في موقع (وورلد سوشياليست ويب) كتب الصحافي الألماني، سفين هايمان:
يجد الألوف من طالبي اللجوء إلى ألمانيا، هرباً من الفقر والحرب والاستبداد، ظروفاً كارثية عند وصولهم. فمنذ أن تعاقدت الدولة مع شركات خاصة لتتولى العناية بهم ومعالجتهم، فتحت بذلك الباب على مصراعيه لمزاولة تجارة سخية. وكلما قل الإنفاق على اللاجئين، كلما ازدادت الأرباح.
وقد نشرت تفاصيل عن ذلك، أواخر الأسبوع الماضي، في الصحيفة الاقتصادية اليومية، هاندلسبلات، التي كان كل همها خفض الإنفاق الحكومي. ومع ذلك، كشفت الصحيفة تفاصيل محددة عن «صنعة اللاجئين»، التي تلعب هجرة الناس القسرية الجديدة فيها، دور حزمة الحوافز الاقتصادية التي لا تنتهي. فهذه الصنعة، التي تبدأ بتوفير السكن في نزل اللاجئين وفنادقهم، وتوفير حاويات الشحن (للمساكن) وغيرها من المرافق، وأفراد الأمن لحراستها.. كل ذلك يجعلها تجارة مربحة، تدر على البعض ملايين اليوروات.
وقد قدرت وزارة الداخلية، أن رعاية كل لاجئ تكلف سنوياً 12- 14 ألف يورو. وتتوقع الوزارة في الوقت ذاته، أن يسعى نحو 450 ألف شخص إلى اللجوء في ألمانيا هذا العام. وعليه، سوف تخصص الدولة 5.4- 6.3 مليار يورو للعناية بهم. ويتطلع الاستغلاليون إلى الظفر بقطعة مجزية من هذه الكعكة.
وتتولى شركة «هومكير الأوروبية» كبرى شركات توفير السكن للاجئين في ألمانيا- حالياً تشغيل أكثر من 50 نزلاً. وقد باءت بسمعة شائنة في الخريف الماضي عندما أقصيت عن إدارة نزل للاجئين في «سيغرلاند بورباخ» بعد أن قام حراسها الأمنيون بمضايقة اللاجئين وتعذيبهم.
وتجني شركة «هومكير الأوروبية» الآن أرباحاً بالملايين، من خلال تجهيزها لنزل المهاجرين، بما في ذلك توفير أفراد الأمن. وقد بلغت مبيعاتها عام 2013، رقماً ضخماً يعادل 30 مليون يورو، وهو في تصاعد. ومع عوائد حقوق مساهميها التي تبلغ 66%، تتفوق الشركة على جميع الشركات المدرجة على مؤشر «داكس» الألماني.
وتكلف نفقات الموظفين لكل نزل، شركة «هومكير الأوروبية» نحو 1400 يورو لكل موظف شهرياً. ويتناقض ذلك مع العائدات التي تزيد على 4 آلاف يورو لكل موظف شهرياً. وبذلك، فإن الشركة لا تستغل وضع اللاجئين وحسب، بل وضع موظفيها أيضاً.
كما أن العمل التجاري مزدهر أيضاً لدى مصنعي ومؤجري حاويات الشحن لاستعمالها وحدات سكنية. والطلب على بضاعتهم كبير إلى درجة تؤدي إلى حدوث تأخير في تلبيته، ولا يمكن الحصول على حاويات بسعر معقول لاستخدامها للسكن، قبل شهور. ونتيجة لذلك، تقوم بعض الشركات الآن بتوظيف عمال مؤقتين إضافيين. ولأن الحاويات المتاحة للتأجير الآن قليلة العدد، تلجأ بلديات عديدة إلى شراء حاويات خاصة بها، لتستخدمها لإقامة اللاجئين.
وليست الشركات الخاصة فقط هي التي تسجل زيادة في العائدات، بل المؤسسات الخيرية أيضاً، مثل جمعية الصليب الأحمر الألماني.
فجمعية الصليب الأحمر، تعتني الآن بأكثر من 15 ألف لاجئ في أنحاء البلاد ضمن أكثر من 40 مخيماً. وقد تضاعف عدد المتأثرين خلال أسبوعين، كما كتبت صحيفة هاندلسبلات. وفي غضون ذلك، أقامت جمعية الصليب الأحمر أيضاً معسكرات خيام، وتشرف على الاستقبال الأولي للاجئين، وتوفر الغذاء وتعتني بحالات الطوارئ الطبية. وتذهب فاتورة هذه الخدمات بعد ذلك إلى البلديات المعنية.
كما أن العديد من أصحاب الفنادق والخانات الصغيرة، يفيدون من وضع اللاجئين البائس.
وكتبت صحيفة هاندلسبلات عن فندق متهالك بالقرب من جسر سكة الحديد في دوسلدورف، اعتاد الفرد أن يستأجر فيه غرفة مستقلة مقابل 33 يورو في الليلة. أما الآن فإن السلطات ستدفع ما معدله 35 يورو في الليلة عن كل لاجئ. وبذلك، أصبح الفندق يقوم بإسكان ما يبلغ خمسة لاجئين في الغرفة الواحدة-، بدلاً من إسكان شخص واحد- مما يوفر له قفزة عالية في الأرباح.
وقد نشأ عن ذلك، أن بعض أصحاب الفنادق، قاموا بتغيير طبيعة عملياتهم تغييراً تاماً، لتقتصر على توفير السكن للاجئين فقط. ففي المناطق الأقل سياحيةً بصورة خاصة، تحول كثيرون من أصحاب الفنادق نحو توفير سكن جماعي للاجئين، تقوم السلطات بعد ذلك بدفع نفقاته. ونظراً إلى العدد المتزايد من طالبي اللجوء، يبقى الكثير من هذه الفنادق مشغولاً تماماً طوال العام، أو مزدحماً بأكثر من قدرته على الاستيعاب- وتلك تجارة رابحة.
وفي مقاطعة ساكسونيا، يجري تشغيل ثلاثة من كل أربعة من مرافق سكن اللاجئين من قبل القطاع الخاص؛ وفي الأماكن التي يتدفق الجزء الأكبر من الأرباح فيها، إلى جيوب أصحاب الشركات الخاصة، ظلت معظم السلطات لا تحرك ساكناً إزاء تكلفة مثل ذلك النوع من السكن.
وقد تبين وجود علاقات وثيقة في بعض الأحيان، بين رجال السياسة وبين صنعة اللاجئين، مما يحولها إلى تجارة مربحة.. حيث قام بعضهم بمساعدة بعض الشركات في جعل العطاء يرسو عليها، رغم تقديمها تقديرات باهظة للتكاليف.
وعلاوة على ذلك، تضطر البلديات إلى الاعتماد على مقاولي القطاع الخاص، لأن البنية التحتية العامة متداعية تماماً، ولا سيما في شرقي ألمانيا.
فأولاً، استمرت الموارد المالية المخصصة لاستقبال اللاجئين وإيوائهم في السنوات الأخيرة بالتناقص. ثانياً، بعد اعتماد العلاقات الرأسمالية في شرقي ألمانيا، تفككت البنية التحتية العامة هناك بدرجة كبيرة. وتقع المسؤولية في ذلك، على عاتق الأحزاب ذاتها، التي تمهد دعوتها إلى التدخل العسكري من قبل القوات المسلحة، في جميع أنحاء العالم، السبيل أمام أزمة لاجئين أشد وأكبر.