الواقع أن المهام التي تضطلع بها هذه البلدان الاستثمار في البنية الأساسية (الطرق، وشبكات الكهرباء، والموانئ، وغير ذلك الكثير)، وبناء المدن التي سوف تصبح ذات يوم مسكناً للملايين، والتحرك نحو الاقتصاد الأخضر هائلة حقاً.

ومن ناحية أخرى، لا يوجد نقص في الأموال التي تنتظر من يوظفها في استخدام مثمر.
وكتب جوزيف ستيغليتز الحائز جائزة نوبل في علوم الاقتصاد مقالاً حول هذا الموضوع في موقع بروجيكت سنديكيت:

قبل بضع سنوات تحدث بن برنانكي، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي آنذاك، عن تخمة ادخار عالمية.
ورغم ذلك فإن المشاريع الاستثمارية ذات العوائد الاجتماعية المرتفعة كانت محرومة من الأموال. وتظل هذه الحال قائمة حتى يومنا هذا.
والمشكلة، آنذاك والآن، هي أن الأسواق المالية العالمية، التي يفترض أن تضطلع بدور الوسيط بين المدخرات وفرص الاستثمار بكفاءة، تسيء تخصيص رأس المال وتخلق المخاطر بدلاً من ذلك.

وهناك مفارقة أخرى، فأغلب المشاريع الاستثمارية التي يحتاج العالم الناشئ إليها طويلة الأجل، وهي نفس حال قدر كبير من المدخرات المتاحة التريليونات في حسابات التقاعد، وصناديق المعاشات، وصناديق الثروة السيادية. ولكن الأسواق المالية التي تتسم بقصر النظر بشكل متزايد تقف بين المشاريع والمدخرات.

الواقع أن الكثير تغير في السنوات الثلاث عشرة التي مرت منذ انعقاد المؤتمر الدولي الأول للتمويل من أجل التنمية في مونتيري بالمكسيك، ففي عام 2002، كانت مجموعة السبعة الكبار تهيمن على عملية صنع السياسات الاقتصادية العالمية؛ واليوم أصبحت الصين الدولة صاحبة أضخم اقتصاد على مستوى العالم (من حيث تعادل القوة الشرائية)، فضلاً عن مدخراتها التي تجاوزت مدخرات الولايات المتحدة بنحو 50%.
لقد ولى زمن دعوة البلدان المتقدمة إلى الارتقاء إلى مستوى تعهدها بتخصيص 0.7% على الأقل من إجمالي دخلها الوطني لمساعدات التنمية.
والواقع أن قلة من البلدان الأوروبية الدنمارك، ولوكسمبورغ، والنرويج، والسويد، والأكثر غرابة، المملكة المتحدة في خضم التقشف الذي تفرضه على نفسها أوفت بتعهداتها في عام 2014.
واليوم، تقول البلدان النامية والأسواق الناشئة للولايات المتحدة وغيرها: إذا لم تحترموا تعهداتكم، فلتبتعدوا عن الطريق على الأقل ودعونا ننشئ بنية دولية لاقتصاد عالمي داعم للفقراء أيضاً.
ومن غير المستغرب أن تبذل البلدان المهيمنة الحالية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، قصارى جهدها لإحباط مثل هذه الجهود.
فعندما اقترحت الصين إنشاء البنك الآسيوي للاستثمار في البنية الأساسية للمساعدة في إعادة تدوير جزء من تخمة المدخرات العالمية وتحويلها إلى حيث التمويل مطلوب بشدة، سعت الولايات المتحدة إلى نسف هذه المحاولة.
ومنيت إدارة الرئيس باراك أوباما بهزيمة قاسية. وتعمل الولايات المتحدة أيضاً على عرقلة مسار العالم نحو إنشاء سلطة قانونية دولية للتعامل مع الديون والتمويل.
فإذا كان لسوق المستندات، على سبيل المثال أن تعمل كما ينبغي لها، فلابد من إيجاد وسيلة منظمة لتسوية حالات الإعسار السيادية.
ولكن اليوم، لا توجد وسيلة من هذا القبيل. وتُعَد أوكرانيا واليونان والأرجنتين أمثلة تدلل على فشل الترتيبات الدولية القائمة.
وقد دعت الأغلبية العظمى من البلدان إلى إنشاء إطار لإعادة هيكلة الديون السيادية. ولكن تظل الولايات المتحدة العقبة الرئيسية.
يشكل الاستثمار الخاص أهمية كبرى أيضاً، ولكن الفقرات الاستثمارية الجديدة التي تتضمنها اتفاقيات التجارة التي تتفاوض عليها إدارة أوباما عبر المحيطين الهادئ والأطلسي تعني ضمناً أن أياً من هذه الاستثمارات المباشرة الأجنبية تأتي مصحوبة بانخفاض ملحوظ في قدرة الحكومات على تنظيم البيئة، والصحة، وظروف العمل، بل وحتى الاقتصاد.
وكان موقف الولايات المتحدة بشأن الجزء الأكثر إثارة للجدال في مؤتمر أديس أبابا مخيباً للآمال بشكل خاص.
فمع انفتاح البلدان النامية والأسواق الناشئة على الشركات المتعددة الجنسيات، يصبح من المهم بشكل متزايد أن تتمكن من فرض الضرائب على هذه الكيانات العملاقة في نظير الأرباح المتولدة عن الأعمال التي تزاولها داخل حدودها.
وقد أظهرت شركات مثل آبل، وغوغل، وجنرال إلكتريك براعة فائقة في التهرب من الضرائب التي تتجاوز ما استخدمته في منتجات مبدعة.
كانت كل البلدان المتقدمة والنامية تخسر المليارات من الدولارات من العائدات الضريبية.

في العام الماضي، قام الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين بإطلاق معلومات حول أحكام لوكسمبورغ الضريبية التي كشفت عن حجم التهرب الضريبي.

وفي حين قد تتمكن دولة غنية مثل الولايات المتحدة من تحمل تبعات السلوك الذي وصفته تسريبات لوكسمبورغ، فإن هذا ليس بوسع الدول الفقيرة.
كنت عضواً في لجنة دولية، وهي اللجنة المستقلة لإصلاح ضريبة الشركات الدولية التي كانت معنية بدراسة سبل إصلاح النظام الضريبي الحالي. وفي تقرير مقدم إلى المؤتمر الدولي للتمويل من أجل التنمية، اتفقنا بالإجماع على أن النظام الحالي معطل، وأن التعديلات الصغيرة لن تصلحه.
وقد اقترحنا بديلاً مماثلاً للطريقة التي تفرض بها الضرائب على الشركات داخل الولايات المتحدة، والتي تقضي بتخصيص الأرباح لكل ولاية على أساس النشاط الاقتصادي الذي يحدث داخل حدود الولاية.
وكانت الولايات المتحدة وغيرها من البلدان المتقدمة تمارس الضغوط لفرض تغييرات أصغر كثيراً، وتوصي بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو نادي البلدان المتقدمة.
بعبارة أخرى، من المفترض أن تتولى البلدان التي يأتي منها كبار الأقوياء سياسياً من المتهربين ضريبياً تصميم نظام للحد من التهرب الضريبي.
وتشرح لجنتنا لماذا كانت الإصلاحات التي اقترحتها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أفضل تقدير مجرد تعديلات على نظام معيب جوهرياً وغير كافية ببساطة.

اقترحت البلدان النامية والأسواق الناشئة، بقيادة الهند، أن المنتدى اللائق لمناقشة مثل هذه القضايا العالمية يتمثل في واقع الأمر في مجموعة قائمة بالفعل ضمن إطار الأمم المتحدة، أو لجنة خبراء التعاون الدولي بشأن المسائل الضريبية، والتي تحتاج إلى رفع مكانتها وزيادة تمويلها.
وقد عارضت الولايات المتحدة هذا الاقتراح بقوة: فهي تريد أن تظل الأمور على الحال التي كانت عليها في الماضي، حيث تبقى الحوكمة العالمية بيد البلدان المتقدمة.

إن الحقائق الجيوسياسية الجديدة تتطلب إصلاحات جديدة للحكم العالمي، مع منح البلدان النامية والناشئة حصة أكبر في التصويت. كانت الغَلَبة للولايات المتحدة في أديس أبابا، ولكنها أيضاً أثبتت كونها على الجانب الخطأ.

مؤخراً، انعقد المؤتمر الدولي الثالث للتمويل من أجل التنمية في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا.

وجاء المؤتمر في وقت أثبتت البلدان النامية والأسواق الناشئة قدرتها على استيعاب كميات ضخمة من الأموال بشكل منتج.