لقد ارتكز علم الفلك في الثقافة العربية الإسلامية على تراث طويل يعود إلى الدولة الأموية، حيث رُوي أن الوزير الفاطمي أبا القاسم علي بن محمد الجرجاني عثر في خزانة الكتب الفاطمية عام (435ه/ 1044م) على كرة من نحاس من علم بطليموس مكتوب عليها «حُملت هذه الكرة للأمير خالد بن يزيد بن معاوية» حفيد معاوية بن أبي سفيان، وهي رواية تؤكد ما تردد عن اهتمام الأمير خالد بالفلك وغيره من علوم الأوائل، وأنه أول من تُرجم له كتب الطب والنجوم والكيمياء، وسعى الخليفة أبو جعفر المنصور إلى إحياء علم الفلك مستعيناً في ذلك بطائفة من علماء الهند، ففي سنة (154ه/ 770م) حضر إلى بغداد عالم هندي ذو دراية واسعة بعلم الفلك، مصطحباً معه كتاباً في الفلك باللغة السنسكريتية يسمى «السِّدَّ هَنتا» أو «السِّد هانْتَ»، لأحد علماء الفلك الهنود، وقد عُرف الكتاب بعد ترجمته إلى العربية بكتاب «السند هند».
وقد نقل أبو يحيى البطريق كتاب المقالات الأربع لبطليموس في صناعة أحكام النجوم، وهي ذيل على كتابه «المجسطي»، كما نُقلت كتب أخرى أرسلها ملك الروم إلى المنصور بناء على طلبه، وقد صنع إبراهيم الفزاري أول مرصد عربي لرصد الأجرام السماوية، وهو المسمى الأسطرلاب.
وأنشأ الخليفة المأمون في بغداد (بيت الحكمة)، وألحق به مكتبة ضخمة، وبنى مرصداً في بغداد وآخر في تدمر، وقد أشرف على ذلك فريق عمل على رأسهم علي بن عيسى الأسطرلابي، الذي وضع كتاباً هو الأول من نوعه في كيفية عمل الأسطرلاب.
وهناك أيضاً أبو سعيد الضرير الذي ألف كتاباً عن طرق رسم خط الزوال، والعباس بن سعيد الجوهري الذي اشترك في مرصد بغداد، والخوارزمي النابغة في علوم عديدة إلى جانب الفلك، والذي اشترك مع فريق من العلماء في قياس محيط الأرض أيام المأمون، وله جداول فلكية سماها السند هند الصغير، لقد مهد كل هذا التطور الطريق أمام الصوفي ليصنع خريطته السماوية.
* مرصد خاص
ولد عبد الرحمن بن عمر الصوفي في الري في عام 291ه/903 م، ويعتبر من أعظم فلكيي الإسلام على حد تعبير مؤرخ العلوم جورج سارتون، وكان من المؤمنين بكروية الأرض آنذاك، اتصل بعضد الدولة البويهي الذي اتخذه فلكياً ومعلماً له لمعرفة مواضع النجوم وحركة الأجرام الفلكية، كما يذكر ابن القفطي في كتابه «أخبار العلماء بأخبار الحكماء»، وبنى البويهي له مرصداً خاصاً في مدينة شيراز ليواصل فيه أبحاثه ودراساته، وظل الصوفي يعمل في هذا المرصد إلى أن توفي في عام 376ه/986م.
وكان عضد الدولة يفخر دائماً بالقول: «معلمي في النحو أبو علي الفارسي النسوي، ومعلمي في حل الزيج الشريف بن الأعلم، ومعلمي في الكواكب الثابتة وأماكنها وسيرها عبد الرحمن الصوفي»، المعلومات عن حياة الصوفي شحيحة، يذكر بول كونيترك في موسوعة علماء العلوم أنه من الصعب معرفة الكثير عن عبد الرحمن الصوفي، ولكنه يعتبر من العلماء المشهورين في علم الفلك، وذلك نتيجة كتابيه «الكواكب الثابتة» و«العمل بالأسطرلاب»، الذين صارا متداولين في مناطق كثيرة من العالم.
قدم الصوفي في علم الفلك إسهامات مهمة تتجلى في وصف النجوم، وعدها وتحديد أبعادها وأماكنها في السماء، ورصد نجوماً لم يسبقه إليها أحد من قبل، ثم رسم خريطة للسماء حسب فيها مواضع النجوم وأحجامها ودرجة لمعان كل منها، ووضع فهرساً للنجوم لتصحيح أخطاء من سبقوه، وصفه العالم ألدوميللي بأنه من أعظم الفلكيين الذين ندين لهم بسلسلة دقيقة من الملاحظات المباشرة المتعلقة بالفلك، ولم يقتصر هذا الفلكي العظيم على تعيين كثير من الكواكب التي لم يرصدها بطليموس، بل صحح أيضاً كثيراً من الملاحظات التي أخطأ فيها العالم اليوناني، ومكن بذلك الفلكيين من التعرف إلى الكواكب التي حدد لها بطليموس مواقع غير دقيقة.
يعتبر الصوفي أول فلكي يرصد تغير ألوان الكواكب، وأول من رسم الحركة الصحيحة لها، وصف مجرة «أندروا ميدا» ب «لطخة سحابية»، وأيضاً أول من لاحظ سحابتي ماجلان الكبرى والصغرى.
*دقة في الإنجاز
في عام 1874 نشر الفلكي الدنماركي شيلرب ترجمة فرنسية لكتابين من أعمال الصوفي الأول عثر على مخطوطة له في مكتبة كوبنهاغن، والثاني في بطرسبورغ، ما عرّف الغرب إلى أفكار عالمنا، لقد بنى الصوفي رؤيته واجتهاداته في الفلك على كتاب بطليموس «المجسطي»، وطور فيه وأضاف إليه، ورصد النجوم، وعين أماكنها وأقدارها، سطوعها، بدقة تثير الإعجاب، وفي البحث عن مواقعها أخذ في الاعتبار مبادرة الاعتدالين، واعتمد في الأقدار على رصده هو عندما يذكر قدر الكواكب والنجوم بحسب بطليموس، إذ كان يخالفه كثيراً، ولم يكتف بذلك بل قارن بين أقدار بعض الكواكب، وأكثر الأقدار التي أوردها الصوفي تقترب من الأقدار المعتمد عليها الآن، ومما تمتاز به أرصاد الصوفي أنه لم يذكر لون الشعرى مثلا، مع أن بطليموس قال إن لونها ضارب إلى الحمرة، ويبدو أن احمرار الشعرى كان قد خفت في أيام الصوفي، فالفيلسوف اليونان سينكا كان قد قال إنها كانت شديدة الحمرة.
لم تكن كوكبة المرأة المسلسلة معروفة في أوروبا قبل عام 1612 ويبدو أنها كانت معروفة ومشاهدة في زمن الصوفي، ولم تقتصر إضافات عالمنا على تصحيح أخطاء علماء الفلك اليونانيين أو تمكين المحدثين من التعرف بدقة إلى دروب السماء وطرقاتها، ولكنه تحدث أيضاً عن مبادرة الاعتدالين، فقال إن بطليموس وأسلافه راقبوا حركة الدائرة للبروج فوجدوها درجة لكل مئة سنة أما هو فوجدها درجة لكل 66 سنة، وهي الآن درجة لكل 71 سنة.
يقول العالم الإنجليزي أردغور: «إن كتاب الصوفي، الكواكب الثابتة، أصح من كتاب بطليموس، وزيجه أفضل زيج وصل إلينا من كتب القدماء»، أما جورج سارتون فيشير إلى أن كتاب الصوفي في الكواكب الثابتة أحد الكتب الرئيسية الثلاثة التي اشتهرت في علم الفلك عند المسلمين، أما الكتابان الآخران فهما لابن يونس وألغ بك.
يمتاز كتاب «الكواكب الثابتة» برسومه الملونة للأبراج، وقد مثلها على هيئة الأناس والحيوانات، فمنها ماهو في صورة كهل في يده اليسرى قضيب أو صولجان وعلى رأسه قلنسوة أو عمامة فوقها تاج، ومنها ما هو على صورة امرأة جالسة على كرسي، وكذلك منها ما هو على صورة دبّ صغير قائم الذنب أو صورة الأسد أو الظباء أو التنين، وتحدث عن كوكبة الرامي و كوكبة المرأة المسلسلة والتووامان.. الخ.
ألف الصوفي العديد من الكتب، منها: «التذكرة»، «مطارح الشعاعات»، وتوجد منها الكثير من النسخ المخطوطة في مكتبات باريس وأكسفورد وكوبنهاغن وبطرسبرغ.
وبعد وفاة الصوفي كتب ابنه أرجوزة يلخص فيها أفكار ومعلومات الأب في كتابه «الكواكب الثابتة»، ورصدت الباحثة في الفن الإسلامي مويا كيري 18 مخطوطة تحتوي على هذه الأرجوزة، إما بشكل مستقل أو ملحقة بمخطوطات الكتاب، وهذه المخطوطات موجودة في إيطاليا والفاتيكان وألمانيا وتركيا وانجلترا ومصر وإيران والولايات المتحدة وتونس وفرنسا وقطر. وطبعت مع الكتاب الأشهر للصوفي في حيدر آباد في عام 1373ه، وتوجد نسخة مخطوطة ومزخرفة من الأرجوزة في جامعة الملك سعود تعود إلى عام 914 ه.
ويشرح الصوفي الابن ما قاله الأب عن كوكبة الدب الأصغر قائلاً: أقربهن للقطب كواكب هنّ على صورة دب/ في جملة الصورة كوكبان مقدار ما بينهما شبران/ كويكب أخفى من الرسم تدعوه الأعراب فأس الرحى/ ونجم تعرف القبلة به هو من الدب فويق ذنبه/ يعرف بالجدي عند العرب مداره مقارب للقطب/ وأنجم الدب تسميها العرب بنات نعش هكذا تنبي الكتب».