محمد ولد محمد سالم

يعد كتاب «العقد الفريد» لأبي عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (246- 328ه) من العلامات الأدبية البارزة في تاريخ النثر العربي، وأكثرها تأثيرا في أساليب الكتاب الذين جاءوا بعده، وهو أحد نفائس كتب التراث وأمهاته، التي انصرفت إلى الأدب بمعناه الواسع المتضمن دقة اللفظ وجمال الوصف، وتهذيب النفس وبث الأخلاق، وهو من كتب النوادر والأخبار والقصص والأشعار، طابعه العام سردي وإن كان يتخلله الشعر والوصف وغيره من الأساليب التي ترد في طياته.
يقتفي ابن عبد ربه في كتابه نهج ثلاثة كتب سبقته في أدب النوادر والأخبار وهي البيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والكامل للمبرد، وهو يستقي ضمنياً من تلك الكتب، ويأخذ من نصوصها، ويعود إلى أخبارها، لكنه تميّزبخصائص عدة أهلته لمضاهاة تلك الكتب، ومنافستها في التأثير في المتأدبين على مر العصور.
ألف ابن عبد ربه عقده على نظام عقد الجوهر الذي تتحلى به النساء الغنيات الجميلات، وسماه «العقد الفريد» إشارة إلى أن خرزاته من الأحجار الكريمة، وليس من رديء الحجارة، فكذلك كتاب ابن عبد ربه من نوادر الكتب وأكرمها، وهو بعيد كل البعد عن الرداءة، وسماجة الأسلوب وإسفاف المعنى، وقال عنه: «وقد ألفت هذا الكتاب، وتخيّرت جواهره من متخيّر جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب، وإنما لي فيه تأليف الأخبار، وفضل الاختيار، وحسن الاختصار، وفرش في صدر كل كتاب، وأما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء، ومأثور عن الحكماء والأدباء»، وقد قسمه إلى خمسة وعشرين كتابا (بابا)، سمّى كل واحد منه باسم جوهرة من جواهر العقد، وجعل لكل جوهرة كتابين فجاءت عناوينه كالتالي: (1 - كتاب (اللؤلؤة) في السلطان، 2- كتاب (الفريدة) في الحروب.. إلى 24 - كتاب (الفريدة الثانية) في الطعام والشراب، 25 - كتاب (اللؤلؤة الثانية) في الفكاهات والمُلح.
انفرد كتاب العقد الفريد بميزات عدة حاز بها السبق في ميدانه، أولها أنه تخلى عن نهج الرواية الذي كان سائداً في الكتب السابقة، فكان يورد الأخبار بعزوها إلى قائلها وحده ذكر سلسلة الرواية السابقة، وكان يعي ما يفعله، لكن اهتمامه كان منصباً على القيمة الأدبية والأثر الجمالي الذي يتركه في القارئ، وأما التحقيق في صحة نسبة القول إلى قائله، فقد رأى ان سابقيه عملوها بما فيه الكفاية، وقد جنب بذلك قارئه عناء متابعة عشرات السلاسل من الأسماء التي يتعثر بها النظر واللسان وهو يدقق فيها، وأعطاه قارئه النص الأدبي مجردا جاهزاً نضراً، ومن الميزات الأخرى أن اتباعه نهج الاختصار في القول، واختياره من النصوص ما كان موجزا رشيق اللفظ أيضا، ونصوصه السردية بشكل خاص مختصرة، يختار كلماته دقيقة تحصر المعاني الكثيرة في العبارة القليلة، وجمله موزونة، تطرب قارئها.
أما موضوعاته التي يتناولها فمدهشة، فهو لا يسرد لك الأخبار العادية، ولا القصص المرسلة، وإنما يتخير النوادر العجيبة التي تتضمن مغزى أخلاقيا وعبرة، وينتقي المواقف الإنسانية الموحية، وحين يتولى سردها فهو فنان أديب ممتع، لا يمل سرده، وهو مولع باختصار القصص والذهاب إلى لب الحكاية، و يمكن اعتباره مؤسسا لفن القصة القصيرة في الأدب العربي، نظراً لاختياراته الجمالية، وتركيزه على التأثير النفسي، ووصفه الدقيق لظروف الشخصية المادية والنفسية، يقول في حكاية تميم بن جميل.. يقول ابن عبد ربه: «قال أحمد بن داود: ما رأينا رجلا نزل به الموت فما شغله ذلك ولا أذهله عما كان يحب أن يفعل إلا تميم بن جميل، فإنه كان قد تغلب على شاطئ الفرات، وأوفى به الرسول باب أمير المؤمنين المعتصم في يوم الموكب حين يجلس للعامة، وأُدخل عليه، فلما مثل بين يديه دعا بالنطع والسيف فأحضرا فجعل تميم ينظر إليهما ولا يقول شيئا، وجعل المعتصم يُصعّد النظر فيه ويصوبه وكان جسيما وسيما، ورأى المعتصم أن يستنطقه لينظر أين جنانه ولسانه»، فقد كان يمكن لابن عبد ربه أن يستطرد في سبب تغلب تميم على شاطئ الفرات، وخروجه على سلطة المعتصم، ويصف كيف تمت محاربته وهزيمة جيشه وأسره، لكنه لخص كل ذلك في عبارات دقيقة قليلة تفي بالغرض وتسمح بالمرور مباشرة إلى اللب وهو موقف تميم الشجاع الذي لم تتحرك منه شعرة رغم أنه يعاين الموت، وحضور بديهته وحسن منطقه الذي حصل به على
العفو.
بتلك الميزات استطاع ابن عبد ربه أن يسطر نفسه في سجل الخالدين، وأن يترك للاّحقين كتاباً أدبياً لا يزال يؤثر في الكتاب من بعده، وقد شهد إقبالا بشكل خاص في كتاب العصر الحديث، عندما ارتقى النثر الأدبي، وراجت أساليب السرد، فكان العقد الفريد واحدا من الكتب التي يعود إليها أولئك الكتاب ليستمتعوا بقراءته، ويستفيدوا من أساليبها، وتقنياتها، والدليل عدد المرات التي حقق فيها، وكثرة طبعاته.