الشارقة - غيث خوري:
يعتبر التراث الثقافي والحضاري الإسلامي سجلاً لإبداع الأمة، ورمزاً من رموز عبقريتها، وذاكرة حافظة لقيمها، ومقوماً من مقومات هويتها الحضارية وخصوصيتها التي تتفرد بها بين الثقافات والحضارات. ويعد التراث المعماريُ علامة مضيئة وثمرة مشعة لهذا الإبداع الذي أسهمت به الحضارة الإسلامية في إغناء الحضارات الإنسانية وإثرائها، بما حملته من مظاهر جمالية وفنية، واحتضنته من رموز ظلت به عنواناً دالاً على تطور هذه الحضارة وتقدم بناتها وصنّاعها وعلمائها عبر العصور المختلفة، تمثّلت في المآثر التي ظلت شامخةً في مختلف بقاع العالم تشهد على نبوغ مهندسيها، وخلود فنها وعراقة رموزها، في مؤسساتها الدينية والثقافية، كالمساجد والجوامع، والقلاع والحصون، والمراكز العلمية.
يعد المسجد الكبير في قرطبة «جامع قرطبة» من أروع ما خلفته الدولة الأموية من آثار فهو يمثل مرحلة من مراحل النضج المعماري والفني للطراز العربي الإسلامي وذلك من حيث التخطيط وأساليب البناء وظهور عدة عناصر معمارية وزخرفية، ويعتبره المتخصصون أحد النماذج الأصلية للمسجد المسقوف المرتكز على أعمدة، والممتد في مساحات واسعة تعتمد على تكرار الدعامة الواحدة العمود وأقواسه بطريقة مرنة يمكن تعديلها لتلائم الزيادة والنقصان في أعداد المصلين. كذلك، فإن مسجد قرطبة مخطط ومصمم على أسس مشابهة لتلك الأسس التي أقيم عليها مسجد القيروان في تونس، والأزهر ومسجد عمرو بن العاص في القاهرة، والمسجد الأقصى في القدس، وبطرائق مختلفة بعض الشيء عن المساجد الضخمة المبنية من الطوب في مدينة سامراء العراقية ومسجد ابن طولون في القاهرة. لقد بنيت جميع هذه المساجد قبل بناء مسجد قرطبة، أو في وقت واحد تقريباً من المرحلة الأخيرة من بنائه في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، وبعد هذه الفترة، استمر تشييد آلاف المساجد، خاصة في المغرب الإسلامي، طبقاً لهذا الطراز التراثي.
لم يكن جامع قرطبة مسجدا للصلاة فحسب، بل كان إلى جانب ذلك مركزا للعلم ودارا للعدل، والجامعة التي تدرس في حلقاتها العلوم والآداب على اختلاف فنونها، حيث كان يعد من أعظم جامعات الأرض، تقرأ فيه العلوم الطبيعية والرياضية والفلكية والكيميائية والجغرافيا والمنطق والتاريخ الطبيعي، وقد بلغ عدد الفقهاء والطلاب في الحلقات العلمية أيام الأمويين نحو 4 آلاف، وأنشأ الخليفة الحكم المستنصر بالله سبعا وعشرين مدرسة في ساحة المسجد.
ولكن النظر إلى مسجد قرطبة على أنه ليس سوى مجرد مثال آخر لطراز واسع الشهرة من المساجد يعكس خطأ في فهم السمات الخاصة بهذا البناء، وكما بين العديد من المعماريين ونقاد العمارة المعاصرين، فإن هذا البناء يجمع عدداً من الصفات المدهشة أهمها: التناسق البديع بين أجزاء العناصر مثل الأعمدة الرفيعة والأقواس المنحنية، هذا التصميم الهندسي الذي يشيع شعوراً بالاطمئنان، إضافة إلى التوازن بين الدعامات الفردية والتجمعات المعمارية الأساسية مثل أروقة المسجد الداخلية، ويظهر أحياناً التقسيم المقصود لأشكال معمارية أساسية كتقسيم الأقواس إلى وحدات يمكن إعادة تركيبها بطرق مختلفة. وأخيراً، هناك المحراب البديع وهو تجويف سباعي الأضلاع مطلي بالذهب ومزين بالفسيفساء المزجج ومزخرف بقطع من الرخام وبنقوش من الذهب على أرضية زرقاء وقرمزية، ويعلو المحراب رباط من الأعمدة الرشيقة والعقود المزينة، أما المنبر فيعد الأجمل في العالم لأنه يتألف من 37000 قطعة من العاج ومن الأخشاب النادرة مثل خشب الأبنوس وعود الند والصندل وكلها مطعمة بالجواهر، أما المسامير التي تثبت المنبر فهي من الفضة والذهب.
وهناك ميزتان تفرقان مسجد قرطبة عن غالبية مساجد العالم الإسلامي الجامعة، إحدى هاتين الميزتين أنه تم الحفاظ على الكثير من مكونات هذا المسجد وسجل الكثير عنه، والميزة الثانية هي التوافق في غايات البناء الجمالية، أي في خلق المؤثرات البصرية ذات الوقع الحسي الذي يشيع البهجة في نفوس الزائرين، إن الاهتمام بالتأثير الحسي والجمالي المرئي هو علامة فارقة لمسجد قرطبة، تجعل منه أيقونة معمارية عالمية شاهدة على الإبداع الإنساني للحضارة الإسلامية.