باعتباري أمريكيّاً، وُلدتُ ونشأتُ جزئيّاً في إفريقيا، وباعتباري شخصاً شديد الإيمان بالحقوق المطلقة للحيوانات، في أن تعيش حياتها من دون مضايقة على أيدي البشر، شعرتُ بالغضب في أعقاب القتل المأساوي للأسد «سيسيل»، دونما ضرورة. وعلى الرغم من أن رغبتي في كتابة هذه المقالة، تنبع جزئيّاً من الحاجة الملحّة إلى التعبير عن هذه العواطف، فإنني أعتقد أن هذا الحادث قد أثار على الأقل اثنتين من القضايا المهمة، التي هي في حاجة ماسّة للمناقشة من قِبلنا، نحن الذين نُكنّ اهتماماً عميقاً بالقارة الإفريقية، ومِن قِبل أولئك الذين يرسمون المسار الاجتماعي- الاقتصادي، والسياسي للقارة، ولعامة الناس في العالم.
إن استغلال إفريقيا من قِبل الأجانب، جارٍ منذ قرون، ولا يزال مستمرّاً بأشكال مختلفة حتى يومنا هذا. فموارد القارة المعدنية، تتعرّض للنهب يوميّاً، وأراضيها تُسْلبُ مِن قِبل الشركات والدول الغنية. وقد ظلَّ أفرادُ شعوبها إلى ما قبل نحوِ مئة وخمسين سنة، يُعامَلون باعتبارهم دون مرتبة البشر، ويُنقلون إلى الأمريكتيْن للعمل عبيداً.
وليس أيٌّ من هذه الحقائق مفاجئاً، أو غير معروف لمن يملك أدنى معرفة بتاريخ إفريقيا. ومع ذلك، فإن معظمَ الذين يملكون معرفة بإفريقيا، ومَن تعنيهم شؤونها من سكان العالم، ظلوا غافلين أو مترددين إزاء الاغتصاب الجاري لها، الذي يأتي على شكل استغلال لمواردها الطبيعية الثمينة، ولحيواناتها. فقد ظلت سهول إفريقيا المعشوشبة (السافانا)، مرتعاً للهْوِ الغربيين الأثرياء الذين يأتون لقتل قططها البرّية المَهيبة، وغيرها من الحيوانات، على سبيل الرياضة. وهي مَرْبع الصّيد، للصيادين غير المرخصين، الذين يقتلون الأفيال، ووحيد القرن من أجل أنيابها التي تباع في آسيا لأغراض مختلفة، منها صناعة الحُليّ الفاخرة.
والحكومات الإفريقية لا تستطيع منع الصّيْد غير المرخَّص والمخالف للقانون، وتسمح بدلاً من ذلك، بصيد الحيوانات البرّية في أراضي الدولة وفي الممتلكات الخاصة، التي غالباً ما تستعمل لصيْد حيوانات تجري تربيتها من أجل صيْدها.
ويوضح ذلك بما لا يدع مجالاً للشك، كيف أنّ المال، والجشع والفساد، إلى جانب تصوُّر إفريقيا قارةً متخلفة، فقيرةً عاجزةً ومنحوسة الطالع، تتيح للأوروبيين، والأمريكيين الشماليين والآسيويين، الاستمرار في استغلال أراضي إفريقيا، وحيواناتها، وسكانها، من دون أي رحمة.
ولا يقع اللوم على غير الأفارقة وحدهم. فالنخب الإفريقية، والزعماء السياسيون، إضافة إلى الأفارقة الذين درسوا في دول وجامعات غربية، تقمَّصوا إيديولوجيا القوى والمؤسسات الغربية، وسمحوا عن طيب خاطر ومن دون تردّد، بتدمير القارة المطلق ونهبها، وشاركوا فيها في بعض الحالات.
تدمير مواطن الحيوانات
وتحت شعار التحديث والتصنيع، يتم إتلاف مستنقعات إفريقيا، وغاباتها المطرية وسهولها المعشبة. وفي غضون ذلك، فإنّ الحياة البرّية فيها، المكونة من الحيوانات، التي تملك من حقّ العيش دون مضايقة بقدر ما يملك البشر، تُدفع إلى حافة الانقراض. وفي كثير من الأحيان، تم تدمير مواطن عيشها تماماً.
وفي الوقت نفسه، يُرغَم المزارعون الأصليّون الذين يفلحون الأرض منذ قرون، على تركها وإخلاء السبيل لمصالح الأثرياء من الشرق الأوسط، وآسيا، والدول الغربية.
وتقوم الشركات والمصالح الغربية بالاستيلاء على الأراضي واستغلالها إمّا لإنشاء مزارع لتصدير المنتجات التي تُدرُّ المال، أو لإقامة مزارع حيوانية لتزويد المصانع، التي لا يقتصر شرّها على ابتلاء مليارات حيوانات المزرعة بحياة ملؤها المعاناة والتعاسة، بل تسهم أيضاً بدرجة كبيرة في الكارثة الجارية، المعروفة باسم الاحتباس الحراري.
وللأسف، انطلت على الحكومات الأإفريقية الفكرة التي تدّعي أن السبيل الوحيد إلى ازدهار إفريقيا، هو الخضوع لإملاءات الدول الغربية، وما تشير به مؤسساتٌ مثل صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي.
ومن المعروف أن أعظم الأسلحة في أيدي الطغاة والمستبدين، ليست البنادق والجيوش، بل استغلال عقول الخاضعين للقمع. فإلى أن تدرك إفريقيا وشعوبها، أن سبيل إفريقيا الوحيد إلى خلق بيئة تقود إلى تحسين ظروف شعوبها، هو تخليها عن هذا الاندفاع من دون تفكير نحو تقليد واستلهام ما يُسمى الدول الصناعية، بغية اللحاق بركبها، فإن معاناة الحيوانات وموتها من دون داعٍ، وكذلك معاناة البشر وموتهم في القارة، والتدمير الشامل للنظام البيئي سوف تستمر.
والمطلوب هو خلق نهج إفريقي فريد للنموّ- يوفر مزاجاً للتنمية قابلاً للاستدامة، ويعزز احترام التنوع البيولوجي، ويتبع قوانين البيئة، ويحمي مواردها الطبيعية، ويقوم على مبدأ يتلخص في وضع رفاه شعوب إفريقيا، وحيواناتها غير البشرية فوق الربح.
والمسألة الثانية التي يثيرها مقتل الأسد «سيسيل» هي عدم الرغبة المطلق في تغيير كيفية معاملة الحيوانات من قبل الناس في العالم.
صمت على الوحشية
إن مقتل هذا الحيوان الواحد، على الرغم من شهرته، يؤدي إلى مثل هذا الغضب، والتعاطف من قبل الناس في أنحاء العالم. ومع ذلك، فإن هؤلاء الناس أنفسهم، يجلسون صامتين، ويمضون إلى مزاولة أعمالهم اليومية، في حين أن الملايين من حيوانات المزرعة، المُدركة لما تُسامُ من ألم، يجري ذبحها، وسلخها، وضربها، وسحقها يوميّاً، بأبشع الطرق الممكنة، من أجل الغذاء أو من أجل الحصول على جلودها.
وفي الوقت ذاته، يجري يومياً في الدول الغربية، قتل الحيوانات الضالة السليمة صحياً، من كلاب وقطط، ويستمرّ استعباد وحبس الحيوانات فيما يُسمى حدائق الحيوان والسّيْرك، دون هوادة، في جميع أنحاء العالم.
فأين الغضب والاحتجاج الواسع على ذبح المليارات من حيوانات المزرعة؟ وأين الغضب إزاء القضاء على الفيلة وحيوانات وحيد القرن وغيرها من الأنواع المعرضة لخطر الانقراض في إفريقيا؟ لماذا لا نقول شيئاً عندما يجري إعماء الحيوانات البريئة، وإرغامها على ابتلاع المنتجات السامة، وبقر بطونها حيةً، وقتلها في سبيل إجراء الأبحاث الطبية؟ إن ضروب التعذيب وإساءة المعاملة التي لا حصر لها، مما يوقعه البشر يومياً على الحيوانات غير البشرية في العالم، مستمرٌّ دون توقف.
إن حقيقة كوننا، نحن البشر، مشاركين بصورة مباشرة- إن لم نكن السبب المباشر- فيما يُسمّى الانقراض الجماعي السادس، وفي التدمير السريع لنظامنا البيئي، وكوننا - من جهة- مستفيدين من أسوأ وأبشع صنوف الوحشية التي يمكن تخيّلها ضدَّ زملائنا من الحيوانات، بينما ندين - من جهة أخرى- إساءة معاملة، وقتل الحيوانات البريئة.. إن ذلك، شاهد دامغ على فصاميّة (شيزوفرينيّة) علاقتنا بعالم الطبيعة.
إنه ليؤسفني مقتل الأسد «سيسيل». ويؤسفني أن مليارات الحيوانات تقتل، وتُشوَّه، وتساء معاملتها، للأكل، والتسلية، والبحث الطبي، والمتعة، ولأسباب دينية أو من دون سبب على الإطلاق، وأن استغلال إفريقيا يستمر اليوم بأشكال مختلفة عديدة. ولكنّ أشدّ ما يؤسفني أن الشيء الوحيد الذي بوسعي أن أفعله، إلى جانب اختيار عدم المشاركة في استغلال الحيوانات والكتابة عنها، هو التعبير عن غضبي ورفضي لوحشية الصنف البشري.
لفتَ قتلُ الأسدِ «سيسيل» في زيمبابوي على يدِ صيّاد أرعن، الأنظار لما عانته القارة السمراء، وتعانيه من ظلم واستغلال مستمرّيْن.