سيف بن ذي يزن، هو إحدى الشخصيات المشهورة في السير الشعبية العربية، تروى حوله قصص خيالية كثيرة، تجعله ملكاً على الإنس والجن، له قدرات خارقة استطاع بها الخروج من المآزق وقهر أعدائه وتحرير أرضه، وسيف بن ذي يزن في الأصل شخصية حقيقية، وهو أحد ملوك الحميريين في اليمن، عاش على الأرجح في الفترة ما بين (516 م و575 م)، وكان له قصر شهير هو قصر غمدان، تفد إليه وفود العرب فيكرمها، وهو الذي طرد الأحباش من اليمن بعد أن احتلوه فترة طويلة، فنهض سيف بن ذي يزن طالباً النجدة من ملوك ذلك الزمان لطرد الأحباش عن أرض قومه، فالتمس النجدة من قيصر ملك الروم البيزنطيين، لكن قيصر رفض بحجة أن الأحباش نصارى مثل الروم، ولن ينصره عليهم، فتوجه ابن ذي يزن إلى النعمان بن المنذر ملك الحيرة من طرف كسرى ملك فارس، فأخذه النعمان إلى كسرى، وبعد استشارة كسرى لقواده قبل أن يمد ابن ذي يزن بجيش، أخرج له من في السجون وجعل عليهم قائداً يسمى وهزر، وسيرهم معه، وعاد ابن ذي يزن إلى اليمن فجمع من قبائل العرب جيشاً، ضمه إلى جيش كسرى، واستطاع بذلك أن يطرد الأحباش من اليمن إلى الأبد، وعينه كسرى ملكاً على اليمن، فكان له فيها قصر مشهور تزوره فيه وفود العرب، وكان كريماً سخياً وفير المال يعطي العطايا الجزلة، ويروى أن وفد قريش بقيادة عبدالمطلب بن هاشم زاره ضمن الوفود التي جاءت تهنئه بالنصر، وكان يجد ابن ذي يزن في كتب الحميريين القديمة صفات لنبي آخر الزمان، وقد أخبر عبد المطلب بصفاته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم، قد ولد قبل ذلك بعامين، فعرف عبد المطلب منها صفات الرسول، وأخبر الملك أن له ابناً بتلك الصفات، فأمره أن يكتم أمره، ويحذر عليه من اليهود لأنهم أعداؤه.
عني الرواة الشعبيون بسيرة سيف بن ذي يزن، فقد وجدوا فيها بعداً قومياً ودينياً، عمل خيالهم على تطويره وتغذيته بقصص خرافية جعلتها مادة مشوقة للقص وإمتاع الجمهور، وانتشرت هذه الحكايات في ربوع البلاد العربية والإسلامية، وكل منطقة تضيف لها ما يناسب واقعها، والأمم التي تتصارع معها، حتى إنه في ماليزيا توجد شخصية سيف بن ذي يزن تحت اسم يوسف الليزن، وتضفي عليه الرواية الشعبية أبعاداً خرافية، فتجعله إنساناً خارقاً ولد من أب من الإنس، وأم جنية من بنات ملوك الجن، وفي سيرته قصص عن نشأة المدن المشهورة، والأقاليم، ومجيء نهر النيل إلى مصر، ووصف الرحلات والمغامرات الكثيرة التي قام بها سيف بن ذي يزن، وأولاده، وجيشه، والأرواح المسخرة له، وتورد بعض تلك القصص أن سبب حربه مع الأحباش هو كونهم اختطفوا زوجته منية النفوس، فذهب إليهم وحاربهم، وقتل منهم أمماً كثيرة حتى استعادها، كما تجعله بعض روايات السيرة الشعبية مسلماً موحداً على دين إبراهيم الخليل، وتجعل الأحباش وثنيين يعبدون الكواكب والنجوم، رغم أن دين الأحباش كان النصرانية..
ويبدو أن الحكواتيين وجدوا في سيف بن ذي يزن في عصور الضعف والانحطاط مادة قوية لتجسيد معاني الوحدة العربية والإسلامية وقيم الوطنية والدفاع عن الذات، وكانت شخصيته وسيرته الأصلية ملامح من ذلك، فإن سيف بن ذي يزن في سيرته الأصلية عندما طرد الأحباش من اليمن جاءته وفود العرب من كل حدب وصوب تهنئه بذلك النصر الذي رأت فيه نصراً لها، وعزة وشرفاً رفع به شأن العرب في ذلك الزمن الذي لم يكن لهم فيه دولة، وكانوا قبائل شتى في صحراء قاحلة يتحاربون في ما بينهم، ولم تكن الدول القائمة حينها تقيم لهم وزناً، ومن هنا كانت الأهمية التاريخية لسيف بن ذي يزن، وكذلك الأهمية الرمزية له كقائد صنع للعرب مجداً، رغم أنه لم يصنعه إلا بمساعدة الأجنبي، لكن المخيلة الشعبية تجاوزت ذلك، وأسقطته من حسابها، ليكون سيف بن ذي يزن بطلاً عربياً خالصاً بقدراته الخاصة.

محمد ولد محمد سالم