إعداد: عمر عدس وصباح كنعان
يقول استشاري دولي في الصحة العامة إن اليونانيين، خصوصاً منهم الأكثر فقراً وضعفاً، باتوا يعانون مشكلات صحية متفاقمة وتزايد معدلات الانتحار، وذلك نتيجة للأزمة الاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد منذ سنوات. وكتب د. سيزار شلالا، وهو أيضاً كاتب ومعلق يتناول القضايا الدولية، مقالاً حول اليونان نشره موقع «كاونتر بانش» وجاء فيه:

في السنوات الأخيرة، عانت اليونان أزمة اقتصادية مدمرة كانت لها عواقب بليغة على صحة الشعب اليوناني. وهذه الأزمة الاقتصادية أثرت على نطاق واسع في صحة السكان الضعفاء، حيث تزايدت معدلات الانتحار والوفيات نتيجة لاضطرابات نفسية وسلوكية.

مع أن بلداناً أوروبية أخرى مثل البرتغال، وإيطاليا، وإيرلندا وإسبانيا، عانت هي أيضا اضطرابا اقتصاديا، إلا أن التراجع المتواصل لاقتصاد اليونان كان له تأثير أعمق مما حدث في بلدان أخرى في وضع مماثل. وكما قال لي صديق يوناني حديثاً : «اليونان هي مثل مصعد يتحرك نزولاً فقط».

وبدلاً من أن تحرص «الترويكا» (المفوضية الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي) على ضمان حماية أفضل للفقراء الذين يعيشون في وضع حرج، فإنها أرغمت الحكومة اليونانية على تبني سياسات تقشف ستحد حكماً من قدرة الناس، خصوصاً الفقراء منهم، على الحصول على خدمات إنسانية أساسية.
وهذه الأزمة الاقتصادية لم تؤذ بالتساوي شرائح أخرى في المجتمع. وعلى سبيل المثال، يبدو أن أولئك الذين يتمتعون بمداخيل أعلى هم أقل ميلاً للانتحار في أوقات الأزمات، بينما الأزمة الاقتصادية تركت المستضعفين أكثر عرضة للخطر. وهذا يعود أيضاً إلى تفاقم الاختلال الوظيفي لخدمات الصحة النفسية، التي تأثرت بالأزمة بصورة خطرة. وبهذا الخصوص، هناك الآن وضع ينطوي على تناقض، حيث خدمات الصحة النفسية اقل فعالية مع أن الناس هم بأمسّ الحاجة إليها.
وتاريخياً، كانت اليونان تسجل أحد أدنى معدلات الانتحار في العالم، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة درامية في عدد المنتحرين. ووجدت دراسة أجريت العام الحالي ونشرتها المجلة الطبية البريطانية أن «تشريع إجراءات تقشف جديدة في يونيو/حزيران 2011 شكل بداية زيادات كبيرة، مفاجئة ومتواصلة، في مجموع حالات الانتحار وحالات انتحار الذكور». وبالإجمال، تزايدت محاولات الانتحار بنسبة 36 % في الفترة بين 2009 و 2011، وترافق ذلك مع زيادة موازية في أعداد الناس الذين يعانون اضطرابات اكتئابية حادة.
وأدى تزايد عدد الذين يعاقرون المخدرات حقنا إلى تزايد أعداد الناس الذين يعانون ضعف المناعة ضد عدوى الفيروسات. وفاقم المشكلة تعطل خدمات الوقاية. وفي الفترة من 2009 إلى 2012، ارتفع عدد حالات العدوى الجديدة بفيروس نقص المناعة (الإيدز) بين مدمني المخدرات من 15 إلى 484. وحسب مجلة «ذي لانسيت» الطبية البريطانية، فإن حالات السل بين هذه الفئة من الناس ازدادت بأكثر من الضعف بين 2012 و 2013.
علاوة على كل ذلك، باتت مستشفيات اليونان على شفير الانهيار. إذ إن الإنفاق الحكومي على الصحة هبط بنسبة 25% بين 2009 و2012، كما انخفض الإنفاق على الأدوية بنسبة 32% منذ 2010. واضطرت المستشفيات الحكومية إلى تخفيض ميزانياتها بمعدلات كبيرة، وصلت في بعض الحالات حتى 50%، من خلال تقليل شراء الإمدادات وأجهزة التحليل، والامتناع عن توظيف أطباء جدد ليحلوا محل أولئك الذين تقاعدوا أو غادروا البلاد.
كما أن التغطية التأمينية الصحية تأثرت بإجراءات تخفيض النفقات. وحيث إن الرعاية الصحية في اليونان مرتبطة بوضع البطالة وخطط الضمان الاجتماعي، فإن ارتفاع معدلات البطالة وتخفيضات الضمان الاجتماعي الحكومي تركت العديد من الناس من دون تأمين صحي. علاوة على ذلك، أصبح كثيرون من ذوي الدخل المتوسط، الذين كان لديهم تأمين صحي لدى شركات خاصة، يعتمدون الآن على المستشفيات الحكومية. وهذا التدفق لمرضى جدد يشكل ضغطاً إضافياً على العاملين في المؤسسات الصحية، وهم مجهدون أصلاً.
وقد كانت اليونان أحد البلدان التي تتمتع بأعلى معدل أطباء بالنسبة لعدد السكان في العالم، إلا أنها شهدت هجرة جماعية للاختصاصيين في الصحة إلى البلدان الغنية، ما تسبب بنقص في عدد الأطباء. وسجلت الجمعية الطبية في العاصمة اليونانية أنه في أثينا وحدها، هجر المدينة نحو 4000 طبيب منذ بدء الأزمة وتخفيض الإنفاق على القطاع الصحي. كما أن عدداً كبيراً من كبار العلماء هجروا البلاد.
ومشكلة هجرة الأطباء تفاقمت بفعل النقص في الأدوية والإمدادات الطبية، وذلك نتيجة لتعليق شركات الأدوية تقديم الإمدادات بسبب عدم تسديد الفواتير المستحقة. إضافة إلى ذلك، يقدر أن ثلث المتخرجين في كليات التمريض سيبقون عاطلين عن العمل لفترات تصل إلى أربع سنوات بعد التخرج، في حين أن الممرضين العاملين في أقسام الطوارئ يعملون أوقاتا إضافية بينما الإمدادات تتناقص.
وارتفاع معدلات أمراض معينة، مثل النوبات القلبية ومشكلات التنفس، مرتبط بالضغط النفسي المزمن الذي يعانيه اليونانيون، وكذلك بتدهور ظروف المعيشة نتيجة للأزمة.
إذاً، ليس مما يدعو للدهشة أن تكون الحالة الصحية لليونانيين قد تدهورت خلال سنوات الأزمة. وقد حذرت مجموعة من علماء يونانيين في رسالة مفتوحة إلى الحكومة: «ليس لديكم حق في الحصول على قروض بثمن إفساد صحة مواطنيكم والموت المبكر للأضعف بيننا».