عادي
بلا ضفاف

سيزيف

03:10 صباحا
قراءة 3 دقائق
غيث خوري

تعتبر الحضارة اليونانية القديمة، أكثر الحضارات القديمة التي سادت فيها الأساطير، هذه الأساطير التي أخذت شهرة واسعة وأصبحت بمثابة العِبر التي يمكن للإنسان أن يستخلص منها معنى الحياة، ومن أشهر هذه الأساطير، أسطورة «سيزيف» أو «سيسوفوس»، وهو ابن أيولوس إله الرياح وكان ملكاً على سيلينا اشتغل بالتجارة والإبحار، وعُرف عنه أنه كان محارباً بارعاً وماهراً وتميز بالمكر والدهاء. لكنه كان مخادعاً وجشعاً، كان ثريًا جدا ويتلاعب بالجميع، وقد صوره هوميروس ومن تلاه من الكُتاب بأنه أمكر وأخبث البشر على وجه الأرض قاطبة. وكان زيوس كبير الآلهة عند اليونان يحبه ويحكي له أسراره ومغامراته، وذات يوم أراد سيزيف أن يزيح زيوس من على عرشه، فأفشى بأسرار زيوس، حيث ذهب إلى إله النهر وقال له إن ابنتك إيجينا على علاقة غير مشروعة مع الإله زيوس.
عندما علم زيوس بما فعله سيزيف قرر أن يعاقبه بإرساله إلى الجحيم ليموت هناك. ولكن سيزيف استطاع أن يخدع إله الموت ثاناتوس حين طلب منه أن يجرب الأصفاد والأقفال، ليختبر مدى كفاءتها. وحين جربها إله الموت قام سيزيف بتكبيله.
أحدث ذلك تمرداً وانقلاباً وثورةً وهياجاً، فانزعجت الآلهة، لذلك تدخلوا وفكوا أسر ثاناتوس وأرسلوا سيزيف إلى الجحيم.
استطاع سيزيف الهرب ثانية من الجحيم، مما أغضب كبير الآلهة زيوس، فأصدر عليه حكما بأن يعيش حياة أبدية، يمارس فيها مهمة شاقة، وهي أن يحمل صخرة عملاقة من أسفل الجبل إلى قمته، فإذا وصل القمة تدحرجت إلى الوادي، وتسقط إلى أسفل عند سفح الجبل فيعود مرة أخرى لدحرجتها إلى قمة الجبل وما إن يصل إلى قمته حتى تنحدر مرة أخرى للأسفل. ويظل هكذا إلى الأبد، حتى أصبح سيزيف رمزاً للعذاب الأبدي.
نشر الفيلسوف الفرنسي ألبير كامو عام 1942 مقالاً فلسفياً وجودياً أسماه «أسطورة سيزيف»، تحدث فيه عن عبثية الحياة، حيث رأى كامو أن حياتنا تشبه حياة سيزيف، نستطيع أن نراها أنها غير مجدية ولا معنى لها. ما معنى أن يقوم سيزيف بنفس المهمة كل يوم ولا يصل إلى نتيجة؟، ما معنى أن نحيا في هذه الدنيا؟، ما جدوى وجودنا في عالم محكوم بالزوال؟
يقول كامو في هذا المقال: «إن ما يهمني من سيزيف تحديدًا هو هذه الوقفة وتلك العودة، هو ذلك الوجه القريب من الصخور والمتألم ليصبح هو نفسه كالصخرة، فأتخيل ذلك الإنسان وهو يعاود النزول بخطى ثابتة ومثقلة نحو ذلك العذاب الذي لا نهاية له. لأن هذه الساعة التي تشبه المتنفَس، والتي تعود بالتأكيد مع عودة العذاب، هي ساعة الإدراك. لأن كلَّ لحظة من تلك اللحظات التي يغادر فيها القمم ويتجه هابطًا نحو عرين الآلهة، تجعله أسمى من مصيره، وأقوى من صخرته».
إن الوقوف عند هذه الأسطورة في الشعر العربي المعاصر، يُبرز مدى اهتمام الشعراء المعاصرين على اختلاف توجهاتهم وأفكارهم، بهذه الأسطورة، التي ترمز إلى مجانية العمل الإنساني وضياع الجهد.
في قصيدته «رسالة من مقبرة» يستعين بدر شاكر السياب برمز سيزيف ليحكي عن طلاب الحرية الثائرين ودربهم المملوءة بالألم، فيقول: وعند بابي يصرخ الأشقياء/‏ أعصر لنا من مقلتيك الضياء/‏ فإننا مظلمون/‏ وعند بابي يصرخ المخبرون/‏ وعر هو المرقى إلى الجلجلة/‏ والصخر يا سيزيف ما أثقله/‏ سيزيف إن الصخرة الآخرون/‏ لكنّ أصواتا كقرع الطبول/‏ تنهلّ في رمسي/‏ من عالم الشمس/‏ هذي خطى الأحياء بين الحقول/‏ في جانب القبر الذي نحن فيه/‏ أصداؤها الخضراء/‏ تنهلّ في داري/‏ أوراق أزهار
كما نجد رمز سيزيف حاضرا عند أدونيس في قصيدته «رسالة إلى سيزيف»، فيقول:
أقسَمْتُ أن أكتبَ فوق الماءْ/‏ أقسمتُ أن أحمل مع سيزيفْ/‏ صخرتَه الصمّاءْ/‏ أقسمتُ أن أظلّ مع سيزيفْ/‏ أخضعُ لِلحُمّى وللشرارْ/‏ أبحثُ في المحاجر الضريرة/‏ عن ريشةٍ أخيره/‏ تكتبُ للعشب وللخريفْ/‏ قصيدةَ الغبارْ/‏ أقسمتُ أن أعيش مع سيزيف.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"