يونس العموري.. كاتب ومحلل سياسي والوكيل التنفيذي للمؤتمر الشعبي للقدس الذي يعني أهم مؤسسة تعنى بمختلف قضايا مدينة الصلاة بل وتعد بمثابة المرجعية العليا للقدس في منظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس تحرير جريدة «العاصمة» وهي متخصصة بشؤون وقضايا القدس وتصدر وتوزع بالأراضي الفلسطينية المحتلة.
لم يكن ممكناً أن أفتح هذا الملف الشائك من دون أن أستمع إلى ما في جعبته من أسرار تخص التهويد و«الأسرلة»، وتحديداً مشروع «الحوض المقدس»، الذي تخطط له وتنفذه حالياً «إسرائيل».
بدأ العموري حديثه معلقاً على ما يدور من أحداث ومجريات وانتهاكات للمدينة المقدسة فقال: الجاري بالقدس بالظرف الراهن ما هو إلا سلسلة موجات من الغضب من قبل المقدسيين حيث إنهم يتصدون للمخططات الصهيونية الرامية إلى فرض السيطرة على القدس وإحالتها إلى أورشليم لتجسيد الحلم الصهيوني باعتبارها عاصمة الدولة العبرية، ومسألة الأقصى هي الحلقة الأخيرة في تنفيذ هذا المشروع، وبالتالي فإن ما تشهده القدس الآن ما هو إلا الصراع بكل أشكاله وجماهير الشعب الفلسطيني تدافع عن القدس والأقصى بكل الأساليب والوسائل الممكنة والمتاحة ومسألة الاقتحامات «الإسرائيلية» للأقصى هي جزء من المخطط الصهيوني والتي تشترك في تنفيذه مختلف الدوائر الإسرائيلية الرسمية وغير الرسمية من خلال سياسة الخطوة خطوة، بمعنى أن ثمة مخطط احتلالي كبير بهذا الشأن ولعل الاقتحامات الأخيرة لا تمثل سوى الجزء اليسير منه. وفيما يتعلق بآخر المستجدات فيما يتعلق بالاشتباكات على الأرض نستطيع أن نقول إنها مستمرة ومتواصلة وقد أصبحت جزء من المشهد المقدسي اليومي بمختلف الأحياء المقدسية وتكاد تكون يومية.
- قطعت حديثه متسائلة: هل لي أن أقترب من تفاصيل مشروع «الحوض المقدس» الذي أعرف أن لديك الكثير من تفاصيله، ما هو مخططه وإلى أي مدى قامت «إسرائيل» بتنفيذه على أرض الواقع؟
- بداية أقول لك إن ما يسمى ب«الحوض المقدس» يشمل البلدة القديمة للقدس، وتحديداً منطقة الأقصى وأجزاء من بعض الحارات بالإضافة إلى أحياء خارج أسوار البلدة العتيقة كسلوان وجبل الزيتون، ونستطيع القول إن سلطات الاحتلال مع الأسف قد حققت الكثير من التقدم على أرض الواقع بهذا المشروع من خلال الاستيلاء على الكثير من العقارات والبيوت بمختلف الأساليب وبالتزوير وبالقوة الاحتلالية، ومن خلال القيام بعملية التهجير الصامت للمقدسيين بالإضافة إلى العمل المستمر من الجهات الإسرائيلية الحكومية لتغيير معالم المنطقة خدمة لأهداف هذا المشروع مثل حفر الأنفاق وهدم المباني التي تحمل الطراز العربي ليحل بدلاً منها أخرى تحمل الطابع التلمودي اليهودي وهذا يظهر جلياً داخل أسوار البلدة القديمة وبمحاذاتها، وبناء الكنس (دور العبادة اليهودية) على أنقاض العقارات العربية، كذلك العمل على تكثيف التواجد الصهيوني البشري بالمنطقة المستهدفة للحوض المقدس.
- وماذا عن تهويد واجهة مدينة القدس وطمث هويتها العربية؟
هذا هو الأخطر بالفعل لأن المخطط الصهيوني «واجهة القدس» يهدف إلى تعزيز السيطرة اليهودية على القدس المحتلة وخاصة البلدة القديمة والمسجد الأقصى المبارك والأماكن والمقدسات الإسلامية المسيحية وتحويلها إلى مرجعية وإدارة صهيونية تتولى الإشراف عليها وعلى ما يسمى ب (الحوض المقدس) الذي يمتد من حائط البراق (الذي هو جزء من الحائط الغربي للمسجد الأقصى المبارك) وإلى باب الساهرة (أحد الأبواب الشمالية للبلدة القديمة)، وفي هذا السياق فإن هذا المشروع يعد من أخطر المشاريع التي أعدتها حكومات الاحتلال المتعاقبة لمستقبل مدينة القدس المحتلة، فهو يعمل على طمس وإلغاء المعالم والمقدسات الإسلامية والمسيحية ويستبدلها باليهودية ويقوم بإنشاء واستحداث الكنس والمزارات ويشق الحفريات والأنفاق ويبني المواقع الدينية اليهودية لصالح روايته بالمدينة، ويتضمن المخطط العديد من المشاريع الاستيطانية، التي تهدف إلى نزع السيطرة عن الأراضي والأوقاف الإسلامية والمسيحية وتحويلها إلى دائرة يجري استحداثها من قبل الحكومة الصهيونية والبلدية ولجنة تطوير البلدة القديمة ودائرة ما يسمى ب«أراضي «إسرائيل» » وحاخامات حائط البراق لإدارة ما يسمى ب«التراث والتاريخ اليهودي» بإشراك المسيحيين والمسلمين، بحسب المخطط، بما فيها المسجد الأقصى المبارك والكنائس والأراضي التابعة لها في منطقة الصوانة والجثمانية ومنطقة الطور وباب الأسباط والمقبرة الإسلامية وكذلك باب المغاربة وأراضي الأوقاف وساحة باب المغاربة ومنها إلى عين سلوان وحتى باب الساهرة في محيط أسوار المدينة المقدسة.
- إذاً ما نسمعه من وقت إلى آخر عن أنفاق يتم حفرها تحت الأقصى صحيح بل هو جزء من مشروع الحوض المقدس..؟
قاطعني قائلاً: بالطبع هذه الأنفاق جزء لا يتجزأ من المشروع الذي يشمل شق نفق أيضاً من باب الخليل وهو أحد الأبواب الغربية للبلدة القديمة إلى باب المغاربة جنوباً، وكذلك مد خطوط لقطار هوائي من باب الأسباط (شمالاً) إلى جبل الزيتون - الطور، وكذلك من حي الثوري إلى عين سلوان فيما يطلق الاحتلال عليه (مدينة داوود) بالتعاون مع الجمعية الاستيطانية «العاد» التي استولت على عشرات المنازل هناك، ويرى الصهاينة أنه «لابد من تركيز ونقل ضرورات الأمن والحراسة والسيطرة الأمنية في الموقع كله بما فيها السيطرة على «جبل الهيكل» (ويقصدون المسجد الأقصى المبارك) وباحة «حائط المبكى» (ويقصدون حائط البراق المحتل).

ويعمل هذا المشروع أيضاً على تطوير وفتح موقع «الحوض التاريخي المقدس» في القدس للزائرين المستوطنين واليهود من جميع دول العالم كمركز «للتجربة الشعورية اليهودية والقومية وموقع زيارة وسياحة وصلاة هو المركزي والأول» في الكيان الصهيوني، أي السماح لليهود بإقامة طقوسهم في المسجد الأقصى المبارك وساحاته وهذا يعني تسخير كل المباني والأراضي لخدمة المشروع «القومي الصهيوني» كمدينة يهودية صهيونية موروثة قديمة حسب ادعائهم.
صمت يونس العمري مدة ليست بطويلة فآثرت الصمت ثم عاد مستكملاً تفاصيل المشروع الصهيوني تكمن الخطورة أيضاً في إقامة عدد من المشاريع الصغيرة في معظم جوانب «الحوض المقدس» بهدف تردد المستوطنين واليهود من جميع دول العالم عليها، بحيث يجري نشر الرؤية والتصور الصهيوني العنصري المشوه لتاريخ ومكانة وحضارة القدس العربية الإسلامية وفق الرؤية الصهيونية التي تغيب الوجود العربي والإسلامي والمسيحي، مثل عمل مراكز بحث ودور عرض أفلام ثلاثية الأبعاد وتنظيم حلقات وصفوف دراسية جامعية بالتنسيق مع كبرى الجامعات في العالم والجامعات الصهيونية لتدريس وعرض الرؤية الصهيونية لتاريخ وحضارة القدس وفلسطين بما يعزز الخطاب الصهيوني ويطمس ذلك البعد العربي والإسلامي للمدينة المقدسة.