القاهرة «الخليج»:

تعد «الإلياذة» و«الأوديسة» من أشهر الملاحم الأدبية في التاريخ القديم بأكمله، وقد أسهمت بشكل واضح في تكوين ثقافات كثير من الأمم، بل إن هناك من يعد ترجمتها إلى اللغات الأوروبية إحدى علامات عصر النهضة الأوروبية، ويجمع النقاد على أن الإلياذة والأوديسة، أكثر الملاحم الموروثة تعبيراً عن الجوانب الفنية المختلفة للملحمة.
في الطبعة التي أصدرتها الدار المصرية اللبنانية ل «الإلياذة والأوديسة» ترجمة دريني خشبة، توضح المقدمة أن الملحمة قصة شعرية موضوعها وقائع الأبطال الوطنيين، ويؤدي الخيال وظيفة مهمة في أي ملحمة، حيث تحكي الوقائع والأحداث في صورة معجزات وأشياء خارقة للمعتاد، يقوم بها الأبطال، كما أن لكل ملحمة أصلاً تاريخياً يغيره مؤلفها، بما يتفق والعالم الخيالي للملحمة.
تنطبق هذه المعايير على الإلياذة بصورة كبيرة، فعالهما عالم إقطاعي مهيأ للحرب والقتال والعنف، كما أنها تحوي أحداثا لا يصدقها عقل، وتقدم لنا في صورتها الكاملة مبادئ فن الحرب مثل ضرب الأسوار وتسليح الجنود، ودور القواد في المعارك، وروح الفروسية لدى المحاربين وغيرها، ما يكشف في النهاية ما بداخل النفوس من ميل إلى الانتقام والغلظة والأنانية. تقدم لنا الإلياذة العام الأخير من حرب طروادة، وتعرض تحديدا حدثا خاصا في هذه الحرب، وهو غضب «أخيليوس» أبرز أبطال الإغريق في الحرب، لما لحقه من إهانة على يد «أجامنون» القائد العام لليونانيين في حصارهم لطروادة، وتقدم الإلياذة صورة وافية عن حياة قادة الإغريق وحرب طروادة، وهي ذات قيمة فنية كبيرة، ما جعلها محفورة في الأذهان عبر العصور، وستظل إحدى روائع الأدب العالمي على الدوام.
إذا كانت الإلياذة تعالج حادثة تاريخية حقيقية مثل حصار طروادة، فإن الأوديسة تعالج حادثة يغلب عليها الطابع الحربي، وهي تعد واحدة من أهم الآثار الإنسانية العظيمة في التراث الأدبي العالمي وهي بإجماع النقاد، أكثر عمقا ونبلا من الإلياذة، لما تشتمل عليه من فضائل حضارية وقيم إنسانية مثل النبل والوفاء والخير والشجاعة.
موضوع «الأدويسة» هو عودة «أوديسيوس» من حرب طروادة بعد انتهائها بعشر سنوات، وفي غيبته تنافس أمراء جزيرة «إيثاكا» على الحظوة بزوجته «بنلوب» وكانت تتعلل بضرورة عمل كفن ل «أوديسيوس» لكنها كانت تنقض ليلا ما تنسجه بالنهار، وبطل هذه الملحمة واحد من أبناء الشعب الإغريقي، لم يفقد شجاعته أبدا، مهما اشتدت به المحن، وقد تأثر كثيرون بهذه الملحمة، فعلى سبيل المثال كتب الشاعر الروماني «فرجيل» ملحمته «الإنيادة» محاكاة ل «الأوديسة» كما أن «ألف ليلة وليلة» تظهر بها بعض التأثيرات بتلك الملحمة، خاصة في مغامرات السندباد البحري.
وظلت «الإلياذة» و«الأدويسة» معيناً تنهل منه أجيال لا تحصى من الشعراء في الآداب الكلاسيكية والإغريقية والرومانية، كما أن شاعرها «هوميروس» لا يعرف عن حياته الكثير من المعلومات المدققة، واختلف القدماء حول زمنه، لكن معظم الدراسات الحديثة تؤرخ حياته في القرن الثامن قبل الميلاد، وقيل إن «هوميروس» لقب اشتهر به ويعني باللغة الإغريقية «الأعمى» وقيل أيضا إنه كان رئيس المنشدين في بلاط الأمراء والمهرجانات والأعياد.
قال عنه أرسطو: «إن هوميروس فاق جميع الشعراء الآخرين في كل شيء، وامتاز على الأخص بإدراك ما يؤلف وحدة القصيدة».
ومع ذلك فإن باحثين تشككوا في نسبة الملحمتين لهوميروس، وشككوا في وجوده هو نفسه، وقال أحدهم إن الأرجح أن يكون هوميروس قد رسم التخطيط العام للإلياذة والأوديسة، أما بقية الملحمتين فمن الممكن أن تنسب إلى مجموعة من الشعراء، استكملوا ما بدأه في حدود الخطوط العامة التي رسمها هو. على الرغم من الجهد المبذول في تأكيد نسبة الملحمتين لهيروموس أو التشكيك في ذلك فإن الباحثين والدارسين لم يصلوا إلى نتيجة مرضية يمكن الاستقرار عليها، ويبدو أن آراءهم ستظل متضاربة، لا تؤيدها سوى أدلة افتراضية، لا ترقى إلى مرتبة اليقين، ولا يؤثر ذلك بالطبع في قيمة الإلياذة والأوديسة وكاتبها هوميروس، حيث ظهرت أقدم طبعة في فلورنسا بإيطاليا عام 1488، وترجمت إلى كل لغات العالم تقريباً، تقديراً لقيمتها التاريخية والحضارية والأدبية والفكرية.