الشارقة - غيث خوري:
تظل المخطوطات شاهداً أميناً وتاريخياً عاكساً لروح الحضارات الإنسانية بشكل عام، بما تتضمن تلك المخطوطات من محتويات ومضامين في شتى مجالات الحياة والثقافة والعلوم والآداب والفنون والمعارف، وفي هذا السياق استضاف الدكتور مصطفى بن علي الشرياني في منزله الكائن في منطقة الطرفا في الشارقة أمسية رمضانية تحت عنوان «تاريخ الإمارات- جهود وكتابات المؤرخين الأوائل» أحياها المؤرخ الدكتور فالح حنظل، وذلك بحضور الشيخ سعود بن عبدالعزيز المعلا رئيس مجلس إدارة نادي الشارقة الثقافي للشطرنج، إلى جانب عدد من المؤرخين والباحثين والمهتمين بشؤون التراث، وقدم الأمسية ناصر العبودي.
قال العبودي إن هذا اللقاء يرصد الكثير من المصادر المرتبطة بتوثيق التاريخ وتسجيله في دولة الإمارات سواء في الأزمنة القديمة أو المعاصرة، استناداً إلى المراحل الزمانية والمصادر المادية والشفاهية، إلى جانب المصادر ذات الطبيعة الأثرية والفنية.وأضاف أن الدكتور فالح حنظل، من أهم المؤرخين في الإمارات، ويستحق عن جدارة لقب «شيخ المؤرخين» نسبة إلى سنوات اشتغاله الطويلة في المؤلفات التاريخية والتراثية، إذ قدم للمكتبة العربية 25 مؤلفاً، ما بين معاجم وكتب ودواوين وبحوث وتحقيق كتب، تتصل في معظمها بتاريخ وتراث الإمارات، خلال تجربته الطويلة التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً.
ومن جانبه أكد حنظل أن دولة الإمارات العربية المتحدة ليست عبارة عن نهضة اقتصادية حديثة ارتبطت باللؤلؤ والتجارة والبترول فقط، ولكنها أيضاً نهضة فكرية متطورة واتجاهات سياسية أثرت في منطقة الخليج العربي برمتها، هذه التوجهات جميعها عكسها الرواد الأوائل من المؤرخين الإماراتيين في كتبهم ومخطوطاتهم العديدة، حيث استطاعوا وبجدارة أن يعكسوا التوجهات السياسية والفكرية والفلسفية السائدة في مختلف الحقب الزمنية التي مرت بها الدولة.
وأشار حنظل إلى أنه من الأهمية بمكان عند الاطلاع على الوثائق التي تخص الإمارات، الانتباه إلى الوثائق الإنجليزية التي يجب تحليلها بدقة كبيرة وعدم الأخذ بها كما هي، لأنها وثائق سياسية عسكرية، ربما توحي مغالطات مقصودة من الجانب الإنجليزي بما يتوافق مع مصالحهم.
وفيما يخص المؤرخين الإماراتيين قال حنظل: إنه وبعد ثلاثين سنة من الأبحاث وصلتني أول مخطوطة تاريخية عن الإمارات كتبها رجل اسمه يوسف بن محمد الشريف، المتوفي عام 1917، وهو من أهالي رأس الخيمة، ويبتدئ التأريخ في هذه المخطوطة من سنة 1730، حيث تضمنت وقائع وأحداثاً، ووصفاً للكوارث الطبيعية التي ضربت المناطق كالعواصف والطوفانات، وبعد وفاته قام الشيخ سعيد بن محمد بن غباش بتكملة الأحداث التاريخية حتى عام 1946.
والمؤرخ الثاني هو عبدالله بن صالح المطوع من الشارقة المتوفى سنة 1959، ألف ثلاثة كتب وهي: «الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالية»، و«عقود الجمان في أيام آل سعود في عمان»، و«شرح نونية مفاخر القواسم»، وتكمن أهمية المخطوط الأول «الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالية» بأن عبدالله بن صالح المطوع هو أول من كتب عن النشوء والتكون التاريخي لكل إمارة من إمارات الدولة.
أما المؤرخ الثالث فهو حميد بن سلطان الشامسي من أم القيوين، المتوفى عام 1980 وترك كتاب «نقل الأخبار»، وكتبه على شكل سنويات عن الأحداث التي حصلت في الإمارات من 1640 وحتى عام 1947، وكانت مصادره معظمها من السعودية وعمان، وهذا لسبب رئيسي وهو أن المؤرخ الذي يكتب عن تاريخ الإمارات يجب أن يعرف تاريخ المنطقة ويتعمق فيه، كما كتب عن أحداث تخص الإنجليز لم تكن معروفة من قبل، وبعد أن انتهى من سرد الأحداث السياسية كتب عن الأحساب والأنساب للقبائل العربية الموجودة مثل بني ياس والمعلا والشحوح. كما كتب دراسات اجتماعية أيضاً عن نمط الملابس والعلاقات الاجتماعية ومتى دخلت الكهرباء إلى المنطقة وهذا ما يدل على النضوج الفكري العالي لدى المؤرخ.
وفي مجال الكتابات الاجتماعية، أشار حنظل إلى أن محمد علي الشرفاء الحمادي، من سكان الشارقة، قدم كتاب «خطرات واختيارات» تناول فيه الجانب الاجتماعي بعيداً عن السياسة فكتب عن المرأة في المجتمع والاقتصاد القديم وتكلم أيضاً عن قبيلته بني حماد.
ولديه كتاب آخر بعنوان «نيل الرتب في جوامع الأدب» وذكر فيه أن الناس الذين كانوا يجلسون في مكتبة ابن تيمية في الشارقة، كانوا يتهافتون على السفن المحملة بالجرائد والمجلات، فيقرأونها ويحللونها، وبدأوا يتأثرون بالمدارس الفكرية في القاهرة ودمشق وبغداد، والأحداث والوقائع الجارية في تلك المناطق.
كما كان لمخطوطة «الفوائد في تاريخ الإمارات والأوابد» أهمية كبيرة وقد كتبها محمد بن سعيد غباش وهو أول من درس في مصر من أهل الإمارات في جامع الأزهر سنة 1933، وذكر فيها أصول الأحساب والأنساب، وتضمنت أحداثاً عن الأيام التي أمضاها في مصر، فكتب مخطوطة كاملة في الأبراج وحسابات الفلك، وأيضاً في علم «الشّو» الذي لم يعد معروفاً في وقتنا الحاضر، وهو العلم الذي يدرس اللؤلؤ من حيث الشكل والوزن بحسابات خاصة حتى يتقرر سعرها.
وختم حنظل بالقول: أتمنى أن يتابع الباحثون في الكشف عن مخطوطات جديدة تغني التاريخ في الإمارات بهذه الكنوز الثمينة، التي تدلل على أن أهل الإمارات الأوائل كانوا أصحاب فكر، وخرج منهم الكثير من المؤرخين الذين خدموا الثقافة وأنتجوا الفكر والعلم.