ماذا يدور في رأس الإنسان؟ كيف يفكر؟ لماذا يثور ويغضب ويحزن وفجأة يفرح أو بالعكس؟ ننظر إلى مرآتنا، فلا نرى سوى الشكل الخارجي، نتأمل أطفالنا ونحاول أن نفهمهم أكثر، وغالباً ما نشعر بأن بيننا وبينهم هوّة ويصعب علينا فهم أفكارهم وهم يكبرون.
نسأل كل تلك الأسئلة ونستغرب كيف تتصارع الأفكار وتتخبط المشاعر في ذواتنا؟ هذه الأمور شغلت المخرج بيت دوكتر وهو يراقب ابنته تنتقل إلى مرحلة المراهقة، فقرر أن يكتب فيلمه الرائع INSIDE OUTالذي تعرضه حالياً الصالات في الإمارات.
كلمة «إبداع» تنطبق بكل معانيها على كافة تفاصيل هذا الفيلم الذي هو أحدث إنتاج مشترك لأهم شركتين عالميتين لصناعة أفلام الكرتون، PIXARوDISNEY.
نبدأ من موضوع الفيلم، فلأول مرة يغوص عمل سينمائي في عمق تفكير ومشاعر الإنسان، ليجسدها بشخصيات تتحرك داخل العقل وفق الأحداث التي تطرأ في الخارج، فتنعكس على تصرفاته، من هنا يأتي اسم الفيلم مطابقاً لمعنى «ما ينبع من الداخل إلى الخارج».
أراد مخرج الفيلمين الناجحين MONSTERS INC-2001 و UP-2009 بيت دوكتر أن يفهم التغيرات التي طرأت على مشاعر ابنته وهي تنتقل من مرحلة الطفولة إلى بداية المراهقة، فحول تساؤلاته إلى عمل فني رائع، كتب قصته مع رونالدو ديل كارمن الذي عمل أيضاً إلى جانب دوكتر كمساعد مخرج.
كثير من مشاهد الفيلم ترتبط بالواقع، وبعض الأماكن موجودة في بنسلفانيا وسان فرانسيسكو حيث تدور الأحداث، البطلة هي رايلي التي بلغت 11 عاماً، وتعيش سعيدة مع والدها ووالدتها، ومحاطة بأصدقائها الذين تحبهم.
يحصل الأب على فرصة عمل في سان فرانسيسكو، فتنتقل إليها الأسرة تاركة في بنسلفانيا كل الذكريات الجميلة، على نفس الخط الخارجي، نرى الشخصيات المميزة «الخيالية» تتحرك في الداخل، أي في عقل رايلي. «فرح» هي التي تسيطر فتحرك مشاعر رايلي وتديرها باتجاه التفاؤل والسعادة دائماً، وتعيد إليها بين الحين والآخر الصور المبهجة من محطات الطفولة، والضحكات مع والديها وأعز صديقاتها وفي المدرسة، والتزلج ومباريات «الهوكي».
و«فرح» تجعل رايلي تتخيل شكل البيت الجديد في سان فرانسيسكو أجمل من بيتها الذي ولدت وترعرعت فيه، مملوء بالمرح، مشرق، ومن حوله حديقة وألعاب.
لكن الواقع مختلف، حيث تصل رايلي إلى مدينة تعج بالمباني، والبيت مجرد شقة في مبنى قديم «غير مشرق». تحاول أن تقنع نفسها بأن الآتي أفضل وأجمل، فتتخيل كيف ستزين غرفتها، لكن الصدمات تتوالى، وتتعرقل كل الأمور، وتتأخر المفروشات في الوصل فتفترش رايلي الأرض وتنام.
في عقل رايلي شخصيات تتحاور وهي مجموعة أبطال موازية للأبطال «الخارجيين» رايلي والأم والأب. تلك الشخصيات المحورية تجسد حالات الإنسان وعواطفه وقد تم رسمها بدقة وعناية لتجسد الحالة شكلاً واسماً: «فرح» على شكل نجمة مضيئة طوال الوقت، «حزن» دمعة زرقاء اللون، «غضب» عبارة عن قرميد أحمر رأسه مشتعل، «خوف» هو عصب متوتر طوال الوقت، و«قرف» هي ثمرة بروكولي خضراء، إذ إن أغلبية الأطفال يشمئزون من البروكولي ويرفضونه، لكن هذه الشخصية تم تغييرها إلى «الفلفل الأخضر» في النسخة المعروضة في اليابان حيث أغلبية الأطفال يشمئزون من هذه الثمرة.
أحد ملصقات الفيلم، يحمل عبارة «كل يوم هو مملوء بالمشاعر» والمقصود بها الأحاسيس والانفعالات التي تنتاب الإنسان كل يوم.
يقول كاتب الفيلم إنه اختار تلك الشخصيات فقط كي لا تتعقد الأحداث فيصبح الفيلم صعباً على المشاهد، خصوصاً أنه يتوجه به إلى كل أفراد الأسرة كباراً وصغاراً، حيث يتحكم بالإنسان 27 انفعالاً، ومن الصعب إظهارها جميعاً، كما أراد أن تكون «فرح» هي الشخصية الوحيدة التي تحرك رايلي، لكنه عدل عن فكرته كي يظهر الحقيقة قدر المستطاع.
وهو من أجل ذلك استشار وصديقه رونالد بعض علماء النفس والخبراء كي تتحرك الشخصيات وفق منطق علمي سليم ودقيق، مثل تحول الذكريات القصيرة الأجل التي تحصل في يوميات الإنسان إلى ذكريات طويلة الأمد خلال مدة النوم، وهو ما نراه يحصل للفتاة رايلي في الفيلم، ومن المشاعر الأساسية التي تم استبعادها: الثقة، الكبرياء، والمفاجأة.
«فرح» تمكنت من قيادة «عواطف» رايلي وحرصت على إبقائها سعيدة مستبعدة «حزن» قدر المستطاع من كافة المراحل الطفولية، هذه الدمعة تحول كل ما تلمسه إلى اللون الأزرق، فيصبح «ذكرى حزينة».
والكاتبان أرادا لمرحلة انتقال رايلي من الطفولة إلى بداية المراهقة أن تتزامن مع انتقال العائلة من بنسلفانيا إلى سان فرانسيسكو، وكأنها تنسلخ عن عالمها الجميل الطفولي البريء المليء بالفرح، إلى بداية مواجهة الحياة بصعابها، هي التي اختبرت «القرف» و«الغضب» و«خوف» أو «التوتر» من أشياء بسيطة مثل الطعام والألعاب وخوفها من «المهرّج»، ستواجه تلك المشاعر بهموم مختلفة أكثر عمقاً.
في مركز القيادة أي في عقل رايلي يحصل خلل حين تحاول «حزن» لمس كل كرات الذكريات، ويتحول تفاؤل رايلي وفرحها بأول يوم لها في مدرستها الجديدة إلى أسوأ لحظة حيث تغلبها الدموع وهي تعرّف بنفسها أمام زملائها ومعلمتها، تحاول «فرح» استعادة الكرات، فتخرج مع «حزن» عن طريق الخطأ خارج مقر القيادة،
ولا يبقى فيه إلا «غضب» الذي يستولي على القيادة، و«خوف» و«قرف». تبدأ مرحلة تخبط رايلي وتمردها على كل شيء، ويشعر والداها بأنها تتغير ولا يفهمان السبب.
كل مشاهد الفيلم مصنوعة بحرفية عالية، والمتاهات والتعرجات والمنحنيات للذاكرة مرسومة لتشبه إلى حد بعيد التجاعيد والطيّات التي تظهر على قشرة السطح الخارجي لدماغ الإنسان. وأحد أجمل المشاهد، حين يدور الحوار العائلي بين الأم والأب وابنتهما، وفي نفس الوقت تتحرك الانفعالات في داخل كل منهم، حيث تتولى قيادة انفعالات الأم «حزن»، بينما يتولى القيادة في دماغ الأب «غضب».
ترتفع وتيرة الإثارة والتشويق عند خروج «فرح» و«حزن» من القيادة، وتبدأ الذكريات الجميلة بالانهيار، وتكاد تتقطع سبل عودتهما إلى عقل رايلي، هنا ندخل في محطات كثيرة، فنرى منطقة اللاوعي، و«أرض الأحلام» المملوءة بالغيوم، والشخصيات الوهمية مثل بينغ بونغ الذي ابتكرته رايلي وكانت تحاكيه وتلعب معه في مخيلتها، والمركبة الصاروخية التي تطير.. كل هذه الأدوات والشخصيات ستساعد «فرح» و«حزن» للعودة لاحقاً إلى مركزهما.
نتيجة تحكم «غضب» بمشاعر رايلي، تبدأ بالتراجع والاكتئاب، فتفشل في لعب «الهوكي» بعدما كانت متفوقة فيها، تخسر أعز صديقاتها، وتقرر أن تترك البيت من دون علم أهلها لتعود إلى بنسلفانيا، وهنا نصل إلى ذروة المشكلة، حيث تبدأ محطة «العائلة» في التفكك والانهيار في رأس الطفلة، وهي المرحلة الأخطر.
INSIDE OUTأكثر من مجرد فيلم كرتون، هو رسالة إنسانية، تربوية، ذات قيم ومعاني كثيرة وجميلة، يحاكي عمق البشر ويحكي عن تقلباتهم وما ينجم عنها من تصرفات قد تبني أو تهدم حياتهم، وخصوصاً الرباط العائلي.
رحلة في عقل الإنسان، من أجمل رسائلها سقوط محطات مهمة وجميلة من الذاكرة حين يسير «الغضب» على الإنسان، والأهم ما توصلت إليه «فرح» بعد هذه التجربة المريرة، فانعكس على الطفلة رايلي إيجاباً، وهو ما معناه أن الإنسان عبارة عن كتلة مشاعر تتحكم بعقله، تحركه، ولا يمكن للفرح أن يطغى طوال الوقت، ولا للحزن أن يسيطر، بل أن يتعاونا معاً.
الذكريات تكون مجبولة بالحنين، الذي يحرك فينا الحزن مهما كانت الذكريات جميلة، ولا بد من محطات نبكي فيها لنضحك بعدها.
حرفية ورموز و5 أعوام ونصف لإنجاز التصميمات
من اللقطات «الواقعية» في الفيلم: المطعم الذي لا يقدم إلا نوعاً واحداً من البيتزا «البروكولي»، وهو ما تستغربه رايلي ووالدته، والمطعم عبارة عن مخبز موجود بالفعل قرب استديوهات «بيكسار» ويقدم كل يوم صنفاً واحداً من البيتزا من ضمنها «البروكولي».
تنحصر اهتمامات والد رايلي بلعبتي الهوكي وكرة القدم، وهما المتوفرتان في بنسلفانيا وسان فرانسيسكو.
استغرق العمل على التصميمات وإنتاجها نحو خمسة أعوام ونصف العام.
ظهرت الشخصية الرئيسية التي تتحكم بعواطف رايلي «فرح» وهي المسيطرة على عالم الطفولة، بينما تقود القيادة لدى الأم «حزن»، و«غضب» لدى الأب، في إشارة إلى سيطرة تلك الانفعالات على هذه الفئات العمرية غالباً، والشخصيات صغيرة الحجم في عقل الطفلة، بينما هي كبيرة لدى الكبار.
كثير من رموز وشخصيات شركتي «ديزني» و«بيكسار» ظهرت في الفيلم.
تلك الشخصيات المتحكمة بمشاعر رايلي مستوحاة من الأقزام في فيلم «سنو وايت».
حمل صف رايلي في مدرستها الجديدة الرقم A113 وهو أحد أرقام في نفس الصف تظهر في الخلفية خريطة كبيرة ونقاط تحدد دولاً معينة في مختلف أنحاء العالم، تشير إلى حيث تنتشر كل أفلام «بيكسار».
بعض محطات ذاكرة الطفلة تتضمن شخصيات من أفلام «بيكسار» منها «نيمو» وأحد مشاهد فيلم UPوكوليت تاتو من «رتاتوي»، كما تشكّل أهم أزرار التحكم بقيادة الدماغ علامة «ميكي ماوس» أشهر شخصيات «ديزني».