إعداد: محمد إسماعيل زاهر
«أنا ذكرت في كتابي هذا أقاليم الأرض على الممالك، وقصدت منها بلاد الإسلام بتفصيل مدنها، وتقسيم ما يعود بالأعمال المجموعة إليها، ولم أقصد الأقاليم السبعة التي عليها قسمة الأرض، بل جعلت كل قطعة أفردتها مفردة مصوّرة، تحكي موضع ذلك الإقليم، ثم ذكرت ما يحيط به من الأماكن، وما في أضعافه من المدن والبقاع المشهورة والبحار والأنهار، وما يحتاج إلى معرفته من جوامع ما يشتمل عليه ذلك الإقليم، من غير أن أستقصي كراهة الإطالة، التي تؤدي إلى ملال من قرأه»، الكتاب هو«مسالك الممالك» للإصطخري، وهو جغرافي مسلم آخر يأخذه الطموح ليرحل بقارئه بين مختلف ديار العالم الإسلامي، متجولاً بين المدن والبقاع والبحار والأنهار.

يقول الزركلي في كتاب «الأعلام» عن الرحالة والجغرافي الإصطخري: «إبراهيم بن محمد الفارسيّ، أبو إسحاق الإصطخري ويقال له الكرخي: جغرافي، رحالة، من العلماء. من أهل إصطخر (بإيران) قام بسياحة طاف بها بلاد العرب وبعض بلاد الهند، وبلغ الأوقيانوس الأتلانتيكي، واستعان بكتاب «صور الأقاليم» لأبي زيد البلخي، ولم تكن مصادر علم البلدان موفورة في عصره، فألف كتابيه «صور الأقاليم» على اسم كتاب البلخي، و«مسالك الممالك» ونقل ياقوت عنهما أو عن أحدهما في معجم البلدان، وأغفل ترجمته أو الإشارة إليه في كلامه، مكتفياً بتسميته في مقدمة المعجم «أبا إسحاق الإصطخري»».

كان الإصطخري سيّئ الحظ في حياته، وبعد مماته، أما عن حياته فلم يعرف عنها الكثير، بل إن نسبة (الإصطخري) قد غلبه عليها فقيه شافعي معاصر له، هو: أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد ت 328 ه، أما بعد موته فقد حالف سوء الحظّ كنيته (أبو إسحاق) فكتبت على صفحة عنوان الكتاب في طبعة وزارة الثقافة - مصر 1961 (ابن إسحاق)، بينما كناه محقّق الكتاب «أبو القاسم».

عنوان (المسالك والممالك) حمله أكثر من كتاب لأكثر من مؤلّف جغرافي. فهناك (المسالك والممالك) لأبى جعفر أحمد بن الحارث بن المبارك الخزّاز، و(المسالك والممالك) لأبى العبّاس جعفر ابن أحمد المروزي، وممن ألّفوا كتباً بهذا العنوان أيضاً: أبو العبّاس أحمد بن محمد بن مروان ابن الطيّب السّرخسي، و أبو

عبد الله أحمد بن محمد ابن نصر الجيهاني وعبيد الله بن أحمد بن خرداذ، وأبو زيد أحمد بن سهل البلخي.

عاش الإصطخري في القرن الرابع الهجري، والذي شهد طفرة في علماء الجغرافيا ومنهم: أبو الفرج قدامة
بن جعفر، والمسعودي- صاحب (مروج الذهب)، وابن حوقل، والمقدسي
صاحب «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم».

ارتحل الإصطخري بين الكثير من البلدان، مسجلاً ومدوناً مشاهداته وانطباعاته عن طبوغرافيا المكان، وعادات أهله ومكوناته الاقتصادية والاجتماعية وخصائصه الطبيعية والسكانية والثقافية.

نضج علمي

يحمل التأليف في الجغرافيا خلال القرن الرابع الهجري دلالة تاريخيّة وحضاريّة، فهناك اتّساع رقعة العالم الإسلامي من جهة، و بلوغ العلوم العربيّة الإسلامية مرحلة من النضج والازدهار والتشعّب من جهة أخرى، الأمر الذي اقتضى التعريف برقعة هذا العالم، بل وببقيّة مناطق العالم المعروفة وقتها، سكّاناً وبلاداً وطرقاً ومعالم طبيعيّة، تسهيلاً للتنقل بينها، تجارة وعملاً، أو دراسة وبحثاً، أو متعة وتأمّلاً.

إن الإضافة التي مثلها الإصطخري تتمثل في خيال يطمح إلى رسم خرائط تقرب لقارئه ما يتحدث عنه من أماكن وبلدان وأقاليم، يقول في «مسالك الممالك»: «إن الغرض من كتابي هذا، تصوير هذه الأقاليم، التي لم يذكرها أحد علمته، وأما ذكر مدنها وجبالها وأنهارها وبحارها والمسافات، وسائر ما أنا ذاكره فقد يوجد في الأخبار، ولا يتعذر على من أراد تقصّي شيء من ذلك من أهل كل بلد، ولذلك تجوزنا في ذكر المسافات والمدن وسائر ما نذكره، فاتخذت لجميع الأرض التي يشتمل عليها البحر المحيط الذي لا يسلك صورة، إذا نظر إليها ناظر علم مكان كل إقليم مما ذكرناه، واتصال بعضه ببعض، ومقدار كل إقليم من الأرض، حتى إذا رأى كل إقليم من ذلك مفصّلاً علم موقعه من هذه الصورة، التي جمعت سائر الأقاليم، لما يستحقه كل إقليم في صورته، من مقدار الطول والعرض والاستدارة والتربيع والتثليث، وسائر ما يكون عليه أشكال تلك الصورة، فاكتفيت ببيان موقع كل إقليم ليعرف مكانه، ثم أفردت لكل إقليم من بلاد الإسلام صورة على حدة، بيّنت فيها شكل ذلك الإقليم، وما يقع فيه من المدن وسائر ما يحتاج إلى علمه، مما أتى على ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى».

يقسم الإصطخري العالم إلى: ديار العرب، بحر فارس، المغرب، مصر، الشام، بحر الروم، الجزيرة الفراتية بين دجلة والفرات، العراق، خوزستان، فارس، كرمان، بلاد السند والهند، أرمينية وأذربيجان، الجبال، الديلم، بحر الخزر، مفازة خراسان، سجستان، خراسان، وماوراء النهر. وهناك نسخة من هذا الكتاب تضم 299 صورة بينها 21 خريطة حاول فيها الإصطخري تصوير أقاليم العالم، وهو بهذا ينتمي إلى مدرسة أطلق بعضهم على روادها «أصحاب أطلس الإسلام» وتضم بخلاف الإصطخري، البلخي والمقدسي وابن حوقل.

تتسم خرائط الإصطخري بأنها توضيحية فقط، ليست وظيفتها الأساسية تحديد المواقع على وجه الدقة، بل مجرد بيان الهيئة العامة للأرض وبحارها وموقع البلاد بالنسبة إلى بعضها بعضا، وما تتضمنه من ظواهر طبيعيّة وبشرية تفيد في إرشاد الراغبين في التعرف إلى جغرافية الإقليم، كما تنفع المسافرين على الطرق بمعرفة أطوال مراحلها وخصائصها.

اهتم الإصطخري في عمله بذكر العلاقات المكانية للإقليم، وأقسامه الفرعية، والمظاهر الطبيعية المختلفة، والأحوال الاقتصادية للإقليم وما ينتجه من غلال، والمدن الكبرى وأهميتها، والطرق وأطوالها، وربما عني بين الحين والحين بأمور أخرى أقل أهمية في نظره كالنقود والمكاييل والموازين المستعملة في إقليم ما، أو القبائل التي تعيش في الإقليم ومنازلها، وربما استطرد أحياناً فذكر بعض النواحي التاريخية وسير الرجال، وركز على العلاقات المكانية من خلال ذكر حدود الإقليم الخارجية أو الإطار المكاني للإقليم، وقد يأتي هذا التحديد مفصلاً ودقيقاً للغاية على نحو ما حدد ديار العرب، وأما الأقاليم الفرعية فكثيراً ما يرى الإصطخرى أن الإقليم الواحد تتنوع أجزاؤه داخل الإطار العام، فيقسمه إلى أقاليم ثانوية يتحدث عن خصائص كل منها، على نحو ما قسم ديار المغرب إلى نصفين شرقي ويشمل كل الشمال الإفريقي، وغربي وهو الأندلس.

تداخل المعارف

في مسالك الإصطخري نتجول لنتعرف إلى موارد المياه في مختلف صورها من الآبار والعيون والبرك، وما يتجمع من ماء الأمطار والسيول في الأحواض، وما أقامه الإنسان من قباب على هذه الموارد، كما ذكر ما أقيم على الطرق في محطاتها من خدمات للمسافرين كالخانات والرباطات والحصون، كذلك يشير إلى معلومات عن السكان وعن نمط السكن، حتى ولو قل عدد السكان حتى لا يتجاوز بضعة أشخاص، كما يحصي المساكن، ولا ينسى ذكر ما بالقرى من زرع وضرع، بدقة واضحة.

ظل كتاب «مسالك الممالك» مخطوطاً حتى عام 1870م، حيث طبعه المستشرق دي خويه في ليدن بهولندا، ثم طبع مرة أخرى مع صوره في عام 1927.

ولنستمع إليه يتحدث عن طبرستان: «أما طبرستان فإن أكبر مدنها آمل، وهى مستقر الولاة في هذا العصر، وكانوا في قديم الأيام يسكنون سارية، وطبرستان بلد كثير المياه والثمار والأشجار الجبلية والسهلية، والأغلب عليها الغياض، والأغلب على أبنيتها الخشب والقصب، وهى كثيرة الأمطار شتاء وصيفاً وسطوحهم مسنّمة لذلك، وآمل أكبر من قزوين مشتبكة العمارة، لا يعلم على قدرها أعمر منها في هذه النواحي؛ ويرتفع من طبرستان من الإبرسيم، أفضل أنواع الحرير، ما يحمل إلى الآفاق، وليس في الإسلام مدينة أكثر منها إبرسيم، وبها خشب كثير من أصلب الخشب، ينحت منها آنية وأطباق تنقل إلى الآفاق، والأغلب على أهلها وفور الشعر واقتران الحواجب وسرعة الكلام والعجلة، والأغلب على طعامهم خبز الأرز والسمك والثوم والبقول، وكذلك الجيل وطرف من الديلم، ويعمل بطبرستان ثياب كثيرة من الحرير تنقل إلى الآفاق، وكذلك من الصوف والفرش والأكسية وغير ذلك، وليس بجميع طبرستان نهر تجرى فيه سفينة، إلا أن البحر منها قريب على أقل من يوم».

هو علم الجغرافيا عندما يخلص له صاحبه وينفتح على العلوم الأخرى الرديفة والمكملة بصورة نفتقدها في جامعاتنا ومدارسنا المعاصرة.