أدخل اتفاق الطائف عام 1989 تعديلات جوهرية على صلاحيات المؤسسات الرئاسية في لبنان، أبرزها ما نالته سلطة مجلس الوزراء، حيث جاء في مقدمة الدستور وفي المادة 17 المعدّلة ما يلي: تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء وهو يتولاها وفقاً لأحكام هذا الدستور. أما في المادة 18 المعدّلة فجاء التالي: لمجلس النواب ومجلس الوزراء حق اقتراح القوانين ولا ينشر قانون ما لم يقره مجلس النواب.
كما جاءت المادة 62 من الدستور لتقول: «في حال خلو سدة الرئاسة لأي علة كانت، تناط صلاحيات رئيس الجمهورية بوكالة مجلس الوزراء».
بمعنى آخر، تنتقل صلاحية الرئيس وكالة ولحين انتخاب رئيس إلى مجلس الوزراء يحّل مجلس الوزراء محل الرئيس وتصبح صلاحيات الرئيس من صلاحيات مجلس الوزراء.
واعتبرت المصادر السياسية أن النقاش الدائر حول حالة الشغور هو نقاش أو اجتهاد سياسي محوره الدستور. فبوجود النص الدستوري لا مجال للتأويل أو التفسير أو الاجتهاد، إنما القوى السياسية تحاول تجيير النص الدستوري وفقاً لمصالحها السياسية، مما يحول دون تطبيق الدستور تطبيقاً صحيحاً فيكون النقص في الممارسة السياسية وليس في الدستور ومواده.

حكومة تمام سلام

كانت هذه الإشكاليات في صلب تفكير رئيس الحكومة تمام سلام عندما تولاها. وكان يبدو من الأسهل على الحكومة ضمان توافق الحد الأدنى على إنجاح عمل مجلس الوزراء منه التوصل إلى آلية جديدة لإدارته، بعدما أضحت الآلية الحالية أقرب إلى عرف وقاعدة يصعب التخلي عنها، وقد اقترنت ببصمة الفيتو.
تولى الرئيس تمام سلام مهام رئاسة الوزراء بعد أزمة حكومية نشأت إثر انتهاء مدة رئيس الجمهورية ميشال سليمان. ولم يأت التكليف سريعاً، بل استغرق زمناً طال بسبب الصراع السياسي الدائر بين قوى 14 و8 آذار الذي عرقل التكليف.
وقد واجهت حكومة سلام مشكلة الشغور الرئاسي التي عطلّت، عملياً، عمل الوزارة والتزامها بتسيير الأعمال إلى حين بروز أزمة النفايات ومشاريع التمويل المقترحة من المصارف الدولية وقضية الرواتب التي قضت بانعقاد مجلس النواب لتشريع مقتضيات الضرورة.
إثر توليه الوزارة، برز جدل سياسي حول انتقال صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء وآلية عمل المجلس في ظل شغور موقع الرئاسة. هذا الجدل لا يشغل القوى السياسية المشاركة في الحكومة ومحاولة كل فريق جذب الكرة إلى ملعبه واستخدام ذلك في المشهد السياسي العام أمام شعبيته، واعتبار هذا أو ذاك من القوى حقق مصالح فئته أو انتزع من الفريق الآخر صلاحيات يحاول الآخرين من وجهة نظره انتزاعها من طائفته إلى طائفة أخرى».

اجتهاد 1995

في اجتماعهما في عين التينة، تداول رئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة تمام سلام الأفكار التي حملها سلام لآلية جديدة مقترحة لإدارة جلسات مجلس الوزراء، في ظل استمرار الشغور الرئاسي. في حصيلة هذا التشاور تفاهما على ضرورة العودة إلى أحكام المادة 65 عند التصويت على القرارات ومشاريع القوانين.
لم يُوح رئيس الحكومة بمشكلة بإزاء إصرار الوزراء ال24 على توقيع مراسيم القرارات تلك لإصدارها، إلا أنه اقترح تضامناً مع الشعور المسيحي بتعذر انتخاب رئيس، التصويت على المواضيع الأساسية الواردة في المادة 65 بالثلثين +1.
من دون أن يتحمس لنصاب كهذا، رد بري بتحبيذه اعتماد الثلثين على نحو ما تتناوله المادة 65 ما دام الدستور نصّ عليه وألزمه. وأبلغ إلى محاوره أنه لن يعرقل هذا النصاب غير المسبوق عند التصويت به في مجلس الوزراء، وسيوعز إلى وزيريه التحفظ عنه فقط من دون معارضته.
تفهّم وجهة نظر سلام، إلا أنه لا سابقة لهذا النصاب في دستور يتحدث عن أنواع ثلاثة من النصاب القانوني في مجلسي النواب والوزراء: الأكثرية النسبية، الأكثرية المطلقة، الثلثان، ثلاثة أرباع مجلس النواب.
قالت وجهة نظر سلام إن لتصويت الثلثين +1 دلالة في حكومة ثلاث ثمانات، ويعني أنه يجتذب ثلثيها ويخرق الثلث الثالث وإن بصوت واحد حتى، فلا يبقى أي مكوّن رئيسي من كتل الحكومة خارج التصويت، ما يوفر أوسع شبه إجماع ممكن على التصويت.
لم يمِل رئيس المجلس كثيراً إلى رغبة رئيس الحكومة، منذ اليوم الأول لتوليها صلاحيات رئيس الجمهورية، في اعتماد التوافق على القرارات للحجة إياها، وكان توقع سلفاً ارتطام التوافق بتعطيل أعمال مجلس الوزراء.
بري تفهّم موقف سلام من الثلثين +1: تحفظ بلا اعتراض.
لم يكن اجتماع الرئيسين سوى حلقة في سلسلة من المشاورات بدأت ولم تنته. كمنت المشكلة في دمج مادة التصويت في مجلس الوزراء بمادة التوقيع والإصدار اللاحقين عند انتقال مجلس الوزراء إلى هيئة رئيس الجمهورية، وقد باتت صلاحياته في عهدته. بعدما سلّم الوزراء ال24 بتوقيعهم جميعاً بلا استثناء المراسيم توطئة لإصدارها، ما دامت صلاحيات الرئيس انتقلت إليهم، وضعوا العصي في مرحلة مبكرة من الآلية تلك، وهي التمسك بالتوافق على القرارات ومشاريع القوانين. من دونه لا توقيع ولا إصدار. باتت المادة 65 تتنكب أكثر من قدرتها على الاحتمال بحصر التصويت بالتوافق فحسب، رغم تراجع سلام عنه. بات من غير المنتظر أيضاً توقيع القرارات وإصدارها بحسب المادة 56 ما لم تعبر هذه بسلام المادة 65. عندئذ هوى الجميع في المأزق تحت وطأة اجتهادات واجتهادات مقابلة، راح يتبادلها وزراء وسياسيو الأفرقاء في معزل عن أي اختصاص أو مسؤولية، بغية اكتساب موقف يعزز وجهة نظر هذا أو ذاك، على أن يترك بصمة الفيتو بين يديه.

حكومات الحرب المعطلة

بعد تعذر التأليف تم تكليف الرئيس رشيد الصلح تأليف الحكومة التي حملت الرقم 48 في أكتوبر/تشرين الأول 1974، لتستمر إلى 15 أيار 1975، وشهدت هذه الوزارة اندلاع أعمال العنف وبدء الحرب في لبنان مع حادثة عين الرمانة الشهيرة وما أعقبها من قتال بين المناطق مع بدء انهيار السلطة المركزية وكل مؤسسات الدولة، والحكومة لا تستطيع شيئاً بوزرائها ولا بقواها الأمنية والعسكرية. وبعد شهر على بدء الأحداث اعتلى رئيس الحكومة رشيد الصلح منبر مجلس النواب مقدماً استقالة حكومته ومتهماً حزب الكتائب، بالبدء بالقتال، ولا تزال صورة النائب أمين الجميل ممسكاً بالرئيس رشيد الصلح لمطالبته بالعودة إلى مقعده لسماع رد الكتائب ماثلة في الأذهان. ليل 23 مايو/أيار 1975 أعلن القصر الجمهوري قبول استقالة الصلح وتأليف حكومة عسكرية برئاسة العميد المتقاعد نور الدين الرفاعي وعضوية سبعة عسكريين ومدني واحد، وكانت أول حكومة عسكرية في تاريخ لبنان لفرض النظام والأمن. لكن اللبنانيين انقسموا حولها بين مؤيد ومعارض ومرحّب وعقدت الأحزاب والقوى الوطنية والتقدمية اجتماعاً وخلصت إلى مطالبة الحكومة الجديدة بالاستقالة، وهذا ما حصل، ليتم تكليف الرئيس رشيد كرامي تأليف حكومة جديدة عملت على محاولة ضبط الوضع الأمني فقط ووقف إطلاق النار وحاول كرامي القيام بخطوة لفرض ضغوط على كل الأطراف، فاعتصم في السرايا وهدد بالاستقالة، وما أن هدأت الأمور قليلاً حتى عادت إلى التوتر. ورغم المساعي لإنزال الجيش وإعلان حالة الطوارئ، استمر التوتر ومعه تعطيل البلاد ودمارها.

حكومات برعاية سورية

أدى دخول القوات السورية لبنان منذ عام 1976 إلى إمساكها بجزء كبير من القرار اللبناني في تشكيل الحكومات، وإذا كان التأثير السوري محدوداً مع الرئيس إلياس سركيس وخلفه الرئيس أمين الجميل، إلا أنه كان يتزايد وترتفع وتيرته مع تآكل سلطات الدولة اللبنانية وانحسار قدرتها على الإمساك بالقرار، وخصوصاً على مستوى تشكيل الحكومات المتعاقبة منذ العام 1976. وتعاقب على رئاسة الحكومة منذ عام 1976 كل من الرئيس سليم الحص والرئيس رشيد كرامي الذي قدم استقالته في 4 مايو/أيار 1987 ليسقط شهيداً في أول يونيو/حزيران 1987 ويعيّن سليم الحص رئيساً للحكومة بالوكالة. وكان يفترض أن يؤدي اللقاء بين الحص والرئيس كميل شمعون، قطب «الجبهة اللبنانية» وأحد وزراء الحكومة، إلى إعادة تفعيل العمل الحكومي، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث وقدم الحص استقالته لاحقاً إلى الرئيس أمين الجميل ليعود عنها في 2 سبتمبر/أيلول 1988، الأمر الذي رفضه الجميل.
عين الجميل في 22 سبتمبر/أيلول 1988 قائد الجيش ميشال عون رئيساً للحكومة الانتقالية، الأمر الذي رد عليه الحص بالرفض معلناً استمرار حكومته في مهماتها، وكان سجال دستوري وقانوني أدى لاحقاً إلى ما يشبه المراسيم الجوالة بين الحكومتين، في ظل الشلل الناجم عن الأوضاع الأمنية المضطربة التي كانت البلاد غارقة فيها، إضافة إلى الازدواجية في عمل مؤسسات الدولة وخصوصاً في الجبايات والأموال الحكومية التي كانت أيضاً موضوع سجال عنيف واتهامات بالسرقة. وحسمت حكومة الرئيس سليم الحص، وهي الأولى في عهد الرئيس إلياس الهراوي، الأمر في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1990 من خلال الاجتياح السوري للمناطق الشرقية ولجوء العماد عون إلى السفارة الفرنسية لتبدأ مرحلة جديدة.

حكومات الطائف

شهدت حكومات الطائف الكثير من الاعتكافات وعمليات التعطيل المضبوطة الإيقاع وفق الحسابات والمصالح السورية في لبنان والمنطقة. وشهدت حكومة الرئيس عمر كرامي والتي نالت الثقة ب76 صوتاً استقالة الوزير سمير جعجع، ومن ثم الوزير سليمان فرنجية احتجاجاً على تقديم الوزير مروان حمادة استقالته، وتعليق الوزير وليد جنبلاط مشاركته في الحكومة بعد عودة الجيش إلى الشوف. لكن الأبرز في مسلسل التعطيل كان ما شهده لبنان من أحداث اصطلح على تسميتها ب 6 مايو/أيار 1992، وأدت إلى استقالة كرامي وحكومته تحت وطأة الاعتصامات والتظاهرات المعدة سلفاً تحت شعار المطالب العمالية والاجتماعية، وتلاه في رئاسة الحكومة الرئيس رفيق الحريري الذي اعتكف عدة مرات متهماً معارضيه بمنعه من أداء مهماته أو عرقلة العمل الحكومي، لكن رفيق الحريري كان يعود كل مرة عن استقالته «إثر زيارة خاطفة للعاصمة السورية»، على ما كتب مؤرخو تلك الحقبة. استمرت الأمور على وتيرة الإيقاع السوري خلال عهد الرئيس إميل لحود، الذي وإن كان قد تمكن بفضل قوة شخصيته والدعم السوري من فرض توازن بين موقع رئاسة الجمهورية والرئاسات الأخرى، إلا أنه كان يحتاج بشدة إلى التدخل السوري لمواجهة حالات الاعتكاف، وخصوصاً من الرئيس الحريري الذي يقال إنه اعتبر أن رئاسة الجمهورية تتجاوز ما هو منصوص عليه في اتفاق الطائف.
المفارقة أن الأزمات الحكومية في زمن الحقبة السورية كانت تنتهي خلال مدة قصيرة، وكما بدأت، من دون أن تتضح حدود المصالح الشخصية والعامة في مسلسلات التعطيل الحكومي والاعتكاف هذه. في حين أن مسلسلات التعطيل في حكومات ما بعد زوال الوصاية تؤشر لعمق الأزمة بين الأطراف المتصارعين وعدم اكتراث القائمين بها بمصالح الناس وحاجاتهم الحياتية، رغم إدراكهم لتراكم البنود وعرقلة العمل الإداري والمؤسساتي.
يبقى القول إن حكومة الرئيس سلام التي تشكلت في ظروف مستعصية ولكن في مدة وزمن قياسيين بالنظر لعقد الاستعصاء، عانت مسألة عدم ديمومة انعقاد جلساتها ومسارها المتعثر، ما لم تعانه حكومات أخرى عرفها لبنان، وهي واجهت جملة من الأزمات فتحت بوجهها لو أن حكومة أخرى واجهتها لاستقالت فوراً. غير أن الاستقالة ممنوعة على سلام. فالوضع السياسي الراهن بتشكيلاته المتباينة وتناقضاته يفرض عليها وعلى البلاد وضعاً استثنائياً، فاللاجئين السوريين الذين وفدوا بكثرة إلينا، وهبوب أزمة النفايات، والمصائب الاقتصادية، كلها أسهمت بتنشيط الحراك المدني، كما أدت إلى شبه استحالة في إنجاز قانون انتخابي بالتعاون مع برلمان لا يعمل وإن عمل فبدون نتيجة.
كما أن الحوار السياسي بين الأقطاب في جلساته المتعددة، لم يصل إلى نتيجة ملحوظة يمكن أن تنتج بذاراً أو ما يشبه زبدة محصول يقي البلاد من فتن تعصف بالمنطقة. مع ذلك يستمر سلام في معاناته ولبنان معه ينتظر الفرج.