هذه الأبيات، كما يؤكد سموه، جاءت جواباً لكل من تساوره الشكوك، بعكس ذلك، وهي بمثابة تأكيد على الموقف، وإيمان بعدالة القضية، وإصرار على خوض المعركة حتى نهاياتها.. تقول الأبيات:
(يا ريس الدولة يا بوراشد يا بوخالد وازيد
يا شيوخنا في كل شبر من ثرى هذا الوطن
يا شعبنا ياللي عن دروب الكرامة ما يحيد
بقول كلمة بالنيابة عن مشاعركم.. لمن
يحسب أنا نرهب من الموت ونخاف الوعيد
حنا رجال المعركة والسيف والرمح الأسن).
وبعد تكرار سموه لهذه الأبيات ها هو يؤكد على أن الموت، في إشارة لاستشهاد الجنود ال 45 كان موتاً مشرفاً، من أجل رفع الراية التي صار حال العدو في مقابلها، أي في مقابل هذه الصورة المشرفة، ليس أكثر من رقم، بل حاله صغير وضئيل الشأن، أمام تلك المواقف الرائعة من البسالة، وما نُزف من دم مبارك على أرض المعركة.
تستمر القصيدة في تصوير مواقف البسالة، كما يؤكد سموه، لن ولن ننسى مواقف وشجاعة هؤلاء الجنود، وما سطروه من مجد، كانت خاتمته إذعان العدو وهزيمته.. كيف لأن هؤلاء كما الشعب، ومن قبلهم القادة، معنيون دائماً بتحقيق الإنجازات، فكما هي مواقفهم في أرض المعركة، كذلك هي المواقف في التنمية والإنجازات النهضوية والفكرية، ونحن في ذات الوقت، وكما نحسن التقدم في كل المجالات آنفة الذكر، نجيد أيضاً خوض المعركة بشرف، كما نجيد ردع الفتنة، في إشارة إلى الأسباب التي دعت إلى خوض معركة التحالف في اليمن الشقيق، كيف لا يكون هذا الأمر، ونحن أصحاب الهمة العالية والعزم والرأي الحميد، وكيف لا يكون، ونحن من نفزع إلى الصديق والأخ، وهنا مأثرة من مآثر النخوة التي يؤكد عليها ولي العهد، وهي فزعة لا نرجو ثمناً مقابلها، فهي في سبيل الله، بل هي من عاداتنا وشيمنا التي تربينا عليها، وذلك لن يثنينا عن مواقفنا حتى لو فقدنا أي جندي من جنودنا الأبطال، حتى لو كانت نهاية هذا المشوار القبر والكفن كناية عن الاستشهاد.
يقول سموه:
(حنّا نجيد نحقق الإنجاز بالفكر ونجيد
نردع هل الفتنة يالين اتحيد عن درب الفتن
الهمة العليا لنا.. والعزم والرأي الحميد
ونقدم الفزعة لوجه الله ولا نرجو ثمن
في كل يوم لو فقدنا من أشاوسنا فقيد
ما ننتهي ولو نهاية دربنا قبر وكفن).
للاستماع للقصيدة http://goo.gl/xlrgfs
في الأبيات التي تلي ذلك، يستخدم سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، الكناية والتشبيه، فثمة قلب قوي ثابت، وسيف من حديد، وهو متفائل بالنصر، بعون الله، النصر الذي هو مضمون بعيال زايد، وكما كنا نستخدم الشعر في مواسم الفرح والأعياد، ها هو الشعر يحاجج في الانتصار للشهداء، أولئك الشهداء الذين نكتب لأجلهم أجزل القصائد، حزناً على فراقهم، فبكتهم قلوب وأفئدة كثيرة ليست إماراتية وحسب بل عربية كذلك.
بفضل وقفات هؤلاء الجنود من سقوا العدو الخسران والمذلة، ها أنتم تصنعون مجدًا جديدًا، يا من لن تلين عزائمكم، ويا من ضمنتم الفوز بالجنة، كما أخبرنا الله في كتبه وكما بشرنا رسوله الكريم، وأصحابه من الخلفاء الراشدين.
في الأبيات الأخيرة يسجل سموه في قصيدة «قبر الشهيد» تعزية كبيرة نابعة من القلب لشهداء المملكة العربية السعودية، وشهداء البحرين وهو يستعيد ما سبق وذكره المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، بأننا أشقاء في الفرح والمسرة وفي الحزن كذلك أي في أوقات السلم والحرب، وأنتم أيها الشهداء الكرام يا من سطرتم بدمائكم فعال المجد ورويتم أرض المعركة بانتصاراتكم، لكم الفخر والسؤدد الذي تباهي به أمة الإسلام، وأنتم أيها الشهداء هنيئاً لكم يا من كتبتم في وسام من شرف وبطولة سجلّاً خالدًا، أنتم في مقام شريف، كما هي حال قبر الشهيد هذا بما بذل صاحبه من نبل وتضحية هو قبر ذو مكانة شريفة ورفيعة، وهو يصطف في المقام بعد قبر الأنبياء والرسل.
(أشرف قبر بعد الرسل والأنبيا قبر الشهيد
وأعز وأنبل تضحية ما قدمت لأجل الوطن).
أعز وأنبل تضحية
يستهل سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي قصيدته الأخيرة «قبر الشهيد» بأداة النداء «يا»، ليؤهل المتلقي للانتباه لما يود أن يقوله من رسائل قوية ومؤثرة، ويخاطب سموه قادة وشعب الإمارات مؤكداً على اللحمة الوطنية التي تضم الجميع في هذه اللحظات الفارقة من تاريخ الوطن، يقول سموه «يا شعبنا ياللي عن دروب الكرامه ما يحيد/ بقول كلمة بالنيابة عن مشاعركم.. لمن/ يحسب إنا نرهب من الموت ونخاف الوعيد/ حنا رجال المعركة والسيف والرمح الأسن»، هو الشاعر عندما يتحد مع أحاسيس أهله ووطنه وأمته، وهي قيم الفروسية التي يلصقها المبدع بالجميع، فلا أحد في الإمارات يرهب الموت، وخاصة جنودنا المغاوير، يقول سموه في بيت لاحق «نموت والرايه ترفرف والعدو حاله زهيد/ مثل شهداء الوطن والعزه اللي لا ولن / ننسى مواقفهم وما خطوه من دم الوريد/ من مجد في يوم له الحاسد رغم أنفه ذعن». ينتقل سموه في الأبيات اللاحقة ليفصل في المعني الأبرز للقصيدة، فالكل هنا في الإمارات في واحد، تجمعهم روح واحدة ويتفقون على الأهداف نفسها، ويسلكون في المواقف المصيرية السلوك نفسه ويتميزون بالمبادئ ذاتها، يقول سموه: «في كل يوم لو فقدنا من أشاوسنا فقيد/ ما ننتهي ولو نهاية دربنا قبر وكفن»، هنا تظهر التضحية بوصفها قيمة مركزية في الروح الإماراتية: شعب وقيادة وقوات مسلحة، فالتضحية في سبيل الوطن أشرف ما يمكن أن يقدمه «عيال زايد» أجمعهم في مثل هذه اللحظات التي تتطلب ما يصفه الشاعر «سيف من حديد»، يقول «نرمي بقلب من حجر، نبطش بسيف من حديد/ والنصر بإذن الله وثم بعيال زايد ينضمن»، فالحرب وردع أهل الفتنة وإثارة الهمة ونجدة الجار تتطلب القوة التي تتأسس على مفردات رنانة تنفذ إلى أذن المتلقي وتحمسه «قلب من حجر» لا يهاب الموت ويفرح بالشهادة، فأشرف قبر بعد الرسل والأنبياء قبر الشهيد.
يستحق شهداء الإمارات الخمسة والأربعون أن يرفع لهم الشعر رايات المجد التليد، وستظل أفعالهم تسمو في البوادي والمدن، حتى إن مأرب تبكي وعدن تدمع والشعب اليمني يعزي، وهو ليس الوحيد، هنا ينتقل الشاعر من خطاب الحماسة العام إلى التركيز على شهداء القوات المسلحة في اليمن، وهو انتقال سلس ورشيق، لا يستشعره المتلقي، ففي العمق لا فارق بين الجميع في مثل هذه الأحداث ف«عيال زايد» كلهم فداء الوطن، وهؤلاء الشهداء أضافوا مجدا إلى مجد الإمارات، تميزوا بالإقدام والبأس الشديد، وهنا يستمر الشاعر في استخدام المفردات القوية الرنانة، ويدمج الوطني في معظم الأبيات بالديني حتى يتأكد المعنى والهدف وتصل الرسالة كاملة «هنيكم في جنة الفردوس بالعيش الرغيد/ كما يقول الله لنا، وأيضا كما قد صح عن / نبينا نقلا عن اصحابه هل النهج الرشيد»، ويعرج الشاعر بعد ذلك ليعزي أهل السعودية والبحرين، وهنا يكتمل المعنى أو الدائرة أو الرؤية، فمبدأ الكل في واحد يشمل الأشقاء العرب وهو نهج المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، لتختتم القصيدة بالقول: «أشرف قبر بعد الرسل والأنبيا قبر الشهيد / واعز وانبل تضحيه ما قدمت لاجل الوطن».
«قبر الشهيد» قصيدة متفجرة بالمعاني، تنطلق من الاتحاد أو «الكل في واحد» بفضاءاته ومعانيه المختلفة، يمتزج فيها الوطني بالعروبي بالإسلامي، تمتاز بوحدة الموضوع وبتوحد الشاعر مع الهم العام «بقول كلمه بالنيابة عن مشاعركم»، وهي تحيي كل الإماراتيين، فالنصر بإذن الله وب«عيال زايد» مضمون، وتحيي الشهيد صاحب أعز وأنبل تضحية.
محمد إسماعيل زاهر