** قال الدكتور أحمد دراج أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، إن هناك نوعين من التقارب حدثا الفترة الأخيرة على الساحة الدولية، أولهما التقارب المصري - الروسي، حيث بدأت العلاقات المصرية مع موسكو في التحسن الشهور الماضية، وساعد في ذلك تشابه نظام الحكم في البلدين، إضافة إلى تراجع العلاقات المصرية - الأمريكية التي جعلت النظام المصري يبحث عن البديل ليعيد توازن علاقاته الدولية من الدول الكبرى.
وأضاف دراج: إن التقارب الثاني هو التقارب الروسي - الخليجي، الذي بدأ مع تفاقم الأزمة السورية، حيث رأت دول الخليج ضرورة حل الأزمة السورية في أقرب وقت، لأن استمرارها سيؤثر، من دون شك، في أمن المنطقة العربية كلها، وليس في الأراضي السورية فقط.
وتابع: أدى التقارب المصري مع دول الخليج - بخاصة مع دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية- إلى الاتفاق على ضرورة وضع استراتيجية موحدة للتعامل مع الأزمة السورية وضرورة توحيد الموقف تجاه روسيا التي تدخلت بشكل مباشر في الأزمة، بعد محاولة أمريكا منعها من ذلك.
وأكد دراج، أن دول الخليج ومصر تمتلك إمكانات كبرى- لم يتم استغلالها في الماضي - يمكنها إحداث حالة من التوازن في العلاقات الدولية مع الدول الكبرى المتقدمة مثل أمريكا وروسيا، ولا بد أن تستغل الدول العربية ذلك في الحد من الخطر الإيراني على منطقة الشرق الأوسط.
وشدد على أن الدول العربية إذا توحدت تستطيع بمفردها صد أي خطر سواء، كان إيرانياً أو غيره، لأن تلك الدول تمتلك إمكانات وقدرات ليست موجودة في أي دولة أخرى في العالم، مطالباً بوضع رؤية عربية موحدة تجاه العلاقات مع إيران.
تقارب واضح
** وقال الدكتور سعيد اللاوندي، أستاذ العلاقات الدولية في مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: إن التقارب المصري- الروسي ظهر بشكل واضح في الفترة القريبة الماضية، لاسيما بعد زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي لموسكو، التي انتهت بإسناد إنشاء محطة نووية سلمية بالضبعة للجانب الروسي، موضحا أن هذا التقارب جاء بعد توتر العلاقات بين مصر وواشنطن بعد صعود الرئيس السيسي إلى السلطة في القاهرة، وصاحب ذلك عدم وجود موقف أمريكي داعم للسيسي.
وأضاف اللاوندي: صاحب التقارب المصري مع موسكو تقارب خليجي أيضاً، كان الهدف منه إعادة توازن العلاقات مع أمريكا التي تنظر للعرب نظرة دونية باعتبارها قوة كبرى في العالم، وأن الدول العربية يجب أن تكون تابعة لها، وهو ما رفضته بشدة دول الخليج في الفترة الأخير، مؤكداً أن هذا التقارب قد يقلل من الخطر الإيراني في المنطقة العربية.
وشدد على أن الخطر «الإسرائيلي»- الأمريكي هو الخطر الأكبر والحقيقي الذي يهدد أمن واستقرار المنطقة العربية في الوقت الحالي، مشيرا إلى أن أمريكا هي من افتعلت الخلافات بين إيران ودول الخليج.
رؤية مشتركة
** وقال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية بالقاهرة: إن الفترة الأخيرة بعد سقوط نظام جماعة الإخوان شهدت تطوراً ملحوظاً في العلاقات المصرية مع دول الخليج، بخاصة الإمارات والسعودية، وظهر ذلك بشكل واضح من خلال حزمة المساعدات المادية التي قدمتها دول الخليج لمصر لمساندتها بعد رحيل الإخوان، وكل ذلك جعل هناك رؤية مشتركة بين تلك الدول التي بدأت تسعى نحو إقامة علاقات قوية مع دول كبرى مثل روسيا، بهدف بناء شراكة استراتيجية جديدة وإعادة توازن العلاقات الدولية.
وأوضح فهمي، أن التقارب المصري- الخليجي- الروسي رسالة واضحة إلى الأطراف الدولية الكبرى، بخاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وتركيا، مؤكداً أن هذا التقارب سيكون له تأثير كبير في إعادة توازن العلاقات الدولية والحد من الخطر الإيراني على المنطقة العربية، قائلاً: «مصر والدول الخليجية قادرة على إحداث حالة من التوازن في العلاقات الدولية قد تعيد توزيع خريطة الدول الكبرى في العالم».
وأشار إلى أن أهم تعاون منتظر بين مصر وروسيا هو مساعدة موسكو لإكساب مصر عضوية منظمة «بريكس»، التي تجمع كلاً من الصين وروسيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا، وهذا سيغير في شكل النظام العالمي، نظراً لقوة الدول المنظمة اقتصادياً وسياسياً، وكذلك بدء العمل فعلياً لبنك مجموعة «بريكس» بمدينة شنغهاي الصينية، سيغير وجهة مصر من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى «بنك بريكس».
مخاوف أمريكية
** وقال الدكتور حسن نافعة، أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة: إن توطيد العلاقات المصرية- الروسية يثير المخاوف لدى الولايات المتحدة الأمريكية من تغيير السياسة الخارجية المصرية، التي ظلت تابعة لفترات من الزمن للسياسة الأمريكية، خاصة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، وربما لا تكون هناك مخاوف من شأن توطيد العلاقات بالمعنى المتعمق، لأن أمريكا تعلم جيداً أن روسيا لم تعد الاتحاد السوفييتي قبل انهياره في عام 1990 وبالتالي من حق كل دولة أن تنفتح على كل دول العالم.
ولفت نافعة ل «الخليج»، إلى أن الولايات المتحدة تخشى من احتمال تغيير موقف مصر في السياسة الخارجية أو تغيير السياسة الخارجية المصرية، لأن سياسة مصر في زمن مبارك كانت تابعة تبعية مطلقة لواشنطن، مضيفاً أن هناك تحالفاً استراتيجياً، وبالتالي هناك خشية لدى أمريكا من أن تحاول مصر، مثلما حاولت في عهد عبد الناصر، أن ترسم سياسة خارجية أساسها الاستقلال الوطني والتحرك بعيداً عن أي تكتلات أو تحالفات خارجية، وهذا سيتطلب منها الانفتاح على كل دول العالم ومن بينها روسيا.
وأوضح نافعة أن المخاوف ليست من وجود تقارب مصري- روسي- خليجي وإنما من وجود سياسة خارجية عربية مناهضة للسياسة الأمريكية في المنطقة، مضيفاً أن تحالف دول الخليج مع روسيا ومصر سيلعب دوراً مهماً في إعادة توازن علاقة أمريكا بالوطن العربي، وفي تحجيم الخطر الإيراني على المنطقة العربية كلها، لكن لن يحدث ذلك إلا إذا كانت هناك استراتيجية موحدة بين مصر ودول الخليج ورؤية مشتركة حول شكل العلاقة مع أمريكا وروسيا وأيضاً إيران.
تحجيم إيران
** وقال الدكتور أحمد عبد ربه، أستاذ العلوم السياسية جامعة القاهرة: إن العلاقات المصرية- الخليجية- الروسية ستلعب دوراً مهماً خلال الفترة المقبلة في تحجيم الدور الإيراني في المنطقة العربية، وتحجيم مدى التدخل الأمريكي في الشأن العربي، وإحداث تغيير ملحوظ في العلاقات العربية مع الولايات المتحدة بعد التقارب في وجهات النظر بين تلك الدول والجانب الروسي.
ونوه عبد ربه بأن التخوف الأمريكي من توطيد العلاقات المصرية- الروسية يكمن في أن مصر ستصبح أكثر استقلالية في سياساتها الخارجية، وستصبح أقل اعتماداً على الولايات المتحدة الأمريكية، وستصبح أكثر مرونة ولم تعد تابعة للسياسة الأمريكية، فسيكون لمصر مجال للحركة بما يحقق المصلحة المصرية.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة من مصلحتها أن تظل مصر كما هي طوال عقود سابقة تابعة تبعية شبه مطلقة للسياسة الأمريكية وتتطابق معها في مواقفها السياسية، أما ما يحدث الآن، وفي إطار سياسة التوجه نحو الشرق، يؤدي إلى أن تكون هناك مزيد من المرونة في السياسة الخارجية المصرية.
تحول جذري
** وأكد الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن هناك تخوفاً لدى الولايات المتحدة من وجود أي توسعات للعلاقات المصرية - الخليجية مع روسيا بشكل أو بآخر، لأن ذلك سيكون على حساب العلاقات الأمريكية - العربية.
وأكد كامل، أنه لن يكون هناك تحول جذري كبير في مسار العلاقات الأمريكية- المصرية- الخليجية، لكن لا يوجد شك في أن التوسع مع روسيا سيكون جزء منه مرتبطاً بإعادة توجيه السياسة العربية في الوطن العربي، وسينعكس بشكل أو بآخر على زيادة الدور الروسي في المنطقة العربية.
وأشار كامل إلى أن التقارب بين مصر وروسيا جاء بعد التوتر الذي حدث بين القاهرة وواشنطن في الأشهر التالية لسقوط نظام جماعة الإخوان، وتحديداً عقب الانتقاد العلني الذي وجهته أمريكا للنظام المصري بعد أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، واستخدام قوات الأمن القوة تجاه المعارضين من أنصار الإخوان، وتبع ذلك قرار الإدارة الأمريكية تعليق جزء من المساعدات العسكرية إلى مصر، في وقت كانت تحتاج فيه القاهرة لتلك المساعدات لصد موجة العمليات الإرهابية في سيناء وفرض القانون والنظام بالدولة.
وأضاف كامل: إن روسيا جادة في إقامة علاقات شراكة مع مصر ودول الخليج، لأنها تعلم جيداً أن تلك الدول تمتلك إمكانات كبيرة سواء المتعلقة بالاقتصاد والبترول أو غير ذلك، ما يجعلها قادرة على صناعة القرار واتخاذه في المنطقة العربية، مشيرا إلى أن زيادة التقارب بين الجانب الروسي والمصري الخليجي سيساهم بشكل مباشر، أو غير مباشر في تقليل الخطر الإيراني على منطقة الخليج بشكل خاص، والمنطقة العربية بشكل عام.
وقال، إن التقارب مع الجانب الروسي قد يؤدي إلى الوصول لحل للأزمة السورية، خاصة أن مصر تصر على ضرورة التوصل إلى حل سياسي في سوريا، والجلوس حول مائدة الحوار، رغم أن روسيا تصر على أنه لا مجال للحل السياسي للأزمة السورية قبل هزيمة الإرهاب.
ورقة ضغط قوية
** أما الدكتور جمال زهران، أستاذ العلوم السياسية بجامعة السويس فيقول: إن التقارب الخليجي مع روسيا هدفه إعادة توازن علاقة العرب مع أمريكا، وبحث كيفية توظيف موسكو لدعم موقف الخليج ضد إيران من ناحية، والبحث عن حل سياسي للأزمة السورية، بعد أن اتضح أن روسيا لديها إصرار على أن تلعب دوراً في منطقة الشرق الأوسط.
وأضاف زهران أنه إذا توحد العرب، بخاصة مصر ودول الخليج، يمكنهم أن يكونوا ورقة ضغط قوية لا يمكن الاستهانة بها دولياً، مضيفاً أن الاضطراب الذي يحدث في الوطن العربي، بخاصة في اليمن وسوريا والعراق، يعطي الفرصة لبعض الدول مثل أمريكا وإيران للتدخل في الشأن العربي ومحاولة فرض السيطرة على المنطقة العربية، ولكن إذا كان هناك موقف عربي موحد تجاه تلك الأحداث لن يكون هناك أي تدخل من جانب أي قوى دولية.
ولفت زهران، إلى أن التقارب الخليجي - المصري مع روسيا يمكنه أن يحد من الدور الإيراني في المنطقة العربية بشكل فعال، لا سيما أن روسيا قد تشكل ضغوطاً على إيران وتجعلها تتراجع عن بعض مواقفها المتعلقة بالمنطقة العربية.