يهتم مركز الشارقة للتراث، بأسابيع التراث العربي عموماً، فيسرد الكثير من مفرداته الثقافية والاجتماعية والمعيشية، محدداً نقاط التلاقي في هذه المفردات، التي تسود العالم العربي من أربعة أقطاره، راسمة نوعاً من القرب الشديد في ملامحه وجوّانياته. من هنا، يعتبر محمد البرنوصي، القنصل العام المغربي في دبي والإمارات الشمالية، استضافة معهد الشارقة للتراث أسبوعاً للتراث المغربي فرصة مهمة للتعريف بتراث بلاده وتوثيق أواصر التعاون بين الأقطار العربية. وفي هذا الحوار يتحدث البرنوصي عن الملمح العام لتراث المغرب، وخصوصياته.
- كيف تقيمون استضافة معهد الشارقة للتراث أسبوع التراث المغربي؟
- اهتمام المعهد المتزايد بالتراث ومحاولات إحيائه والمحافظة عليه، نتيجة طبيعية لتطلعاته ليكون مركز إشعاع ثقافي وعلمي يتصف بالتميز والإبداع، بما يخدم التراث انسجاماً مع رؤى وتوجيهات صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة.
التراث المغربي ركيزة أساسية من ركائز الهوية المغربية، ورافد للثقافة المغربية، لإبراز الهوية الوطنية والكشف عن ملامح خصوصيتها، ولهذا كان الحفاظ عليه ونشره ونقله عبر الأجيال والحرص على ضمان استمراريته مسؤولية يتقاسمها الجميع، ومن أبرز تجليات هذا التراث وأشكاله الفلكلور الشعبي، الموسيقى، الأساطير، القصص والألعاب الشعبية، المهن والحرف التقليدية وحتى النكتة والفكاهة، ذلك أن التراث يستدعي تشجيع البحث والابتكار، والمملكة المغربية دولة عريقة وتمتلك حضارة وتراثاً ثقافياً بنكهة مميزة، تضرب بجذورها في أعماق التاريخ الإنساني، وتمتلك مقومات تراثية قديمة ذات سمعة ومكانة عالمية.
لذلك فإن إقامة الأسبوع التراثي المغربي على أرض الشارقة، خطوة مهمة للتعاون والتنسيق في إلقاء الضوء على التراث المغربي، ليكون رافداً للمزيد من توطيد العلاقات بين المغرب والإمارات، التي تتسم بالخصوصية سواء على الجانب السياسي والاقتصادي والثقافي، والتي تتطور يوما بعد يوم نحو الأفضل، بفضل قيادة البلدين الشقيقين.
- ما أبرز عناصر التراث المغربي، والجهود المبذولة من أجل الحفاظ عليه؟
- يشهد المغرب تنوعاً على مستوى تقاليده وتراثه الثقافي ويحتوي الجانب المادي من هذا التراث على أشكال متعددة، تنم عن تاريخ عميق وعن تنوع جغرافي، ساهم بشكل كبير في تأقلم المجموعات البشرية، حيث يزخر المغرب بتراث ثقافي غني ومتنوع.
انطلاقاً من القرن الثامن الميلادي، تعاقبت على المغرب دول كبيرة تركت آثاراً مادية تتباهى بها الأمة المغربية اليوم: الأدارسة، المرينيون، الوطاسيون، السعديون، المرابطون، الموحدون والعلويون، وهكذا شيدت عواصم كبرى كفاس ومراكش ومكناس والرباط في هندسة معمارية غاية في الجمال، حيث يمكن أن نرى اليوم مباني تاريخية عديدة، تعود إلى تلك المراحل التاريخية كالمساجد والقصور والمدارس العتيقة والفنادق والدور والأحياء التاريخية، ويتكون هذا التراث من ثلاثة فروع أساسية: التراث الأثري، التراث المعماري، التراث المنقول، كما يتوفر في المغرب تراث غير مادي غني ومتنوع، يتكون من كل أشكال التعبير التقليدي: التقاليد والتعابير الشفوية، ومن بينها اللغة بصفتها حاملة للتراث غير المادي؛ فنون الفرجة؛ الممارسات الاجتماعية والتقليدية والمظاهر الاحتفالية؛ المعارف والممارسات الخاصة بالطبيعة والكون؛ المعارف الخاصة بالصناعات التقليدية، واعتمدت المملكة المغربية استراتيجية تشاركية للمحافظة على التراث المادي واللامادي، باعتباره مكوناً أساسياً من مكونات الهوية المغربية، ورافداً من روافد التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتجلّت من خلال إشراك جمعيّات المجتمع المدني العاملة في مجال التّراث.
فهناك إرادة سياسية حقيقية من أجل الحفاظ على التراث المغربي، وإعطائه المكانة التي يستحقها داخل المجتمع وإخراجه من الجمود، لأن التفريط في هذا الإرث الذي تزخر به البلاد هو تضييع للهوية المغربية، لذا يجب تضافر جهود كل المتدخلين لإنقاذ الموروث الثقافي في المدن العتيقة التي أصبحت تراثاً عالمياً وملكاً للإنسانية، وضرورة استخدام الأساليب العلمية الحديثة للترميم والمحافظة على التراث.
والتحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب يتمثل في استشراف المستقبل، ودعم المدن، لتصبح محركاً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، بالنظر إلى وزن المدن التي تشكل تراثاً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً حياً وتأثيرها على التنمية، مع الأخذ بعين الاعتبار التنوع الثقافي بالمغرب، والعدد المهم للمدن العتيقة التي تشهد على حضارة غنية على المستوى الاجتماعي والحضري والمعماري.
- كيف تنظرون إلى الفعاليات التي يتضمنها الأسبوع ودورها في التعريف بالتراث المغربي؟
- ينتظرنا عمل دؤوب للتعريف بالتراث والسعي إلى توظيفه كقطب استثماري استراتيجي في خدمة الأهداف التنموية في البلدين الشقيقين، ودعوة كل المؤسسات المهتمة إلى دمج المنتوج الثقافي في حساباتها ورهاناتها المستقبلية في سياسة التنمية البشرية، من خلال رد الاعتبار للموروث الثقافي للمجتمع، وكذلك توفير جميع الوسائل المادية والبشرية للعناية به وتنميته والمحافظة عليه.
-ما الذي تتوقعونه بخصوص تفاعل الجالية المغربية مع فعاليات الأسبوع؟
-الأسبوع يتيح الفرصة لأبناء الإمارات والمقيمين على أرضها للتعرف إلى التراث المغربي، وقد تكون ملامحه غائبة عن البعض. لذلك، فإن فتح المجال لمثل هذه الفعاليات يقرب الشعوب، وسيكون لها لا محالة مردود وانعكاسات إيجابية على الجالية المغربية المقيمة بالإمارات، وذلك بالتعريف بحضارتها وثقافتها العريقة.
والحدث مناسبة جيدة للتعرف على هذه الثقافة والحضارة الثرية من المواطنين والمقيمين، وكذلك أفراد الجالية المغربية. وهذا التحدي يتطلب منا حث الجالية للمشاركة بكثافة في هذا الحدث المهم، وتوفير جميع الوسائل لإنجاحه.
-ما طبيعة أنشطة القنصلية في هذا الشأن؟
- مساهمتنا تتمركز حول التعريف بفعاليات الأسبوع بشكل متميز، لإظهار الحدث في أبهى صورة لأفراد الجالية المغربية.
-وكيف تنسقون مع الشارقة، والإمارات عموماً، في مسائل التراث؟
-وصف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي البرامج التراثية بأنها همزة الوصل التي تربط أبناء الجيل الحالي بتراث وماضي آبائهم وأجدادهم، فأسبوع التراث المغربي هو كذلك همزة وصل بين بلدين شقيقين.
التراث له مكانة خاصة وحظوة كبيرة عند صاحب السمو حاكم الشارقة، ولسموه أكبر المبادرات والإسهامات في مجال التراث بصفة خاصة والثقافة عامة. وأسبوع التراث المغربي يشكل فسحة رحبة لتبادل حوار ثقافي وفكري هادف وبنَّاء مستند إلى فكر الإمارات، الذي يرتكز على تعزيز وبناء ثقافة الحوار.
دور الثقافة والتراث
يقول القنصل العام المغربي: الرعاية الكريمة لهذا الحدث من صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي تؤكد الحكمة الكبيرة والتوجيهات الرائدة والرؤية الثاقبة للدور الذي تلعبه الثقافة والتراث في الترابط بين الشعبين الشقيقين.
وهذا الحدث يؤكد متانة العلاقات التاريخية والأخوية، التي تجمع الإمارات بالمملكة المغربية، في جميع المجالات. ويرى أن عملاً دؤوباً ينتظر فرق المختصين في البلدين الشقيقين، لجمع مختلف مظاهر التراث اللاماديّ وتصنيفه، ومن ثم استثمار الوسائل التكنولوجية الحديثة من أجل نشر هذا التراث والسعي إلى توظيفه في خدمة الأهداف التنموية.
أهمية كبيرة
يقول محمد البرنوصي: يحظى التراث بأهمية كبيرة في الإمارات، وهو في مقدمة الأوليات دائماً، فهذا الاهتمام يأتي في صلب البرمجة الثقافية، كما أن الدعم المادي للتراث كان في ذروته دائماً، وتسعى الإمارات إلى تدعيم الصلات، والروابط الثقافية وتبادل الخبرات مع المعاهد المتخصصة والمؤسسات العلمية في جميع أنحاء العالم، والتفاعل مع التجارب والخبرات العلمية والعالمية في مجال التراث الثقافي، وكذلك التأكيد على أهمية تطبيق المفاهيم والمنهجيات الحديثة لمفهوم الاستدامة عند التعامل مع التراث.