مارلين سلوم

شخصية جديدة تولد في عالم الخيال العلمي سينمائياً، ومؤهلة لتكون بداية لسلسلة من الأفلام التي ستحمل اسمها Ant Man«آنت مان» أو «رجل النمل». فبعد الرجل العنكبوت، والرجل الطائر، و«بات مان» و«سوبر مان» وغيرهم.. جاء الرجل الذي يتحول إلى حجم النملة فيتواصل مع تلك الحشرات ويقودها لشن حملة ضد الأشرار، ومن المؤكد (كالعادة) حماية البشرية من الدمار. ولا شك في أن «آنت مان» فيلم أمريكي ناجح وله لمساته الخاصة في صناعة السينما.
«رجل النمل» Ant Man الذي يعرض حالياً في الإمارات، استطاع أن يحقق أرقاماً عالية في شباك التذاكر عالمياً، ليتصدر الأفلام المعروضة فترة طويلة نسبياً منذ صدوره في 17 يوليو/تموز الماضي. ونجاح العمل لا يرجع إلى غرابة الفكرة وإقبال الجمهور على أفلام الخيال العلمي والمغامرات، بل لأنه يتضمن الكثير من الإثارة والتشويق، وسرعة الحركة من دون عنف مبالغ فيه وبلا إراقة دماء، ولا شك في أن الفضل في ذلك يعود لصناعه: المخرج بايتون ريد، كاتبا القصة إدغار رايت وجو كورنيش، وأبطاله بول رود الذي شارك أيضاً في كتابة السيناريو، مايكل دوغلاس، إفنجلينا ليلي، وكوري ستول وغيرهم. علماً بأن قصة «رجل النمل» ليست جديدة، إذ سبق لشركة «مارقل» أن قدمتها قديماً إنما كقصة مصورة ورقياً، عام 1962 وظهر فيها «آنت مان» بأشكال مختلفة، إلى أن أطل حديثاً على الشاشة.
قد تكون مقدمة الفيلم طويلة كأنها مجرد قصة درامية عن حكايات اجتماعية، ويبقى المشاهد منتظراً «رجل النمل» كي يظهر، فنعيش أحداثاً كثيرة تؤدي بلا شك إلى فهم أبعاد القصة وأسباب تحوّل سكوت لانغ (بول رود) من سارق إلى «آنت مان». نرى لانغ يخرج من السجن بعد انقضاء فترة العقوبة بسبب السرقة، وحرصه على رؤية ابنته الوحيدة الصغيرة كاسي (آبي فورتسون)، التي تعيش مع أمّها بعد طلاقهما. الأب يطلب من طليقته المخطوبة لضابط في الشرطة، أن يقضي وقتاً أطول مع كاسي ويتمكن من الاعتناء بها وتربيتها، فتجيبه بأنها ستوافق يوم يجد عملاً ويستقر في حياته. يبدأ سكوت بالبحث عن عمل «شريف» كي يستعيد ابنته، لكن ملفه يطارده وتهمة «السارق» تعيق عمله.
على خط آخر نرى الصراع العلمي الدائر بين الدكتور هانك بيم (مايكل دوغلاس) وتلميذه دارن كروس (كوري ستول) الذي استولى على فكرة أستاذه بتحويل الإنسان من حجمه الحقيقي إلى عينة مصغرة بحجم حشرة. دارن يحاول سرقة السترة التي اخترعها د. هانك، وطلب منه أن يسلمه التركيبة للعمل عليها ونشرها، لكنه رفض خوفاً من سوء استخدامها، وحماية لابتكاره الخاص. من هنا قام دارن باختراع سترة صفراء ونجح في تقليص أحجام بعض الحيوانات.
هوب (إفنجلينا ليلي) ابنة د. هانك تتقرب من دارن وتعمل معه من دون أن يعلم بعمق صلتها بوالدها، وفي الوقت نفسه تتولى مسؤولية حماية زي «رجل النمل» المعرّض للخطر، وبخطة محكمة يستطيع والدها الإيقاع بسكوت لانغ كي يصبح هو «الرجل النملة» أو «رجل النمل». يلبس الزي وبكبسة زر يصبح قزماً يتنقل من دون أن يراه أحد.
الصراع بين الخير والشر يكمن في معركة العالِمين، دارن يريد من السترة أن تستغل في عمليات الحرب والجاسوسية والتدمير، بينما يرفض هانك ذلك ويكتفي بالفكر العلمي. وعلى الخط نفسه تتضح الرسالة الإنسانية التي يحملها الفيلم في علاقة لانغ بابنته وتضحيته من أجل استعادتها وتحسين صورته في عينيها، بموافقته على أن يتحول إلى حقل اختبار في عالم النمل، وأيضاً في علاقة الدكتور هانك بابنته هوب. البطل سكوت لصّ ظريف ومحبوب، وهي نقاط يلعب عليها صناع السينما لكسب تعاطف الجمهور مع بطلهم حتى إن كان مجرماً.
الفكرة تخرج من الإطار المعهود لعالم الأقزام التي رأيناها في السابق في السينما والمسلسلات الأمريكية، لتبدو أكثر تطوراً وتكلفة، وتتطلب تقنيات عالية في الإخراج والتصوير والمونتاج، حيث يتحول الرجل خلال ثوان من حجمه الطبيعي إلى حشرة بالكاد مرئية، ويكبر ويصغر بلمح البصر. أبرز هذه المشاهد وأجملها، بل وأقواها تقنياً، تلك التي تكثر فيها الحركة خلال معركة سكوت «رجل النمل» مع «الرجل الصقر» (الذي ظهر بطلاً في سلسلة «المنتقمون» Avengers)، قبل أن ينتقل إلى معركته الكبرى والأخيرة مع دارن «السترة الصفراء». هذه الحركة السريعة أعطت العمل مزيداً من التشويق والإبهار الذي يخطف أنفاس المشاهدين. ولا ننسى مشاهد تدريب سكوت على يدي هانك وابنته كي يجيد القتال وهو بحجم الحشرة، ويجيد الطيران على ظهر النمل الطائر، ويجيد إصدار الأوامر للنمل كي يطيعه ويساعده في معاركه، فيصبح «قائد النمل» وهو المقصود بعنوان الفيلم «رجل النمل»، أكثر مما يعني «الرجل النملة».
الانتقال من الأجواء الاجتماعية والإنسانية في الجزء الأول من الفيلم، وحكاية سكوت مع ابنته مقابل حكاية العالِم هانك مع ابنته واختراعاته، إلى أجواء المغامرة والحركة والخيال العلمي.. جاء وفق تسلسل منطقي، فربط الأحداث
ببعضها بعضاً ببساطة، أبعدت المشاهد عن التشتت، بل نجح صناع الفيلم في جعله مشدوداً منساقاً خلف الوتيرة التصاعدية للقصة حتى آخر لحظة.
بين سماء وأرض، بل وتحت الأرض، ينتقل «رجل النمل» بسرعة خاطفة، ويواجه المعوقات والمخاطر قبل أن يتحول إلى «سيد النمل» تسير وفق أوامره، ويجتاز كل مراحل الخطر ويخطط بذكاء لمهاجمة البشر، متسللاً عبر أضيق الفتحات، ومخترقاً حتى الطائرات. لكن من أجمل مشاهد الفيلم، تلك المعركة التي تحصل بين «آنت مان» و«السترة الصفراء»، في غرفة الطفلة كاسي، حيث يكبر ويصغر العدوان، ويستخدمان القطار اللعبة وسكّته البلاستيكية في معركة حامية جداً تماماً، كأي معركة ضخمة بأحجام طبيعية في أفلام الأكشن، وهذه المشاهد تظهر قدرات المخرج بايتون ريد وحرفيته في أفلام الحركة والخيال العلمي.
كل كان بطلاً في الدور الذي أداه، وقد تميز بول رود بأداء «اللص الظريف» والأب الحنون بملامحه، من دون الجنوح نحو التصنع أو الكوميديا، بينما ظهر مايكل دوغلاس بشخصية تليق بسنّه.
صحيح أن نهاية «آنت مان» ينتصر فيها البطل على خصمه فيدمر «السترة الصفراء»، ويجد سكوت بداية قصة حب جديدة مع هوب ابنة الدكتور هانك، لكن هذه النهاية تحتمل أن تكون بداية لقصص جديدة يخوض فيها «رجل النمل» مغامرات كثيرة، في عالم السينما الأمريكية الباحثة عن إنتاج سلسلة من أفلام الأكشن لأبطال خارقين من صنع الخيال العلمي، خصوصاً شركة «مارفل» التي قدمت شخصيات خارقة كثيرة حتى الآن.

مملكة النمل في السينما الأمريكية


ليست المرة الأولى التي تخترق فيها السينما الأمريكية «مملكة النمل»، وإذا جاء التعاون بين شركتي «والت ديزني» و«استوديوهات مارفل» (منتجة «آيرن مان» و«كابتن أمريكا») مثمراً فنتج عنه فيلم «آنت مان» الناجح بكل المقاييس التجارية والجماهيرية، فإن الأفلام السابقة كانت ناجحة أيضاً، لكنها اقتصرت على أفلام الكرتون «أنيميشن» بأصوات مشاهير هوليوود.
في عام 1998 قدمت «دريمووركس» فيلم «النمل» تولاه المخرجان إريك دارنيل وتيم جونسون، ولعب بطولته (صوتياً) كل من النجمين وودي ألن وشارون ستون. عام 2006 تعاونت «ورنر بروس» مع «ليجاندري بيكتشرز» و«بلايتون» لتطوير الفكرة وتقديم فيلم «آنت بولي» أو «النملة بولي» بطولة ميريل ستريب وجوليا روبرتس ونيكولاس كيج، إخراج جون ديفيس، وفيه يقرر النمل الانتقام من وحشية الناس ضده، فيحول الصبي بولي إلى نملة صغيرة عقاباً له على هدم بيت النمل وإغراقه بالماء، ويحكم عليه أن يعيش عيشة النمل ليعاني معاناته.