كان شعراء الجاهلية أوائل الذين خطو طريق المجد والرفعة لفن الشعر، فأسكنوه قلوب العرب وأفئدتهم، حتى أصبح الشعر مستودع الحكمة والجمال، وبين هؤلاء يقف النابغة الذبياني أحد أشهر شعراء الجاهلية الذين طافت أشعارهم في سائر الأقطار، وغنيت على كل لسان.
هو زياد بن معاوية بن ضباب، ويصل نسبه إلى عيلان بن مضر. وكان النابغة يكنى بابنتيه (أمامة) و(ثمامة) فينادى بأبي أمامة أو أبي ثمامة، ولقب بالنابغة، لأنه نبغ في الشعر، كما لقب العديد من الشعراء بهذا اللقب، وقد ذكرهم الآمدي في المؤتلف والمختلف وهم: النابغة الذبياني، والنابغة الجعدي، ونابغة بني الديان الحارثي، والنابغة الشيباني، والنابغة الغنوي، والنابغة العدواني.
وقد نقل الرواة صفات النابغة بأنه حسن الهيئة مهيب النظر له ضفيرتين تتدليان على كتفيه وكان ذا عفة وشرف وأنفة طالما حسد عليها.
كان النابغة، راجح العقل، خصب الخيال، رقيق المشاعر، من أكثر الشعراء الذين يمكن أن يطلق عليهم لقب «الشاعر السياسي». لازم ملوك الحيرة في العراق لا سيما النعمان أبو قابوس، فوصل لديه إلى ما يصبو إليه من حظوة رفيعة تمثلت في حل كثير من المشاكل القبلية والسياسية لقومه، كما في توطيد العلاقة الحميمة معه، مستفيداً من العطايا والهدايا التي كانت تغدق عليه. وكذلك كان شأنه في اتصاله بملوك الغساسنة في الشام، حيث عزز مكانته لديهم ونال شرف مجده الأدبي والسياسي بكل ما يغني هذا الشرف من قيم ومعاني سامية، كان لها الأثر الكبير في سيرة حياته وشعره. كان النابغة في جميع أحواله صاحب الصوت المطاع بين قومه، عظيم الوفاء لهم، شديد الحفاظ على حلفائهم. كان رجل المهابة والرأي السديد حين يخوض في سياسات القبائل، وكان حكيماً في أدب السياسة والتعامل مع الملوك، كما كان شاعراً فذاً، وحكماً راجح الموقف في إدارة حلقات الشعر بين الشعراء المتنافسين في سوق عكاظ.

ساعدت هذه الصفات النابغة ليحتل المكان العالي في بني قومه، كما ساهمت في حظوته برضا الملوك من ممدوحيه من المناذرة والغساسنة على السواء رغم ما ناله من الحسد والوشاية التي لاحقت سيرة حياته طويلاً. ولقد كان للنابغة تدخلاته المؤثرة في الشؤون السياسية والقبلية، على صعيد التحالفات والاتفاقيات أو الحرب والسلم بين القبائل المتناحرة، أو على صعيد تلبية الحاجات المعيشية والاجتماعية التي تهم القبائل. وكان لموقعه الأدبي بين الشعراء الأثر الأكبر في علو شأنه حيث حكّموه في سوق عكاظ، تقديراً لملكته الأدبية وحسن ذوقه وصواب حكمه، وشاعريته التي تميزت برقة المشاعر وقوة العاطفة في آن معاً، كما في خياله الخصب في الصور والتشبيهات، والاستعراضات الجمالية لهذا الخيال. اشتهر الذبياني بالقصيدة «المتجردة» التي خص بها زوجة النعمان وذكر فيها خصائص لا يليق ذكرها في صفات المتجردة، وقد استغل الشاعر المنخل اليشكري تلك القصيدة حجة للانتقام من النابغة لأن اليشكري كان يحب المتجردة فخاف النابغة من عقاب النعمان والتجأ إلى الغساسنة في الشام وقد نزل عند عمرو بن الحارث الأصغر فمدحه ومدح أخاه النعمان.
تفوق الذبياني في أغراض الشعر عامة، وفي المديح والاعتذار والسياسة خاصة، وقد امتاز في قصائده بالتوافق بين المعاني والألفاظ، وهذا ما دفع ابن سلام الجمحي أن يصفه بقوله: «إنه كان أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتاً».
وقد شهد له أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني حيث قال: كان يُضرب للنابغة الذبياني قبة بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها.. وأول من أنشده الأعشى ثم حسان بن ثابت ثم أنشدته الخنساء وبنت عمرو وابن الشريد.
و قد نقل الرواة عن موت النابغة أنه قد كبر وتوفي فى السنة التي قتل فيها النعمان بن المنذر وكانت وفاته 604م /‏18 قبل الهجرة النبوية.

غيث خوري