة للصحفيين في واشنطن: إن الحادثتين اللتين وقعتا في غضون خمسة أيام خلال الأيام الماضية تثيران المخاوف حول أمن طرق الملاحة البحرية في مضيق هرمز الاستراتيجي الذي يربط الخليج ببحر العرب، وقال إنه من الصعب معرفة السبب الدقيق
للتصرف الإيراني، وأضاف قائلاً: نحن ندعو الإيرانيين لاحترام القوانين الدولية المتعلقة بحرية الملاحة وقانون البحار، والتي تعتبر إيران من الدول الموقعة عليها، وقال إن الحادث الأول وقع في 24 من إبريل/ نيسان عندما قامت زوارق تابعة للحرس الثوري بالتحرش بالسفينة التجارية التي تحمل
علم أمريكا. وتدعى مايرسك كنسجتون أثناء إبحارها في مسار مخصص للملاحة، وأن الزوارق تعقبت السفينة لمدة 20 دقيقة، والتي اعتبرها ربان السفينة الأمريكية طريقة عدوانية، مبيناً أن البحرية الأمريكية لم تتدخل في الحادثة وقبلها بعدة أيام احتجزت الزوارق الإيرانية سفينة «مايرسك تايجرس» التي تحمل علم جزر مارشال واقتادتها إلى جزيرة لاراك الإيرانية، بعد أن أطلقت عليها قذائف تحذيرية، أما إيران فقالت إن احتجاز السفينة كان لوجود خلاف تجارى، وكذلك مرورها في داخل المياه الإقليمية الإيرانية.
الجزر المحتلة يضم أرخبيل مضيق هرمز ست جزر منها الجزرالاماراتية الثلاث والتي احتلتها إيران عام 1971، وهي طنب الكبرى وأبو موسى وطنب الصغرى وتؤكد دولة الإمارات دائماً على ضرورة حل النزاع بالوسائل السلمية، إما بالمفاوضات وإما بإحالة النزاع إلى محكمة العدل الدولية للبت فيه، لكن إيران ترفض بتعنت وتزعم حقها بالجزر وأنها ليست محلاً للتفاوض. وهذه الجزر الثلاث دائماً ما تصنف ضمن جزر الخليج العربي، ولكن لا يمكن ذكر مضيق هرمز من دون ذكر هذه الجزر، حيث إن من يسيطر عليها يمكنه أن يسيطر على مضيق هرمز، لأنها مناطق متقدمة يمكن أن تكون نقاط استطلاع جيد ويمكن أن تكون منصات إطلاق قوية في حال وقوع أي نزاع عسكري، وهذا ما يفسر إصرار إيران على الوجود في هذه الجزر، وهناك من يعتبرها محطة جيدة لرسو السفن واستراحة من جراء العناء من الرحلات الطويلة.
جبل طارق : منحة الجغرافيا ومحنة السياسة
تحقيق: زينب هاشم
تروي الأساطير الإغريقية أن هرقل العظيم شق الصخر، ليفتح ذلك المضيق الفاصل بين البحر المتوسط والمحيط الأصلي لتصبح الصخرتان المنقسمتان الحد للعالم القديم بقاراته الثلاث.
هذا المضيق الذي اكتسب بعد قرون اسماً عربياً، ليضحى مضيق جبل طارق، هو تلك النقطة التي اقتربت فيها القارتان السمراء والبيضاء في عناق أبدى يكاد يكتمل في وسط المضيق البالغ عرضه نحو 13كم، وتصبح المسافة أقرب ما يكون ما بين جنوب إسبانيا وشمال غرب إفريقيا.
ويظل هذا المعبر المائي شاهداً على حلقة مهمة في تاريخ الحضارة الإسلامية والأندلسية، فمنه عبر القائد العربي، الذي قالت بعض المصادر التاريخية بانتمائه للبربر، ليقود الفتح الإسلامي للأندلس عام 711 م بأمر من موسى بن نصير، ولينهي بذلك حكم القوط في إسبانيا، فعلها ابن زياد الذي ترك اسمه بصمة على هذا الممر وعلى الجبل الذي قابله وهو يطأ أرض الأندلس.
كما ترك بصمته في الرواية التي تشير إلى أنه في معركة «وادي برباط»، قام بحرق السفن ليجبر رجاله على القتال بحماسة قائلا: «العدو من أمامكم والبحر من ورائكم».
هذا هو مضيق جبل طارق الذي يفصل جنوب إسبانيا عن شمال غرب إفريقيا، الذي يصل طوله إلى 36 ميلاً (نحو 58 كيلومتراً)، أما عرضه فيتراوح ما بين ثمانية أميال (نحو 13 كيلومتراً) و27 ميلاً (نحو 43 كيلومتراً ونصف الكيلومتر)، كما يبلغ عمق المياه فيه نحو 300 متر، وأقصر مسافة بين ضفتيه هي 14 كيلومتراً.
كما يقع المضيق أيضاً بحرياً بين شبه جزيرة ليبيريا شمالاً وشمال إفريقيا جنوباً، ويحدّ المدخل الغربي للمضيق كلّ من رأس سبارتيل (المغرب) ورأس الطرف الأغر (إسبانيا)، ويشرف على المضيق كل من المغرب وإسبانيا ويتمتع جبل طارق بالحكم الذاتي.
أهمية المضيق جعلت القوى البحرية على مر العصور تحاول السيطرة عليه بدءاً من الفينيقيين 1100 ق.م والإغريق 700ق.م والقرطاجيين 600 ق.م والرومان 200 ق.م.
وعندما كان جبل طارق تحت سيطرة المسلمين استولت عليه مملكة قشتالة المسيحية لكنه عاد لسيطرة المسلمين 1333م ثم استعادته في النهاية عام 1462.
وفي 1704 أصبح جبل طارق تحت الحكم الإسباني، وخلال حرب الخلافة الإسبانية، استولى الأسطول الهولندي الإنجليزي على جبل طارق باسم كارل السادس المطالب بعرش إسبانيا، وفي نهاية الحرب تنازلت إسبانيا عن جبل طارق لبريطانيا وفق معاهدة «أو ترخت» 1713.
وحاولت إسبانيا استرداد جبل طارق من خلال حروب طاحنة من دون جدوى، وازدهر جبل طارق كمستعمرة بريطانية، حتى إنها تحكمت فيه ومنعت دول المحور من دخول البحر المتوسط إبان الحرب العالمية الثانية.
وبعد انتهاء الحرب تصاعدت المطالبات الإسبانية باستعادته، وعندما اشتد النزاع الحدودي قامت إسبانيا بغلق حدودها مع جبل طارق خلال الفترة من 1969- 1985 وقطعت وسائل الاتصال بجبل طارق ودعمت أمريكا اللاتينية موقف إسبانيا، لكن إنجلترا، رفضت كما طالب مواطنو جبل طارق بحق تقرير المصير.
وفي عام 1985 غادرت معظم القوات البريطانية إقليم جبل طارق الذي يتمتع حاليا بالحكم الذاتي.
كان الصراع التاريخي على المضيق بديهياً نظراً لأهميته الجغرافية والاستراتيجية، فهو المتحكم في حجم ضخم من التجارة التي تنتقل عبر الدول المحيطة به، كما أن الخلاف يتجدد دائماً من آن لآخر بين إسبانيا وبريطانيا حول السيادة على صخرة جبل طارق.
ومن هنا برزت فكرة تلقائية المطالبة المغربية بمدينتي سبتة ومليلية، إذ لا بد أن يسترجع كل ذي حق حقه، «في الوقت المناسب»، كما قال الملك محمد السادس وهو ولي للعهد في مدريد يوم 14 مايو/أيار 1997، وكان العاهل المغربي قال منذ خمس سنوات: «سيكون علينا أن نتخلص حين يأتي الوقت المناسب، من آخر الملفات التي ورثناها من تاريخنا الطويل المشترك، وذلك في دائرة الحكمة والعقل». ولم تفت صحف مدريد حينذاك أن تسجل أن ولي عهد المغرب قد قصد بكيفية مبطنة مسألة سبتة ومليلية.
في الوقت نفسه لم يكن هذا الاستنتاج اختراعاً مثيراً، لأن الأمر يتعلق بانشغالات جارين عجوزين يفهم أحدهما الآخر بالإشارة، وكان مفهوماً على الدوام، أن مسألة الثغرين السليبين منومة إلى أن يحين وقتها ولعله قد حان الآن، بعد أن تم طرح مسألة جبل طارق بين إسبانيا وبريطانيا.
وكما ربط التاريخ بين مصيري القائد طارق بن زياد، والقائد موسى بن نصير، في الحياة، التقا جبلان يحملان اسميهما أحدهما في البر الإيبيري، والآخر في البر المغربي.
ويترافق كذلك جبلا موسى وطارق كملفين سياسيين.
فحينما استأثرت بريطانيا في يوليو 1704 بصخرة جبل طارق، المقابلة لصخرة جبل موسى المشرف على سبتة، كاتب قائد الحامية البريطانية الأميرال رووك، قائد مدينة طنجة علي بن عبدالله، طالباً منه تأمين تزويد الصخرة بالمؤن.
وتلقى رداً إيجابياً في الحين.
وكان ذلك مطية ركبها مولي إسماعيل (1672 1727)، ليستعمل هذا الخط المفتوح مع البريطانيين، فبعث سفيراً لبلاط الملكة آن (1702 1714) هو أحمد كارديناس، في 1706، ليفاتح لندن في مقايضة تهم الطرفين، تزويد الصخرة بالمواد الغذائية، والسفن البريطانية الزائرة للموانئ المغربية بماء الشرب في مقابل الحصول على الذخيرة لمواصلة تحرير الثغور، وكان الإنجليز طردوا من طنجة في 1684، خصوصاً التعاون معاً لطرد الإسبانيين من سبتة، التي حاصرها إسماعيل لمدة 33 سنة.
وظلت مشكلة الربط بين سبتة وجبل طارق في الفكر السياسي الإسباني أيضاً. ففي عام 1870 فاتحت إسبانيا بريطانيا في شأن مقايضة سبتة بجبل طارق.
وفي 1917 اقترح الديكتاتور بريمو دي ريفيرا التنازل عن المدينة لبريطانيا في مقابل الصخرة.
وقبل ذلك كان ماركيس دي لامينا في 1764 قد حرر تقريراً انتهى فيه إلى عدم جدوى التمسك بمدينة مليلية.
وفي 1801 عرضت لإخونتا سينطرال، التنازل عن الصخور المتوسطية للمغرب في مقابل فوائد مادية.
وعرض خوسى بونابارت التنازل عن المواقع نفسها في مقابل اعتراف المغرب به ملكاً على إسبانيا وهو عرض رفضه المغرب تمسكاً بالمشروعية.
معاناة سكان جبل طارق وحتى الآن لا تزال المشكلة قائمة بين الدولتين الإسبانية والبريطانية، لكن من يدفع الثمن هم الجالية المغربية في جبل طارق، ومعظمهم من العمال، الذين يعانون مشكلات عدة، في مقدمها صعوبة تنقل أفراد هذه الجالية بين الصخرة والمغرب، وتعليم أبنائهم في المدارس، وتعقيدات تصل إلى درجة الاستحالة بشأن انتقال أسرهم للعيش معهم، إضافة إلى توقف المعاملات القنصلية.
ويشعر هؤلاء العمال بالإحباط نظراً لعجز السلطات المغربية عن حل مشكلاتهم، لقد سمحت بريطانيا للمغاربة بالإقامة والعمل في مستعمرة جبل طارق منذ أربعين عاماً، وبالفعل هناك آلاف المغاربة يعيشون ويعملون في كثير من المهن البسيطة، ولكن أغلبهم يعيشون من دون أوراق رسمية، ومن هنا يتعذر تنقلهم إلى دول أوروبا، ومن بينها إسبانيا التي يسافر إليها المغاربة بسهولة ويسر.
وتتحدث فاطمة إلياس، مغربية تحمل الجنسية البريطانية وتعيش في مستعمرة جبل طارق قائلة: نواجه مشكلات كثيرة في المعيشة وإمكانية التنقل والسفر من وإلى المغرب باستمرار، فنحن لا نتمتع بربع المميزات التي تحظى بها الجنسيات الأخرى برغم أننا نعيش في المكان نفسه، فلا يمكننا الحصول على تذاكر الطيران إلا في أيام معينة من الأسبوع ونشتري السلع غالية الثمن.
ويستكمل الحديث بو عمر رشيد قائلاً: ليس لدينا نحن المغاربة الحقوق التي تتمتع بها بقية السكان المحليين الموجودين في المنطقة برغم أننا نؤدي جميع المهام المطلوبة منا ونجتهد دائماً في عملنا، ومعروف أن المغاربة يؤدون المطلوب منهم دائماً بجدية ولكن عندما نأتي عند الخدمات المستحقة فلا مساواة، وأهم هذه الخدمات هي التأمين الصحي مثلاً والمفترض أن توفره لنا جهة العمل الخاصة بنا، ولكن للأسف لا نحصل عليه، وكذلك أسعار الكشف الطبي فنجد هناك تفرقة بين المغاربة والأوروبيين الذين يحصلون على أسعار مخفضة في العلاج والكشف وكل شيء.
وعن المستعمرة وأهمية المضيق للمغرب، قال د.محمد بودن، رئيس المركز الدولي لتحليل المؤشرات العامة: إن أهمية منطقة جبل طارق، بالنسبة إلى المغرب ومصالحه، يمكن رصدها من خلال السطور التالية: أولاً المغرب يتابع كل التطورات المتعلقة بالسيادة على جبل طارق، لارتباط ذلك بمستقبل حقوق المغرب التاريخية في جنوب المتوسط، والإسقاطات المباشرة والمرتبطة بسبتة ومليلية، طالما أن الحجج والأحقية متشابهان.
وثانياً، هناك روابط تاريخية وواقعية للمغرب بجبل طارق، الموجود في منطقة حبلى بالمتناقضات، التاريخية، الجغرافية، السياسية والحضارية.
وهو مطلب إسباني ومغربي في الوقت ذاته، بحكم أن التاريخ لا يمكنه تغيير الجغرافيا، والمغرب تجد أسانيدها في كون أن أمن المنطقة هو جزء من أمن المغرب.
ولا يمكن تجاهل التعاون الأمني بين الشركاء المتوسطيين، في ظل التحديات الأمنية الراهنة، وما يرتبط بالإرهاب والجريمة المنظمة، والهجرة والاتجار بلبشر، خصوصاً أن المغرب لعب دوراً تاريخياً في الحوار حول موضوع منطقة جبل طارق، وله الكثير من التراكمات، والوثائق المرتبطة بتاريخ المنطقة، وعليه استعادة دوره التاريخي، ولكن الاهتمام الحتمي بجبل طارق كمنطقة تتركز فيها أحدث الوسائل اللوجستيكية العالمية لمراقبة الملاحة هو أمر لا مناص منه.
ويواصل بودن حديثه قائلاً: المغرب له ارتباط بجبل طارق، متمثل في جسر الجالية المغربية المقيمة هناك.
والمغرب ينتهج مقاربة مبتكرة في ترافعه غير الرسمي حول حقوقه التاريخية التي تصب في مصلحة الفضاء المتوسطي ككل، بالحرص الدائم على المصالح المشتركة، وما يرتبط بتلاقح الثقافات.
وفي النهاية، فإن أهمية المنطقة بالنسبة إلى المغرب، وأهمية المغرب بالنسبة إلى المتوسط، عامة وشبه الجزيرة الإيبيرية خاصة، تطفو على السطح كلما تم استحضار أمن المنطقة، في ظل الوضع الأمني الصعب في ليبيا، ودول الساحل والصحراء، والشرق الأوسط، وبالتالي فالمنطقة في حاجة للمعلومة الأمنية ويشبه الأمنية التي تقدم من قبل المغرب، وإذا كانت هناك رابطة تعاون أو صداقة بين المغرب ومنطقة جبل طارق، فلا يمكن إدراجها إلا في إطار علاقة شمال جنوب.
ولكن بالفعل هناك محاولات لاسترداد الحقوق المغربية الضائعة، ولكن الجانب الإسباني يماطل ويرفض الحوار بخصوص سبتة ومليلية، أما بريطانيا فتشترط خروج إسبانيا من سبتة ومليلية لتتخلى بدورها عن جبل طارق.
ويتحدث د. سمير بنيس، خبير في العلاقات المغربية الإسبانية وملف الصحراء ورئيس تحرير موقع الأخبار المغربية العالمية الناطق باللغة الإنجليزية قائلا: تعتبر قضية سبتة ومليلية، المدينتين المغربيتين اللتين توجدان تحت السيادة الإسبانية من المسائل العالقة حتى الآن في العلاقات بين المغرب وإسبانيا.
وخلافاً للعقود الأربعة الأخيرة من القرن الماضي حين كانت هذه القضية من المسائل التي كانت تؤجج توتر العلاقات بين البلدين الجارين، فإنه وفي السنوات العشر الماضية نجح البلدان في تحجيم تأثير هذه القضية في علاقاتهما وترك هذا الملف للمستقبل.
فهناك العديد من الأسباب التي تجعل المغرب يصرف النظر في الوقت الراهن عن المطالبة باسترجاع هاتين المدينتين لأسباب سياسية واقتصادية.
السبب الأول، هو أن المغرب لايزال يناضل من أجل تثبيت استرجاعه للأقاليم الجنوبية المتواجدة في الصحراء المغربية.
فبالنسبة إلى المغرب تعتبر الصحراء ذات أهمية استراتيجية أكثر من سبتة ومليلية، وتتعلق بعمقه الإفريقي.
وبحكم أن إسبانيا طرف من الأطراف المعنية بهذا النزاع المفتعل لكونها الدولة التي كانت تستعمر ذلك الجزء من الأراضي المغربية، فإن المغرب محتاج لدعم الحكومة الإسبانية بخصوص قضية الصحراء المغربية، أو على الأقل أن تتبنى إسبانيا موقف الحيادية الإيجابية تجاه النزاع وألا تتخذ أي موقف معاد لمصالح المغرب.
أما السبب الثاني، فهو اقتصادي. فإسبانيا أصبحت خلال السنين الأخيرة الشريك الاقتصادي الأول للمغرب إلى جانب فرنسا، بل إنها في بعض الأحيان تجاوزت فرنسا التي ظلت على مدى خمسة عقود الشريك الاقتصادي الأول للمغرب. وبالتالي فقد دفع النضج والمتانة اللتان وصلتهما العلاقات بين المغرب وإسبانيا مسؤولي البلدين إلى تفادي أي ملف شائك من شأنه أن يعكر صفو هذه العلاقات.
فالموقف المغربي منذ عام 1987 بني على التأكيد على وجود تشابه كبير بين المسألتين.
ويؤكد د. عادل بن حمزة، الناطق الرسمي باسم حزب الاستقلال أكبر أحزاب المعارضة في المغرب وعضو البرلمان المغربي، أن جبل طارق يخضع للحكم البريطاني، وأن المغرب لم يسبق له أن طالب بالجزيرة بل إسبانيا هي من يطالب بالسيادة على الصخرة، أما المغرب فتقتصر مطالبه على سبتة ومليلية والجزر المجاورة ولن يضيع حق وراءه مطالب.
من جانبه، يشير د. أحمد فوزي دياب كبير الخبراء في الأمم المتحدة، إلى أن مضيق جبل طارق يربط بين القارات الثلاث أوروبا وإفريقيا وآسيا، وهذه القارات كانت قطعة واحدة تسمى «جندوانا لاند» التي انقسمت إلى ست قارات، وباللغة الصحيحة ست صفائح تكتونية، فأصبح المضيق يؤثر تأثيراً في حركة الملاحة وله فائدة كبير بالنسبة إلى المتوسط، فكان المصدر الوحيد لاتصال البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلنطي، وكان يستقبل عدداً من الأنهار مثل نهر النيل والراين والسين وغيرها، ومع افتتاح قناة السويس حدث اتصال بين البحر الأحمر والمتوسط فمن يسيطر على المضايق يسيطر على الملاحة البحرية والتجارة الدولية، من هنا تبرز أهمية مضيقي جبل طارق وباب المندب في البحر الأحمر.
تيران: كلمة السر في أمن «إسرائيل»
معتز أحمد إبراهيم
مضيق تيران.. منفذ ميناءي العقبة وإيلات، ذلك الممر المائي الذي أضحى سبباً في أهم حلقة من حلقات الصرع العربي «الإسرائيلي»، حين قرر جمال عبدالناصر إغلاقه أمام الملاحة 1967، فجن جنون «إسرائيل» التي تعتبره خطاً أحمر لأمنها القومي، ونافذة إطلالتها على العالم، لتتداعى الأحداث.
ويظل تيران نقطة مهمة في الصراع وملفاً شديد الخطورة بالنسبة إلى «تل أبيب».
تيران جمع كلمة «تير» وتعنى الموجة البحرية في اللهجة السعودية، يبلغ عرض مضيق تيران 4.50 كم، ويقع بين شبه جزيرة سيناء، وشبه جزيرة العرب. ليفصل بين خليج العقبة والبحر الأحمر.
التسمية الصحيحة له هي «مضائق تيران»، إذ إن هناك مضيقين أوسعهما بين مدينة شرم الشيخ بسيناء، وجزيرة تيران، وفيه ممران أعمقهما وأوسعهما هو ممر «إنتر برايز» إلى الغرب (عمقه 950 قدماً) وممر «جرافتون» المحفوف بالشعاب المرجانية (عمقه 240 قدماً)، والمضيق الآخر بين جزيرة صنافير وجزيرة العرب ضحل (عمقه 54 قدماً) وممره ضيق، ويعد المجرى المائي بمضايق تيران شديد الضيق، إذ إنه لا يزيد على ألف متر بالنسبة إلى السفن المتجهة شمالاً ولا يزيد على 600 متر بالنسبة إلى السفن المتجهة جنوباً.
كانت بدايات العام 1967 شهدت اشتباكات بالمدفعية بين الجيشين السوري و«الإسرائيلي»، وفي 7 إبريل/نيسان أسقطت «إسرائيل» 6 طائرات سورية من طراز ميغ 21.
وفي 14 مايو/ أيار زار رئيس أركان الجيش المصري محمد فوزي دمشق للتنسيق بين البلدين.
وفي اليوم التالي أعلنت مصر نقل حشود عسكرية وآليات تجاه الشرق وانعقد مجلس حرب كبير في مقر القيادة العامة للجيش المصري. وتوالت الأحداث بعد أن بدأت «إسرائيل» التعبئة العامة ودعت الوحدات الاحتياطية للالتحاق بالجيش.
وتحركت خمس فرق عسكرية «إسرائيلية» في صحراء سيناء بالقرب من صحراء النقب. ويوم 22 مايو/ أيار كان الحدث الفارق حين أغلقت مصر مضيق تيران أمام السفن «الإسرائيلية». وبرغم أن أغلب صادرات وواردات «إسرائيل» تتم عبر ميناءي «تل أبيب» ويافا، فإنها اعتبرت التصرف المصري تصرفاً عدائياً.
كما أن أمين عام الأمم المتحدة وقتها أكد أن تصر ف مصر جعل من الحرب أمراً لا مفر منه، وعندما التقى شمس بدران رئيس الوزراء الروسي في موسكو فإنه أكد أن موقف مصر صحيح، لكنه بالغ الخطورة. وعلى مصر نزع فتيل الأزمة كي تدعم مكاسبها.
بينما دعم الرئيس الأمريكي الموقف «الإسرائيلي». وفي 27 مايو قام سفيرا الاتحاد السوفييتي في كل من القاهرة و«تل أبيب» بتسليم خطابات ترجو ضبط النفس إلى كل من ناصر وأشكول.
وفي 29 مايو/أيار انعقد مجلس الأمن بناء على طلب مصر. حيث دعت إلى ترسيخ شروط هدنة 1948 بين دول الطوق العربي و«إسرائيل». غير أن المعارك اندلعت في الخامس من يونيو/حزيران.
وتوجد جزيرتان في الممر المائي هما جزيرة تيران، وجزيرة صنافير، التي تعد جزءاً من محمية رأس محمد الشهيرة، وتمتاز بالجزر والشعاب المرجانية العائمة. وتعتبر هذه الجزيرة مقصداً لمحبي رياضات الغوص لصفاء مائها وجمال تشكيلاتها المرجانية، ولها برامج سياحية باليخوت مع شرم الشيخ.
وبرغم وقوعها في مدخل مضيق تيران، فإن خطوط الملاحة البحرية تمر من غربها من أمام شرم الشيخ، حيث إن تشكيل قاع البحر إلى شرقها وجزيرة صنافير القريبة يجعل الملاحة مستحيلة، وكانت هذه الجزيرة نقطة للتجارة بين الهند وشرق آسيا، وكانت فيها محطة بيزنطية لجباية الجمارك للبضائع.
لكن «إسرائيل» احتلت الجزيرتين عام 1956، خلال العدوان الثلاثي، ومرة أخرى أثناء حرب 1967، وانسحبت منهما عام 1982، ضمن اتفاقية «كامب ديفيد».
وقد نصت اتفاقية كامب ديفيد على أن تخضع الجزيرتان لسيطرة قوات دولية متعددة الجنسيات، ووضع قوة للمراقبة، وأدرجت الجزيرتان ضمن المنطقة «ج» التي لا يحق لمصر وضع قوة عسكرية فيها. ويشير تقرير بثته «إسرائيل» منذ أشهر عدة، بمناسبة حرب 1967، إلى مشروع الجسر بين مصر والسعودية، وهو المشروع الذي اقترحته بعض الدوائر سواء في القاهرة والرياض، على حد سواء في مطلع الألفية، وينص على بناء
جسر من شرم الشيخ إلى رأس الشيخ حميد بالسعودية، فوق جزيرتي تيران وصنافير لربط جناحي الوطن العربي من دون المرور على «إسرائيل»، وأشار «موقع صوت «إسرائيل» في تقرير له
نشره في بداية عام 2013، إلى أن مصر والسعودية ترغبان، ولأسباب سياسية واقتصادية في بناء جسر كامل يربط بين الدولتين.
وأضاف التقرير أن «إسرائيل» تعارض فكرة إقامة هذا الجسر البري، نظراً لأن الدراسات الهندسية أوضحت وقوعه فوق جزيرتي تيران وصنافير الواقعتين عند مدخل خليج إيلات، الأمر الذي سيجعل الجسر يمثل تهديداً استراتيجياً ل«إسرائيل». وكشف الموقع عن أن «إسرائيل» ترى أن هذا الجسر سيعرض حرية الملاحة من وإلى ميناء إيلات للخطر. الغريب أنه ومع تكرار الحديث المصري والسعودي، عن هذا الجسر أعلنت «تل أبيب» أنها تعتبر إغلاق مضيق تيران سبباً مباشراً لاشتعال الحرب، وهو ما يؤكد أن هناك تحفظاً «إسرائيلياً» واضحاً على مختلف الصعد والدوائر.
والمعروف أن بعض الدوائر الرسمية أعلنت أن موقع هذا الجسر المشترك بين السعودية ومصر تم تحديده، وسيكون بين مدينة رأس حميد بالسعودية إلى شرم الشيخ بمصر، نظراً لأن ذلك المكان يمثل أقصر مسافة بين مصر والسعودية وتبلغ 23 كيلو متراً.
وتداول عدد من المواقع «الإسرائيلية» أحاديث مهمة عن طبيعة هذا المشروع، موضحة أنه سيتم على مرحلتين: الأولى من منطقة الشيخ حمد حتى جبل تيران، مروراً بجزيرة صنافير، والثانية من جبل تيران إلى رأس نصراني شمال شرم الشيخ.
وتوضح المواقع أن هذه المرحلة يفترض أنها اﻷكثر تكلفة، حيث سيتم اللجوء فيها إلى تقنية الجسور المعلقة المشدودة بالحبال الصلبة من جانبيها لجزء منه طوله ما بين خمسة إلى ستة كيلومترات، وهي الصالحة لمرور السفن في المضيق، وتمثل أعمق جزء فيه.
وتبلغ المسافة الكلية نحو 50 كيلومتراً، بينما يبلغ طول الجسرين 32 كيلومتراً، والباقي طريق يشكل بقية المشروع.
باب المندب : قرصنة وعسكرة فوق الماء
تحقيق: إيمان عمر الفاروق
كعقد ألماس في عنق البحر الأحمر وصدر خليج عدن، تمخر عبابه سنوياً نحو 21 ألف سفينة محملة بالبضائع والأطماع والقلاع والمؤامرات والمعتقلات والدسائس والجسور المعلقة، موجات من المد والجزر لمحاولات السيطرة والتدويل لم تهدأ بشواطئ تاريخه، اكتسب أهمية كبيرة عام 1869، بافتتاح قناة السويس، لكنها كانت كالنقمة عليه حيث جلبت مزيداً من لعنات الطامعين ليظل باب المندب يندب حظه شأنه شأن البحارة الذين كانت تندبهم عائلاتهم لرحيلهم إثر ارتطام سفنهم بالصخور البارزة فتتحطم ومن هنا نبع اسمه «باب المندب»، حيث أطلق عليه العرب اسم «بوابة الدموع». كما جاء ذكره في «المساند الحميرية» واسمه من ندب أي جاز وعبر، لقد قال عنه الروائي الفرنسي بول تيزان إن تلك الأرض نقطة تقاطع لعدة طرق بحرية محاطة بالمنارات والجزر الصغيرة المزروعة بالمدافع وهي إحدى الحلقات في السلسلة الطويلة التي تحافظ على أرباح تجار لندن في كل أنحاء العالم، إنها قطعة شقيقة لجبل طارق أما المستشرق البريطاني هارولد جيكوب، فقال «إنها القلعة التي تلفحها الشمس، الواقعة عند فوهة البركان والتي تتحكم في البحر الأحمر»، إنه يشكل مع البحر الأحمر وقناة السويس إمبراطورية شاهدة على القرصنة والعسكرة فوق الماء.
محاصرة «إسرائيل»
«كنا نتوقع المصريين في خليج العقبة، فإذا بهم يظهرون في باب المندب.. بعد انتهاء هذه الحرب سنعمل بكل قوتنا لتدويل هذا الممر أو احتلاله» هكذا عبر موشي ديان وزير الحرب «الإسرائيلي» عن صدمته جراء إغلاق مضيق باب المندب في وجه «إسرائيل» إبان حرب أكتوبر.
حيث كانت «إسرائيل» «تستورد من إيران نحو 18 مليون طن من النفط عبر مضيق باب المندب إلى ميناء إيلات لاستخدام جزء منها ثم تعيد تصدير الجزء الأكبر إلى أوروبا وخلال مدة الحصار لم تدخل ناقلة نفط واحدة إلى خليج العقبة حتى 1 نوفمبر/تشرين الثاني 1973.
التفاصيل الدقيقة لهذا المشهد العظيم كشفها الكاتب نجيب صالح في كتابه«العصر»الإسرائيلي«من قناة السويس إلى باب المندب»حيث ورد به ما نصه» في الرابع من أكتوبر أي قبل يومين من الحرب وصل إلى مطار عدن سبعة ركاب مصريين قادمين من القاهرة - والرواية قالها لي وزير الاقتصاد والتجارة العدني السيد عبدالعزيز عبدالولي ثم أكدها لي رئيس الوزراء آنذاك علي ناصر محمد - وتوجهوا على الفور إلى فندق «الروك» على ساحل ميناء عدن مثل أي زوار عاديين للبلاد، وفي اليوم التالي نزلوا إلى السوق الحرة في الميناء ليشتروا بعض الحاجيات، ثم توجهوا إلى الميناء لاستئجار مركب يقلهم في رحلة بحرية لكنهم عندما وصلوا إلى عرض المحيط الهندى طلبوا من البحار اليمنى أن يتعمق أكثر إلا أن الرجل رفض ثم أجبر على القبول باستعمال القوة وعلى بعد أميال من مدخل باب المندب ظهرت فجأة غواصة من تحت الماء مرسوم عليها العلم المصري وحينها أمر الركاب المصريون البحار بالتوجه نحو الغواصة ومن ثم صعدوا إليها بعد أن ساعدهم من ظهر على متنها.
وعندما رجع البحار إلى ميناء عدن أبلغ السلطات المختصة بكل ما جرى له، واستدعى رئيس الوزراء على الفور السفير المصري ليبلغه احتجاج جمهورية اليمن الديمقراطية على مثل تلك التصرفات، لكن الاحتجاج لم يصل إلى القاهرة بعد ظهر اليوم التالي لأن الحرب كانت قد اشتعلت على جبهة قناة السويس بين مصر و«إسرائيل».
«وكان الرد المناسب لمكتب رئيس الوزراء اليمنى واضحاً عندما جاء السفير المصري في اليوم نفسه ليبلغه أن الركاب السبعة هم قائد سلاح الغواصات المصرية ومساعدوه، وأنهم اتبعوا هذه الطريقة حتى لا يظهر للمخابرات «الإسرائيلية» أن قائد هذا السلاح غائب عن مصر في مهمة عسكرية ولفترة زمنية طويلة».
ويومها صدر أمر عسكري يمني بالاستنفار الكامل وبتوجه كل قطع السلاح البحري إلى باب المندب لإقفاله في وجه السفن القادمة من«إسرائيل» أو العابرة باتجاهها.
عسكرة فوق الماء
يعود الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة إلى القرن المنصرم، عندما حصلت الولايات المتحدة من إثيوبيا على محطة اتصالات «كاجينو» في أسمرة، ثم عززت وجودها في الصومال وكينيا عام 1980، بعد الإطاحة بالإمبراطور الإثيوبى هيلاسلاسي.
وأدت تجربة التدخل العسكري الفاشل في الصومال عام 1993، إلى ابتعاد الولايات المتحدة عن التدخل العسكري المباشر في المنطقة، إلا أن أحداث 11 سبتمبر أيلول2001، غيرت من الاستراتيجية الأمريكية، التي تبنت عملية إعادة انتشار واسعة للقواعد العسكرية حول العالم، فتأسست «قوة المهام المشتركة في القرن الإفريقي» في 19 أكتوبر تشرين الأول 2002، في إطار «عملية الحرية الدائمة» لمحاربة الإرهاب، وعملت القوة من على متن حاملة الطائرات «يو إس إس ماونت ويتني» في خليج عدن حتى عام 2003، عندما منحت جيبوتي الولايات المتحدة قاعدة كامب ليمونيه كمقر للقوة، وهي تتضمن نحو 4000 جندي أمريكي، وتستخدمها الولايات المتحدة في إطلاق طائرات من دون طيار إلى اليمن ومنطقة القرن الإفريقي، في إطار حربها على الإرهاب.
وإضافة إلى دورها كشرطى للمنطقة وكقوة عسكرية أساسية لمواجهة التطرف والإرهاب في المنطقة، فإن لإثيوبيا ثقلاً أساسياً في استراتيجية البيت الأبيض في التحكم بالطرق الملاحية الدولية.
وفي عهد الزعيم الإثيوبي ميليس زيناوي، وصلت قيمة مساعدات واشنطن لأديس أبابا إلى أكثر من 800 مليون دولار سنوياً، حيث تضم قاعدة جوية أمريكية في مدينة «أربامنش»، للطائرات المسلحة بدون طيار، إضافة إلى قاعدة «دير عدوة» التي توجد بها عناصر كوماندوز أمريكيون.
وبحلول عام 2011، اتسع نطاق مسؤولية قوة المهام المشتركة ليشمل دول القرن الإفريقي، والتي تبعت القيادة الأمريكية المركزية، حتى تم تأسيس القيادة الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم) في فبراير/شباط 2007، وتم ضم قوة المهام المشتركة إليها في أكتوبر 2008. وأسهمت مشكلة القرصنة في تعزيز الوجود العسكري في المنطقة بعد قرارات مجلس الأمن التي سمحت بوجود سفن عسكرية للدول الأجنبية في مياه القرن الإفريقي لمواجهة القراصنة، وإطلاق الاتحاد الأوروبي لعملية «أطلانطا» في ديسمبر/كانون الأول 2008، ونشر إيران والصين واليابان وروسيا والهند وكوريا سفناً في المنطقة، في إطار التنافس الدولي عليها.
وتتمسك فرنسا بعد خروجها من أكثر مستعمراتها الإفريقية، بقاعدتها البحرية في جيبوتي، وبدأت فرنسا أيضاً في عام 2010، بناء قاعدة عسكرية لمكافحة القرصنة، بالتنسيق والشراكة مع الحكومة اليمنية.
ويندرج في هذا السياق الاتفاقية العسكرية التي عقدتها الإمارات العربية المتحدة في أواخر عام 2014، مع الصومال، بهدف تعزيز التعاون الثنائي في «الشؤون العسكرية» بين البلدين.
ويمثل أرخبيل سقطرى ساحة أطماع أخرى أو يمكن القول إن تلك الجزيرة المعروفة باسم الجزيرة الحمراء هى البوابة الملكية لعسكرة المضايق وهى تُعد البوابة الجنوبية لمضيق باب المندب.
تقع جزر أرخبيل سقطرى اليمنية في المحيط الهندى على بعد نحو 80 كيلومتراً قبالة القرن الإفريقي، و380 كيلومتراً في جنوب الساحل اليمني.
وهى محمية للحياة البرية معترف بها من قبل (اليونيسكو)، كموقع للتراث الطبيعي العالمي.
من وجهة نظر عسكرية، تقع جزر أرخبيل سقطرى على مفترق طرق بحرية استراتيجية.
وعلاوة على ذلك، فإن الأرخبيل يمتد على مساحة بحرية كبيرة نسبيًا في المنفذ الشرقي من خليج عدن، من جزيرة عبد الكوري، إلى الجزيرة الرئيسية سقطرى.تقع هذه المنطقة البحرية قريبة من العبور الدولي في المياه الإقليمية اليمنية.هدف الولايات المتحدة هو حراسة خليج عدن البحرى بأكمله من الساحل اليمنى إلى الساحل الصومالي.
وتقع جزيرة سقطرى على بعد نحو 3000 كم من القاعدة البحرية الأمريكية «دييغو غارسيا»، وهي من بين أكبر المنشآت العسكرية الأمريكية في الخارج.
الجزيرة المسحورة مفاتيح باب المندب موزعة على عدد من الجزر والنقاط الاستراتيجية، وتعتبر جزيرة بريم أو«ميون» أهمها جميعا التى تفصل المضيق إلى قناتين وتبلغ مساحتها 13 كيلو متراً مربعاً تقريباً وهي جزء لا يتجزأ من أرض اليمن، وتتخذ شكل هلال ويطلق عليها أيضاً اسم جزيرة ميون لوجود قرية ميون المهجورة التي بناها الاستعمار البريطانى عليها أثناء الاحتلال.
وتقسم الجزيرة مضيق باب المندب إلى ممرين، ممر آسيوى عرضه 2.2 ميل وممر إفريقى عرضه 11.5 ميل وهو الصالح للملاحة. وتقع الجزيرة على بعد 100 ميل فقط من مدينة عدن وقد استغلتها بريطانيا عام 1799 لمنع نابليون من الاتجاه نحو الهند كما استغلها «أكيوكيرك» البرتغالى عام 1513 لإقفال البحر الأحمر أمام قوات المماليك. وقد زارها أحد البحارة اليونانيين وذكرها في كتابه «الطواف حول البحر الأحمر» باسم «ديودورس» واحتلها البريطانيون عام 1511بقيادة الفونسو ديلبوكيرك عند عودته من البحر الأحمر وشيد بنايات عسكرية في الرأس الشمالي للميناء وسماها «فيراكروز» ولكنه لم يبق فيها طويلاً لعدم وجود الماء العذب.
واحتلها القراصنة الذين كانوا يطوفون البحر الأحمر ويهاجمون السفن التجارية ويستولون على ما تحمله من أموال ثمينة، وكان القراصنة قد أزمعوا البقاء فيها وتحصينها لكنهم هجروها بعد محاولاتهم المتكررة الفاشلة للحصول على الماء واستبدلوها بجزيرة ماري في الجانب الشرقى من جزيرة مدغشقر «مالاغاسي». ثم جاءها الفرنسيون عام 1738 وقاموا بحفر بئر ظهران وكان ماؤها مالحاً فانسحبوا منها.
وبعد احتلال بريطانيا لعدن عام 1839 احتلت الجزيرة عام 1857 لتشيد فناراً يرشد السفن التى تستعمل باب المندب على ارتفاع 9.4 قدم وأصبحت الجزيرة في هذا العام جزءاً من الإمبراطورية البريطانية.
وتطورت الأوضاع بالجزيرة عقب افتتاح قناة السويس فأنشات شركة للفحم في الجزيرة لتمويل السفن بالوقود، لكن سرعان ما ألغي دورها نتيجة لظهور البترول فتحولت مثل هذه الخدمات لميناء عدن، وفى يونيو 1967 أعلنت بريطانيا تخليها عن جزيرتى بريم وكوريا موريا وأنها غير مسؤولة عنهما.
مضيق باب المندب لم يكن فقط ساحة قتال وأطماع للهيمنة والسيطرة عبر القواعد العسكرية بل هناك مشاريع أخرى استثمارية أشهرها الجسر الذى أعلن عن مشروع إقامته عام 2008 لربط جيبوتى واليمن لرجل الأعمال السعودى طارق بن لادن شقيق أسامة بن لادن الذى يطلق عليه اسم جسر باب المندب.
*ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة
«عاصفة الحزم» ..وحمايةالمضيق
هل مازال الخطر مرابطاً بحدود مضيق باب المندب؟ وهو بطل الأحداث والتحليلات والمانشيتات منذ بداية عملية «عاصفة الحزم» والعامل أو الدافع الرئيسى لمشاركة مصر في التحالف.
هذا هو السؤال والإجابة تأتينا على لسان أول ملحق عسكرى باليمن في الفترة منذ 1987 وحتى 1989، إنه لواء أركان حرب متقاعد د. محمد قشوش، أستاذ الأمن القومي بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، فتجربته باليمن ثرية، حيث يوضح أهمية باب المندب للأمن القومي العربي والمصري والاقتصاد العالمي والتي تنبع من موقعه عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، فهو ممر مائي يصل البحر الأحمر بخليج عدن وبحر العرب.
ويتميز مدخله بأنه ضيق وبه عدة جزر، بعضها صالح للملاحة بينما البعض الآخر غير صالح للملاحة، وثمة جزر تتحكم في المجرى الملاحى لمضيق باب المندب أهمها جزيرة بريم.
الجدير بالذكر أن مصر قد أغلقته أثناء حرب أكتوبر 1973 حتى تحاصر «إسرائيل» في عمق استراتيجي وتمنع وصول إمدادات إليها ولكي لا تخرج إلى المحيط الهندي، وخرجت القطع البحرية المنوط بها تنفيذ تلك المهمة تحت خطة خداع استراتيجية تمثلت في الإعلان عن أنها - القطع البحرية - في طريقها إلى باكستان لإجراء عملية عَمرة لها كتكتيك تمويهى لأنها كانت بالطبع مراقبة.
ويبُعد مضيق باب المندب عن مصر بحوالى 2400 كيلو متر، ويختلف طول المساحة وفقاً لنقطة القياس فتقدر بحوالى 3000 كم من البحر الأبيض المتوسط. وقد تمركزت القطع البحرية بأماكنها ونجحت في إغلاق باب المندب في وجه «إسرائيل» لمحاصرتها بحرياً.
فمن يريد إلحاق الضرر بمصر يغلق باب المندب، لأن ذلك من شأنه التأثير في قناة السويس.
فمن المنظور الاقتصادى يعبره 30% من إمدادات النفط التى تصل من منابعها بدول الخليج إلى أوروبا وأمريكا، هذا بخلاف أهميته للتجارة العالمية.
أما بخصوص محاولة إعاقة الملاحة بالمضيق من قبل الحوثيين فقد يكون ذلك بتعليمات من إيران أو من تلقاء أنفسهم لعلمهم أن مصر والسعودية هما أكثر دولتين سوف تتأثران جراء ذلك ومن شأن ذلك تعريضهما لخطورة بالغة، ويمكن القول إنه عملياً لو حاولت قوات الاستيلاء على باب المندب أو جزيرة بريم لتهديد المجرى الملاحى فهذا الأمر ممكن لكنه ليس سهلاً لحزمة من الأسباب أهمها:
1 -الوجود المصري بحرياً وجوياً.
2 - وجود قاعدة فرنسية بجيبوتى وأخرى أمريكية.
3 -القوة البحرية التى تقاوم القرصنة.
هناك قوى دولية كبرى لن تسمح بإغلاق المضيق، لأن ذلك من شأنه تهديد مصالحها خاصة إمدادات النفط والتجارة العالمية.
فمصر جزء من إطار عام يشمل جهداً تعاونياً عربياً ودولياً يهدف إلى حماية باب المندب حيث تلاقت مصالح العديد من الدول على ضرورة عدم إغلاق هذا الممر الاستراتيجي الحيوي.
وبخصوص مدى تحقيق عملية «عاصفة الحزم» لأهدافها، فإن ذلك سيتم الكشف عن تفاصيله بعد مدة زمنية.
ويمكننا القول إن عملية «عاصفة الحزم» جعلت ميزان القوة يتغير لمصلحة الرئيس عبد ربه منصور هادي .