ولد محمد بن جرير بن يزيد الطبري في مدينة آمل في أقليم طبرستان في عام 224 ه/ 838 م، لأسرة متوسطة الحال، حرص الأب أن يعلم ابنه والذي عُرف عنه الكثير من الأوصاف التي تؤكد نباهة الصبي وحبه في العلم، يقول عن نفسه: «حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين»، وهذا الجد دفع الأب ليسمح لولده بالذهاب إلى مراكز العلوم الإسلامية آنذاك، فسافر الطبري إلى الري ودرس على شيوخها لاسيما المحدّث محمد بن حميد الرازي، ثم تنقل بين معظم الأقطار الإسلامية طلباً للعلم والدراسة على أيدي فقهاء ومحدثي عصره، ويقال إنه دوّن عن الرازي السابق الإشارة إليه أكثر من مئة ألف حديث، ويبدو أن الطبري كان يمتاز أيضا بملكة الحفظ حتى إن احدهم قال عنه «والله إني لأظن أن أبا جعفر الطبري قد نسي مما حفظ إلى أن مات ما حفظه فلان طول عمره».
سافر الطبري إلى بغداد وراء تحصيل علوم القرآن والفقه والحديث، وإلى البصرة والكوفة وواسط ودرس على أحمد بن منيع البغوي وأبو كريب محمد بن العلاء وقرأ القرآن على سلمان بن عبد الرحمن الطلحي، والتحق بحلقات اللغويين واطلع على آراء المتكلمين وتمنى لقاء الإمام أحمد بن حنبل ولكنه كان قد توفي قبل أن يدخل الطبري بغداد، وتوجه بعد ذلك إلى الغرب، إلى مصر وكتب في طريقه عمن لقيهم من المحدثين، وفي مدينة الفسطاط كتب ما حصله من شيوخها من فقه مالك والشافعي وابن وهب، ثم سافر إلى الشام، وعاد إلى مصر ومنها أكمل رحلته في طلب العلم فسافر مرة أخرى إلى بغداد ومنها إلى طبرستان، واستقر به المقام في بغداد في نهاية المطاف في عام 290 ه إلى وفاته في عام 310 ه، أي انه بعملية حسابية بسيطة إذا افترضنا أنه سافر صغيراً في طلب العلم سنجد أنه أمضى ما يقرب من نصف قرن مرتحلا وراء المعرفة، يجلس إلى هذا المحدث يسمع منه، ويقترب من هذا الفقيه ليتعرف إلى دقائق الفقه، ويدخل في جدل مع هذا المتكلم أو ذاك... إلخ.
يقول علي بن الحسين المسعودي عن تاريخ الطبري في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر»: «الزاهي على جميع المصنفات، وقد جمع أنواع الأخبار، وحوى فنون الآثار، اشتمل على صنوف العلم، وهو كتاب تكثر فائدته وتنفع عائدته، وكيف لا يكون ذلك ومؤلفه فقيه عصره وناسك دهره، إليه انتهت علوم فقهاء الأمصار وحملة السنن والآثار»، وقال عنه ياقوت الحموي: «وهذا الكتاب من الأفراد في الدنيا فضلا ونباهة، وهو يجمع الكثير من علوم الدين والدنيا»، أما ابن خلكان فقال عن الطبري: «كان ثقة في نقله، وتاريخه أصح التواريخ وأثبتها».
روايات موثوقة
اعتمد الطبري في كتابه على ثقافته الموسوعية، فضلاً عن معاصرته للكثير من الحوادث المهمة في القرن الثالث الهجري، قرن التقلبات السياسية وتدوين العلوم كافة وازدهار المدارس المختلفة في الحديث والكلام والفقه، واستند إلى كبار ثقاة المحدثين كما يذهب أحمد عبد الباقي في كتابه «من أعلام العلماء العرب في القرن الثالث الهجري»، ومنهم: عروة بن الزبير الأسدي القرشي وكان عالماً بالمغازي، وكاتب السيرة النبوية الأشهر ابن هشام، وسيف ابن عمر الأسدي التميمي، وهشام بن محمد الكلبي النسابة المعروف، ومحمد بن عمر الواقدي، والهيثم بن عبد الرحمن الطائي، ومحمد بن سعد الزهري صاحب كتاب «الطبقات الكبرى.. وغيرهم من المحدثين والعلماء الذين تجمع المصادر على نزاهتهم وأمانتهم.
يقول الطبري في مقدمة تاريخه: «وأنا ذاكر في كتابي هذا من ملوك كل زمان من لدن ابتداء ربنا جل جلاله خلق خلقه إلى حال فنائهم، من انتهى إلينا خبره، مقرونا ذكر ذلك من ذاكره في كتابي بذكر زمانه، وجمل ما كان من حوادث الأمور في عصره، بوجيز الدلالة غير طويل«، وتعتبر الأحداث الإسلامية التي ذكرها الطبري في تاريخه موثقة تعتمد على أدوات عدة تبحث في وقوعها من خلال منهج يعتمد على اختيار الروايات المؤكدة المتفق عليها، بعيدا عن ذلك الحلم الطوباوي الأدبي الذي دفع الطبري إلى محاولة التاريخ لكل الأحداث منذ «ابتداء ربنا جل جلاله خلق خلقه إلى حال فنائهم»، وإن كانت أجزاء كتاب الطبري السابقة على ظهور الإسلام والتي تمتلىء بالحكايات غير الموثقة كنزاً جمالياً وأدبياً لم نستفد منه بعد، أما أحداث التاريخ الإسلامي حتى زمن الطبري فكان يمكن حصرها وتطبيق أساليب التحري في صدق الرواية عليها.
اتبع الطبري في كتابه طريقة الترتيب الزمني للوقائع، أي التاريخ الحولي، بذكر السنة وما وقع فيها من أحداث، وهي طريقة متبعة لدى معظم المؤرخين المسلمين، ودرج على وضع عنواناً كاملاً لكل حاكم أو خليفة وحرص على ذكر نصوص العهود الخاصة به وبولاية العهد، وترجم للحكام: مدة الخلافة وما وقع فيها، وما ذكر به الخليفة من خصائص وما أنجزه وما قيل فيه من رثاء، فضلا عن ذكر بعض الحوادث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والأوبئة، كما يورد أحياناً وفيات بعض الأمراء والقادة والأعيان والعلماء والفقهاء والشعراء... الخ، ويروي خبر كل حادثة في كثير من الأحيان بأكثر من رواية حتى لو تباينت الروايات ثم يدلي برأيه الخاص، أي أنه يمنح قارئه فسحة للتأمل والتحليل والنقاش، وتميز أسلوبه بالتشويق وباللغة السلسة الواضحة.
هذا الترتيب السنوي وما اشتمله من عهود وأشعار وأقوال حرص على أن ينسب كل منها إلى صاحبها، فضلا عن التراجم والمقتطفات من كتب لم يصل الكثير منها إلينا شكل موسوعة فريدة أضاءت على القرون الثلاثة الأولى من الإسلام، مما منح الطبري الفقيه والمفسر مكانة مرموقة بين المؤرخين دفعت المستشرق هاملتون جب ليقول عنه: «وكتابه بما يتمتع به من صدق وشمول، يعني لنا خاتمة حقبة كاملة، ولا نجد بعده مصنفاً يأخذ على عاتقه من جديد جمع المواد عن تاريخ صدر الإسلام والنظر فيها. وإنما المصنفون بعده، إما نقلة للروايات من تاريخ الطبري، وإما مؤرخون من حيث انتهى»، حتى أطلق عليه البعض أبو التاريخ في الإسلام.
ومثل الكثير من العلماء تعرض الطبري لمحنة في أواخر حياته إذ اختلف مع متشددي العراق الذين اتهموه في عقيدته حتى قيل إن بيته حوصر، ومنع من الخروج منه وفي أعقاب موته دفن ليلا، ورثاه أحمد بن محمد بن زياد شيخ الحرم المكي بقصيدة يقول فيها: «حدث مفظع وخطب جليل/ دق عن مثله اصطبار الصبور. قام ناعي العلوم أجمع لما قام ناعي محمد بن جرير.فهوت أنجم زاهرات/ مؤذنات رسومها بالدثور».
مكانة مرموقة
بخلاف التاريخ وصل الطبري في الفقه إلى مكانة سامقة، واجتهد في بعض الأحكام الفقهية، حيث ترك التقليد بعد أن اتبع مذهب الإمام الشافعي في بغداد لعدة سنين، وله كتاب يشرح فيه آراؤه بعنوان «صريح السنة»، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الكتب الفقهية مثل: «بسيط القول في أحكام شرائع الإسلام»، و«الشروط»، و«آداب القضاء».. إلخ.
اشتهر الطبري كذلك بتفسيره للقرآن الكريم»جامع البيان عن تأويل القرآن «أو تفسير الطبري والذي اعتمد فيه على روايات الصحابة والتابعين من المفسرين من أمثال: عبد الله بن عباس، سعيد بن جبير، أبو الحجاج مجاهد بن جبر المكي، أبو الخطاب قتاده البصري، الحسن البصري، الضحاك بن مزاحم، عبد الله بن مسعود الهذلي وغيرهم، ويعتبر تفسير الطبري كذلك من أكثر التفاسير التي اتسمت بموثوقيتها ولاقت الذيوع والانتشار على مدى الأيام، برغم ضخامة الكتاب المطبوع في طبعات عدة يصل بعضها إلى ثلاثين جزءاً، ويتبع فيه المنهج نفسه الذي ميز تاريخه حيث يرصد الآراء المختلفة ليرجح بينها بالحجة والعقل لما يطمئن له ضميره، يقول عنه محمد حسين الذهبي في كتابه»التفسير والمفسرون»:»نستطيع أن نقول إن تفسير ابن جرير هو التفسير الذي له الأولوية بين كتب التفسير، أولوية زمنية، وأولوية فنية صناعية.أما أوليته الزمنية فلأنه أقدم كتاب في التفسير وصل إلينا كاملا وما سبقه من المحاولات التفسيرية ذهب بمرور الزمن، ولم يصل إلينا شيء منها، اللهم إلا ما وصل في ثنايا كتاب الطبري. وأما أوليته من ناحية الفن والصناعة فذلك أمر يرجع إلى ما يمتاز به الكتاب من الطريقة البديعة التي سلكها مؤلفه حتى أخرجه للناس كتابا له قيمته ومكانته».
بلغ الطبري من الدأب على الكتابة والتأليف حداً دعا الجميع إلى الانبهار والإعجاب، حيث يقول عبد الله بن أحمد الفرغاني في كتاب «الصلة»: إن قوماً من تلاميذ ابن جرير حصلوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي وهو ابن 86 سنة، ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته، فصار منها على كل يوم أربع عشرة ورقة، وهذا لا يتهيأ لمخلوق إلا بحسن عناية الخالق».
نحن أمام عالم قضى حياته في الارتحال وراء العلم، وتدوين كل ما يسمعه من أفواه من يلتقى بهم، ولنتخيله مثل الكثيرين من علمائنا مخلصاً لما أحبه وسعى للاجتهاد فيه بموسوعية وبنظرة لا تفصل بحدية وبلغة قاطعة بين مفاصل المعرفة، هي الحياة عندما تتكرس للتأليف والعمل الجاد، ولعل السيوطي يعد أفضل من لخص حياة وعلم ابن جرير الطبري حيث قال: «الإمام أبو جعفر، رأس المفسرين على الإطلاق، أحد الأئمة، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، فكان حافظاً لكتاب الله، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عالماً بأحوال الصحابة والتابعين، بصيراً بأيام الناس وأخبارهم».