ماكس بلومنتال*
في نقاش انتخابي عام 1988، تفاخر السياسي «الإسرائيلي» إسحاق رابين بإنجازاته قائلاً إنه وزير الدفاع الذي سَنَّ سياسة «تكسير العظام» لإخماد الانتفاضة الفلسطينية الأولى.
وصرَّح قائلاً، ضِمن عاصفة من التصفيق من قِبَل جمهور مستمعيه: «ويعرفون أيضاً، أن 260 فلسطينياً قد قُتِلوا في الشهرين الماضيين». وتباهى قائلاً إن «7 آلاف قد جُرحوا، و18 ألفاً اعتُقِلوا».
وتابَع يقول مزهُوّاً: «هنالك الآن 5600 في السجن. فهل هذه أرقام تافهة؟ هل هذه أرقام تافهة؟».
تتبادر هذه التصريحات إلى الذهن، إذ يصادف الأسبوع الحالي الذكرى العشرين لاغتيال إسحاق رابين على يدِ متعصِّب يميني «إسرائيلي»، سعى إلى إفشال المفاوضات «الإسرائيلية» مع الفلسطينيين. وكانت الأيام الماضية مناسبة لاسترجاع بعض الذكريات، من قِبل الرئيس الأمريكي الأسبق، بيل كلنتون، وبعض الأفراد من «معسكر السلام» «الإسرائيلي» المهجور، الذين كانوا مؤيّدين لحلّ الدولتين.
وكان رابين، بمحاولاته التوصل إلى اتفاقات أوسلو، برعاية الولايات المتحدة، قد أصبح رمزاً للصهيونية الليبرالية. أمّا بالنسبة إلى الفلسطينيين، فقد كان أيَّ شيء، باستثناء رجل سلام. وفي واقع الأمر، لم يكن في يوم من الأيام، مؤيداً لحلٍّ نزيه قائم على وجود دولتين.
وقد حذّر أثناء حملته الانتخابية عام 1992، من أن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تقوم إلاّ على أنقاض «إسرائيل». وكان في حقيقة الأمر معارضاً لإنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة، ويفضّل بدلاً منها شكلاً من أشكال الحكم الذاتي المحدود في المراكز السكانية على غرار البانتوستانات، تحت إشراف قوات الأمن المستبدة التي تقوم بتنسيق القمع مع الجيش «الإسرائيلي».
وقال رابين موضحاً في خطابه الأخير أمام الكنيست، «نودّ أن يكون هذا الكيان أقلّ من دولة». وتعهَّد بالحفاظ على «القدس موحدة»، وبعدم التخلي عن السيطرة على المناطق الشرقية المحتلة في المدينة لإقامة عاصمة فلسطينية.
ولم يكن هدف رابين، وهدف مَن جاءوا بعده، التعايش مع الفلسطينيين، بل شكلاً من أشكال الفصل الشديد الذي يحرس الطابع اليهودي حصراً «لإسرائيلِ». وكان تعهّد حملة رابين الانتخابية عام 1992 بأن «يُبقي غزة خارج «تل أبيب» - لمحاصرة قطاع غزة وعزله بصورة أساسية - هو الذي ساعده في ضمان الحصول على منصب رئاسة الوزراء. وقد صرّح رابين بعد شهور قائلاً «أتمنى أن أرى غزة تغرق في البحر».
واليوم ربما تكون حقبة عملية السلام قد خمدت، ولكن العديد من طموحات رابين الاستراتيجية المركزية قد تحقق. وبفضل حصار غزة، وبناء جدار أسمنتي هائل يفصل الضفة الغربية المحتلة عن القدس، أصبح تصوّره للفصل الشديد واقعاً ملموساً. فالسلطة الفلسطينية وحماس، تمارسان الحكم في المركزيْن السكانيين الرئيسيّين، وتتبنيان شكلاً من أشكال الحكم الذاتي المحدود تحت الاحتلال «الإسرائيلي». ومع تدهور ظروف الحياة الأساسية في غزة إلى مستويات كارثية، فإن بعض السكان الأشدَّ يأساً، في القطاع الساحلي المعزول، يغرقون في البحر بالمعنى الحرفي.
والآن، بعد أن وَقعت «إسرائيل» تحت سيطرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وهو المنافس اللدود لرابين، والذي تعهّد بأن يعيش بحدِّ السيف في صدام حضارات لا ينتهي، ينزلق الصهاينة الليبراليون في هوّة اليأس. ومحنتهم لا تنبع فقط ممّا يتوهّمون أنه كان سيحدث لو ظلّ رابين على قيْد الحياة، بل مِن خسارتهم أيضاً للسلطة التي آلت إلى جيلِ ما بعدَ أوسلو، من القوميين الدينيين اليمينيين.
وفي هذه الأثناء، بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين يعيشون تحت الاحتلال، كلما ازدادت الأمور تغيّراً، كلما ازداد بقاؤهم على حالهم. فمنذ أواسط سبتمبر/ أيلول، اعتقلت القوات «الإسرائيلية»، ما لا يقلّ عن 1553 فلسطينيّاً، لقيامهم بالتظاهر ضدَّ الاحتلال، ووجّهت تُهماً إلى 437. ومنذ الأول من أكتوبر/ تشرين الأول، استُشهِد 73 فلسطينيّاً برصاص الجنود «الإسرائيليين»، وكان من بينهم 12 طفلاً، ورضيعان وامرأة حامل.
*مؤلف وصحفي ومدوِّن أمريكي