مدحت صفوت
في سنة 1954 كان الكاتب البحريني عبد الله خليفة صبياً لم يتجاوز العاشرة من عمره، استيقظ ذات صباح على حريق مروع التهم مئات البيوت المبنية من سعف النخيل وجذوع الأشجار والتي يقطنها العمال والفقراء في إحدى المناطق الفقيرة في البحرين، وشاهد الصبي خلال ذلك لوعات الأمهات وبكاء الأطفال وعويل الآباء مكسوري الظهر من الشقاء، واحتفظ بكل ذلك داخل روحه، خاصة أنه وأسرته عاشوا في بيوت العمال الفقيرة التي تم بناؤها على أنقاض هذه البيوت، بما شكل وعيه وجعل انتماءه للفقراء رسالة واضحة في كل كتاباته. وبعد قرابة 25 عاماً على هذه الحادثة وبالتحديد في عام 1988 أصدر «خليفة» روايته «أغنية الماء والنار» ليحكي من خلالها الصراع الطبقي والفساد السياسي الذي ينتهي دائماً بحرق الفقراء.
و«أغنية الماء والنار» معاناة عامة وخاصة في الوقت نفسه، إنها صراع الطبقات واتحاد كل الأنظمة ضد ملح الأرض وضد أحلام الفقراء والغلابى والمساكين، تدور الحكاية حول مكان يعج بفقرائه، فبيوته أكواخ من سعف النخيل وعلب الصفيح، وحتى أشياؤهم القليلة الموجودة خلف الأكواخ لا يملكونها أيضاً، بل توجد سيدة تملكهم وتملك حاجاتهم البسيطة، فتمتلك الأرض والناس، هذه السيدة/السلطة تعيش في بيت حجري به كل وسائل الراحة، وعلاقاتها نافذة إلى قلب رجال الأمر والنهي في البلاد أما قلبها فيشبه بيتها الحجري.
التناقض الكاشف هو سيد الموقف في الرواية بجانبيها المظهر والجوهر، فبينما السيدة التي يطلق عليها «أميرة الأميرات» والأغنياء والسلطة في جانب ببيوتهم النظيفة ومياههم المتوفرة وطقوس حياتهم الممتلئة بالفساد، نجد على الجانب الآخر العمال الفقراء بحكاياتهم الجميلة وقلوبهم الرقيقة ورغبتهم في الحب والحياة البسيطة، لكن دائماً هناك صنف ثالث لا يمكن الحكم عليه حتى يوضع في الاختبار، وحينها يظهر صلاحه من فساده، والسلطة الفاسدة عادة ما تراهن على هذا الصنف، فتحرك مناطق الفساد في روحه وتستغله لتحقق مبتغاها الشرير وتحولهم لأدوات للقتل والتخريب، تسلب منهم أرواحهم وتتركهم مثل الأكواخ الخربة المحروقة لا نفع من ورائها.
كما أن رواية «أغنية الماء والنار» تترصد لصعود الأحلام وانكسارها، فبينما «راشد» سيد أحلام اليقظة وملك الماء الذي يعمل سقاء يتنقل بين الأكواخ، في حالة من المقارنة الدائمة بين تفاهة عمله وعظيم أحلامه، تهدده المتغيرات الحياتية بينما هو ثابت في مكانه لا تساعده الظروف بل تتحرك به إلى الأسوأ، حيث سرت شائعة بأن الماء سوف يصل للبيوت عن طريق «الصرف» وبالتالي سوف تبور بضاعته، لذا في ظل أزمته الواقعية كان يحلم بسيدة البيت الحجري وبقدرتها على إنقاذه من حاله المتردي وفى الوقت نفسه يحب «زهرة» ويعرف أنها مسكن الروح، لكن كما يحدث في العالم أجمع، فالأشياء لا تنتهي كما نتوقع لها ولا حتى كما بدت مؤشراتها الأولى، فمصائر الشخصيات في الرواية متناقضة ف«راشد» المرح الذي يحكي الأقاصيص للأطفال، تنتهي به الحال قاتلاً ومرتكباً لفعل إبادة وتشريد لأهله وذكرياتهم، و«زهرة» تفقد نفسها أيضاً، والشياطين وحدها تربح المعركة.
إنه الحب هو الذي يدفع الثمن، دائماً، في الروايات المغلفة بالإيديولوجيا والأفكار الواقعية، فبينما راشد يحلم بالزواج من زهرة، ويتمنى أن يعيش معها في بيت حجري، كانت هي تحب صديقه جابر، لكن علاقتهما تفشل بسبب ظروفه الاجتماعية، فهو مكبل بأسرته وحياتهم الفقيرة، وحينها تفقد «زهرة» براءتها في موقف كاشف في الرواية، إن تجربة «راشد» مع الحلم والحياة غريبة، فبين «زهرة» و«سيدة البيت الحجري» تلعب الحياة لعبتها الدائمة، فيجد نفسه وجها لوجه مع السيدة، بل يجد نفسه عبداً لرغباتها، والتي تنتهي بأن تطالبه بأن يحرق عالمه الحقيقي «الأكواخ وناسها»، تقول له «إنني متضايقة من هذه الأكواخ.. هل تخلصني منها؟» وبينما هو في حيرته يتقلب توحي له بأن صفيحة من البنزين وعود ثقاب مشتعل يكفي لإنهاء المشكلة، لكنها لم تسأله عن وجع روحه لأنها لا تملك روحاً، تركته يعيش إثم ذنبه الذي لا ينتهي.
في الرواية باع «راشد» نفسه للشيطان وأصبح رمزاً على خائني أنفسهم وأهليهم، والشيطان في المقابل منحه في البداية متعة زائفة لكنه لم يمنحه أجره كاملاً، فوجد نفسه مطلوباً أمام الله والناس، وهنا تحولت كل أحلام اليقظة التي كان يعيشها ويهرب إليها إلى كوابيس.
في سنة 1954 كان الكاتب البحريني عبد الله خليفة صبياً لم يتجاوز العاشرة من عمره، استيقظ ذات صباح على حريق مروع التهم مئات البيوت المبنية من سعف النخيل وجذوع الأشجار والتي يقطنها العمال والفقراء في إحدى المناطق الفقيرة في البحرين، وشاهد الصبي خلال ذلك لوعات الأمهات وبكاء الأطفال وعويل الآباء مكسوري الظهر من الشقاء، واحتفظ بكل ذلك داخل روحه، خاصة أنه وأسرته عاشوا في بيوت العمال الفقيرة التي تم بناؤها على أنقاض هذه البيوت، بما شكل وعيه وجعل انتماءه للفقراء رسالة واضحة في كل كتاباته. وبعد قرابة 25 عاماً على هذه الحادثة وبالتحديد في عام 1988 أصدر «خليفة» روايته «أغنية الماء والنار» ليحكي من خلالها الصراع الطبقي والفساد السياسي الذي ينتهي دائماً بحرق الفقراء.
و«أغنية الماء والنار» معاناة عامة وخاصة في الوقت نفسه، إنها صراع الطبقات واتحاد كل الأنظمة ضد ملح الأرض وضد أحلام الفقراء والغلابى والمساكين، تدور الحكاية حول مكان يعج بفقرائه، فبيوته أكواخ من سعف النخيل وعلب الصفيح، وحتى أشياؤهم القليلة الموجودة خلف الأكواخ لا يملكونها أيضاً، بل توجد سيدة تملكهم وتملك حاجاتهم البسيطة، فتمتلك الأرض والناس، هذه السيدة/السلطة تعيش في بيت حجري به كل وسائل الراحة، وعلاقاتها نافذة إلى قلب رجال الأمر والنهي في البلاد أما قلبها فيشبه بيتها الحجري.
التناقض الكاشف هو سيد الموقف في الرواية بجانبيها المظهر والجوهر، فبينما السيدة التي يطلق عليها «أميرة الأميرات» والأغنياء والسلطة في جانب ببيوتهم النظيفة ومياههم المتوفرة وطقوس حياتهم الممتلئة بالفساد، نجد على الجانب الآخر العمال الفقراء بحكاياتهم الجميلة وقلوبهم الرقيقة ورغبتهم في الحب والحياة البسيطة، لكن دائماً هناك صنف ثالث لا يمكن الحكم عليه حتى يوضع في الاختبار، وحينها يظهر صلاحه من فساده، والسلطة الفاسدة عادة ما تراهن على هذا الصنف، فتحرك مناطق الفساد في روحه وتستغله لتحقق مبتغاها الشرير وتحولهم لأدوات للقتل والتخريب، تسلب منهم أرواحهم وتتركهم مثل الأكواخ الخربة المحروقة لا نفع من ورائها.
كما أن رواية «أغنية الماء والنار» تترصد لصعود الأحلام وانكسارها، فبينما «راشد» سيد أحلام اليقظة وملك الماء الذي يعمل سقاء يتنقل بين الأكواخ، في حالة من المقارنة الدائمة بين تفاهة عمله وعظيم أحلامه، تهدده المتغيرات الحياتية بينما هو ثابت في مكانه لا تساعده الظروف بل تتحرك به إلى الأسوأ، حيث سرت شائعة بأن الماء سوف يصل للبيوت عن طريق «الصرف» وبالتالي سوف تبور بضاعته، لذا في ظل أزمته الواقعية كان يحلم بسيدة البيت الحجري وبقدرتها على إنقاذه من حاله المتردي وفى الوقت نفسه يحب «زهرة» ويعرف أنها مسكن الروح، لكن كما يحدث في العالم أجمع، فالأشياء لا تنتهي كما نتوقع لها ولا حتى كما بدت مؤشراتها الأولى، فمصائر الشخصيات في الرواية متناقضة ف«راشد» المرح الذي يحكي الأقاصيص للأطفال، تنتهي به الحال قاتلاً ومرتكباً لفعل إبادة وتشريد لأهله وذكرياتهم، و«زهرة» تفقد نفسها أيضاً، والشياطين وحدها تربح المعركة.
إنه الحب هو الذي يدفع الثمن، دائماً، في الروايات المغلفة بالإيديولوجيا والأفكار الواقعية، فبينما راشد يحلم بالزواج من زهرة، ويتمنى أن يعيش معها في بيت حجري، كانت هي تحب صديقه جابر، لكن علاقتهما تفشل بسبب ظروفه الاجتماعية، فهو مكبل بأسرته وحياتهم الفقيرة، وحينها تفقد «زهرة» براءتها في موقف كاشف في الرواية، إن تجربة «راشد» مع الحلم والحياة غريبة، فبين «زهرة» و«سيدة البيت الحجري» تلعب الحياة لعبتها الدائمة، فيجد نفسه وجها لوجه مع السيدة، بل يجد نفسه عبداً لرغباتها، والتي تنتهي بأن تطالبه بأن يحرق عالمه الحقيقي «الأكواخ وناسها»، تقول له «إنني متضايقة من هذه الأكواخ.. هل تخلصني منها؟» وبينما هو في حيرته يتقلب توحي له بأن صفيحة من البنزين وعود ثقاب مشتعل يكفي لإنهاء المشكلة، لكنها لم تسأله عن وجع روحه لأنها لا تملك روحاً، تركته يعيش إثم ذنبه الذي لا ينتهي.
في الرواية باع «راشد» نفسه للشيطان وأصبح رمزاً على خائني أنفسهم وأهليهم، والشيطان في المقابل منحه في البداية متعة زائفة لكنه لم يمنحه أجره كاملاً، فوجد نفسه مطلوباً أمام الله والناس، وهنا تحولت كل أحلام اليقظة التي كان يعيشها ويهرب إليها إلى كوابيس.