محمد ولد محمد سالم
أساطير الشعوب وحكاياتها وسير أبطالها هي مستودعات لقيم تلك الشعوب ومثلها العليا التي تشكل الجانب المعنوي والروحي لهويتها، الذي تمارس على ضوئه حياتها، وترى من خلاله الوجود ويحدد لها الطريق الذي تسير عليه، فالشعوب تلجأ إلى تخليد تلك القيم بربطها بحكاية شهيرة أو بشخصية بطل فذ من أبطالها، وتظل الأجيال ترويها جيلاً فجيلاً، وكل جيل يضيف ويغير حسب ما يتجدد من حياته، وما يتغير من قيمه، وللعرب الكثير من السير والحكايات من هذا القبيل أشهرها السيرة الهلالية التي تحكي أحداث هجرة قبائل بني هلال القيسية من اليمن عبر الحجاز والشام والعراق حتى وصلوا إلى مصر ثم إلى بلاد المغرب، وتغطي هذه السيرة قرونا تبدأ في بعض رواياتها من زمن الجاهلية، حيث تعود بنسب هلال جد تلك القبائل إلى «الزير سالم أبو ليلى» المهلهل بن ربيعة، وتروي قصة الأمير هلال الذي عاش في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن نسله نشأت تلك القبائل التي ستهاجر إلى الغرب، لكنّ الحكايات الأساسية في السيرة تبدأ من حدود القرن الخامس الهجري عندما حكم الفاطميون مصر، وكان بنو هلال قد وصلوا إلى صعيدها، ويذكر المؤرخ الدكتور عبد الحميد يونس أن بني هلال كانوا عربا بداة أهل ماشية ينتجعون الكلأ، وأن هجرتهم كانت بسبب الجفاف أولاً، وكانوا محاربين شرسين لا يعرفون الانضباط تحت حكم مركزي ما جعلهم لا يستقرون بأي مكان حتى وصلوا إلى صعيد مصر، وكان ذلك في زمن الفاطميين، فخاف منهم الفاطميون، فوجهوهم إلى تونس التي كان أميرها المعز بن باديس قد تمرد على الفاطميين وأرادوا بذلك أن يتخلصوا منهم وينتقموا من ابن باديس المنشق عنهم، وفي تونس تجري معظم أحداث السيرة التي يحارب فيها بنو هلال بقيادة أبي زيد الهلالي زناتة وصنهاجة بقيادة خلفية الزناتي.
المجتمع المصري هو أكثر من اشتغل بحكايات السيرة الهلالية، وتفنن رواته في حبك قصصها، ورسم شخصياتها، واختراع شخصيات جديدة لها، وكذلك اهتم بها الرواة الشعبيون التونسيون، ونسجوا فيها حكايات كثيرة، ويعتبر «كتاب السيرة الهلالية» للشاعر المصري عبدالرحمن الأبنودي أهم مصدر وثق هذه السيرة وجمع مروياتها من أفواه الرواة الشعبيين، مستقصيا جميع أنواع الحكايات المنبثقة منها على أرض مصر، ومدونا القصص والأشعار التي ترد على ألسنة الرواة، فاجتمع له من ذلك مادة لم تجتمع في كتاب قبله.
والسيرة الهلالية في الأساس قصص تجمع بين الشعر والنثر، حيث يبدأ الراوي بحمد الله والصلاة على النبي، ويدعو مستمعيه للإصغاء والاعتبار بما يروي عليهم، ثم يبدأ بالحكاية، وتتخللها حكم وتوكل على الله واستعانة به، ولا يهتم الرواة الشعبيون بالأسباب التاريخية (الاقتصادية والسياسية) في حكايات السيرة، بل يجدون لكل قصة سببا أخلاقياً يجعلها مبررة، وهذا ما يجعل تلك الحكايات مستودعا للقيم، فالسبب الأول في التغريبة الهلالية عن الرواة هو أن أبا زيد الهلالي خرج من نجد يرتاد لأهله مكانا فيه الكلأ والمرعى، بعد قضى الجفاف على مواشيهم وأصابهم الجوع، وكان معه أبناء أخته يحي ومرعي ويونس، وخاضوا في الطريق مغامرات كثيرة حتى وصلوا إلى تونس فسجنوا بها، ثم فر من سجنه وعاد إلى مضارب قبيلته في نجد، فاستنفرهم لتخليص أسراهم، ومن هنا تبدأ الملاحم الكثيرة التي تخللت تلك السيرة، والتي تركز معظمها على البطولة والشرف والذب عن الحمى والأخذ بالثأر وإجارة المستجير، وإعانة الضعيف وغيرها من القيم التي تشكل أسس الحياة العربية، وتنمي الإحساس بالانتماء إلى الجماعة والاعتداد بالهوية، ويرى الدكتور عبد الحميد يونس أن السيرة مثلت في مجتمعها الأصلي في قبيلة بني هلال أساساً لترسيخ الانتماء القبلي وادخار التجارب والاحتفاظ بمقومات الانتماء للجماعة، وفي مصر شكلت أساساً لخلق الشعور بالانتماء الوطني، وفي العصر الحديث يوحي الإقبال عليها بأنها ستعزز الانتماء القومي العربي.