الشارقة محمد أبوعرب:

يقف الأدب العربي في مسيرته المتراكمة منذ عصر التدوين في القرن الثاني الهجري حتى اليوم، عند كتاب «البيان والتبيين» للجاحظ، بوصفه علامة فارقة في قراءة الأدب، ومعالجة مفاهيم البلاغة، وحنكة بناء النص، وأصل اللغة وجذرها، وتشكلها، والكثير من القضايا المتعلقة باللغة والنص بوصفهما قرينين لا يمكن لأحدهما المضي في سياق بعيداً عن الآخر.
يقف الأدب عند هذا المؤلف، مستنداً إليه في تحقيق المعالجات اللغوية للأدب العربي، إلّا أن «البيان والتبيين» تحوّل من حالة يمكن قراءتها بوصفها لافتة ومغايرة في بحث البيان اللغوي، إلى ركيزة يستند إليها الدارسون في إعادة إنتاج المفهوم الفلسفي للنص الأدبي العربي وعلاقة تكوينه الظاهر بامتداداته الذهنية.
لذلك تبدو التساؤلات حول هذا الكتاب ضرورة، فلماذا كتب الجاحظ «البيان والتبيين»، وما سر اشتغاله الكثيف على مفهوم البلاغة، ولماذا البلاغة؟ وما الذي يمكن قراءته من النص البليغ؟ وما مرجعيات الجاحظ في قراءة فصول كتابه؟.
لا يمكن الحديث عن الجاحظ في «البيان والتبيين» من دون الحديث عنه بوصفه العّلامة المتبصر في علوم عصره والقارئ لتاريخها منذ النشأة، فقوة الجاحظ ومتانة طرحه جاءت نتيجة تعدد مشاربه وغزارته المعرفية، فالجاحظ في معالجته لفصول «البيان والتبيين» استند إلى المناهج والآداب الفارسية، والهندية، إضافة إلى العربية، ورجع إلى نصوص الفلسفة اليونانية، وبدا حاذقاً في تطويع النصوص الفلسفية والنصوص الدينية، إضافة إلى مجمل النصوص الأدبية في سياق يخدم أغراضه، إذ في معالجته لمعنى البلاغة مثل استقى مفهومها في الفارسية من معاصره سهل بن هارون، واستقى مفهومها عند الهند من صديقه بهلة الهندي معاصره أيضاً، وأخذ مفهومها عند العرب عن صحار بن عباش العبدي.

لا يؤكد ذلك سوى حالة من الوعي الكامل الذي يؤهله للخروج من فكرة التوثيق والمعالجة السريعة، إلى النظرة العميقة والبعيدة الشاملة لمسيرة الثقافة العربية، وفكرة التطور الحضاري التي عالجها الكثير من مفكري وفلاسفة العربية، فالجاحظ يتجاوز اللغة بوصفها الوسيط الجمالي القادر على نقل الرسالة، إلى كونها أداة ترتبط بالتكوين الذهني والمعرفي للمجتمعات، والصورة الأقرب والأكثر حركة لقراءة تطور المجتمعات وتحقيق حضورها كونياً.

تفسر هذه النظرة أسباب كتابة الجاحظ لمؤلفه، فلا يمثل «البيان والتبيين» دراسة فلسفية مبكرة للغة العربية، بقدر ما يمثل دراسة عميقة في ذهنية المجتمعات العربية وتسارع نموها، والحث على تحقيق أعلى مستويات الرقي المعرفي لها، وهذا يتأكد بالنظر إلى مجمل النتاج الأدبي والفكري للجاحظ، ومن خلال التوقف عند مقدمات فصول «البيان والتبيين»، فيجد القارئ أنه يقول في الجزء الثاني: «أردنا أبقاك الله أن نبتدئ صدر هذا الجزء الثاني من البيان والتبيين بالرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب وملوكهم...»، وكأنه بذلك يشير إلى هدف الكتاب في تشخيص المستوى المعرفي الراقي الذي وصلت إليه الثقافة العربية.

يكشف هذا الهدف عن واحدة من المفصلات الأساسية في «البيان والتبيين» والمتمثلة في مفهوم البلاغة والمعالجة المتينة لمفاهيمها، فلماذا البلاغة؟ وما الذي يكشفه هذا المفهوم؟.

عُرفت البلاغة من معنى البلوغ، أي الوصول، وهنا تنكشف دلالتها في الوصول إلى المعاني بصيغ عالية كثيفة خارجة عن اللفظ العسير، وتكرار المعنى، وثقل البناء، فالبليغ: «هو الكلام الذي يبلغ المعاني التي في رأس المتكلم إلى عقل السامع».
يقول الجاحظ في «هذا باب البلاغة»: «إنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها، والمعاني المصغرة تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة والجهات الملتبسة».
تكشف هذا المعالجة مفهوم البلاغة الذي توسع فيه الجاحظ إلّا أنها تجعل من المفهوم صيغة محورية لا يمكن الخروج منها والنظر إليها عن بعد، فالبلاغة مفهوم كثيف وعميق يجر باحثه إلى أعماق بعيدة في اللغة للوصول إلى جذره، في ما الحاجة اليوم إلى النظرة الشمولية والقراءة المتفحصة، فلماذا البلاغة تحديداً؟
يعرف الجاحظ تماماً لماذا البلاغة، ويعرف ما تعنيه في تكوين العقل البشري، إذ البلاغة في سياق من معانيها هي التكثيف والوصول إلى المعنى بعذوبة وقرب وجمالية، وهي بصورة أو بأخرى ترتبط بمفهوم الرمز، أي بمعنى آخر الدلالة الواسعة والعظيمة في المفردات القليلة.
وصل الجاحظ مبكراً إلى أن العقل البشري بدأ صورياً آحادياً يشير إلى الشيء بصورته، وأخذ يتطور ويمارس عمليات من الحذف على تلك الصور، ليصل إلى حالة من الرمزية التي تتشكل على أساسها اللغة، فوجد أنه كلما وصلت المجتمعات إلى مستوى أعلى من البلاغة، كلما أكد ذلك مستوى نهوضها الحضاري، وأشار إلى نضوج تجربتها المعرفية.
لذلك نجده يركز في قراءته لهذا المفهوم على الشخصية والمجتمع والذهنية التي تتشكل فيها اللغة، ويشير إلى ذلك بتوظيفه مفردة «الطبع»، إذ يقول: «من شروط البلاغة الطبع، وإذا كان الكلام صحيح الطبع بعيداً عن الاستكراه ومنزهاً عن الاختلال، مصوناً عن التكلف، صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة».