محمد ولد محمد سالم

المهلهل شخصية لها عدة جوانب منها ما يتعلق بالإبداع، ومنها ما يتعلق بالفروسية والحرب، ومنها ما يتعلق بالقصص الشعبي، والمهلهل لقب لشاعر فارس جاهلي اسمه عدي بن ربيعة من تغلب ثم من وائل بن ربيعة، الذين سكنوا تهامة ونجد قبل أن يستقروا في الجزيرة الفراتية، ويقال أيضاً إن اسمه سالم، واشتهر في القصص الشعبي باسم الزير سالم أبي ليلى المهلهل، وكُني أبا ليلى نسبة إلى ابنته ليلى أم عمرو بن كلثوم وأعز نساء العرب في الجاهلية، ولُقب بالزير لأنه كان في بداية شبابه منصرفاً إلى اللهو ومجالسة النساء، فلقبه أخوه بذلك استخفافاً به، أما لقب المهلهل الذي اشتهر به لدى مؤرخي الأدب، فيعود في أظهر الأقوال إلى كونه أول من هلهل الشعر، وقصّد القصائد أي طولها، وسلك بها نهج تعدد الأغراض، وكان الشعراء قبله يقولون البيت والبيتين والأربعة، حتى جاء هو فأخذ في طريق من الاستطالة مهدت الطريق لشعراء المعلقات الذين جاؤوا بعده، توفي الزير في حدود 531م.
نشأ المهلهل في بيت عز وسيادة، فأبوه ربيعة كان سيد قبائل ربيعة، وأخوه كليب كان سيد قومه بعد أبيه، فعاش في كنفهما شطراً من حياته في رغد من العيش لا هم له إلا اللهو والعبث، لكن حياة المهلهل ستنقلب بعد مقتل كليب، الذي كان قتله سببا في واحدة من أشهر حروب الجاهلية هي «حرب البسوس» التي يقال إنها دامت أربعين سنة، وشاب فيها الغلمان، وقد ارتبط اسم المهلهل بهذه الحرب، لأنه أظهر فيها من العزم والشجاعة وقوة البأس ما رفع شخصيته إلى مصافّ الأساطير، ونقلها من مادة تاريخية إلى مادة حكائية شعبية، ووسع منظورها الدرامي لتكون حاملاً تحمل عليه صنوف النبل والشجاعة وإباء الضيم والأخذ بالثأر وإبادة الأعداء الظلمة، في مقابل أعدائه الذين حملتهم القصص الشعبية صفات الشر من غدر وخيانة واعتداء وغير ذلك، وهذا ما يبرر اتساع الحكايات الخرافية المروية حول الزير سالم المهلهل.
تروي الحكاية أن كليباً بن ربيعة التغلبي كان سيداً لقبائل معد، ثم بغى عليهم، فكان يحمي مواقع الرعي فلا يرعى فيها غير إبله، وكان بنو شيبان من بكر بن وائل أبناء عمومة لبني جشم من تغلب بن وائل، ويجاورونهم في الديار، وكان جساس بن مرة سيد بني شيبان زوج الجليلة أخت كليب، وكانت له خالة من بني تميم تسمى البسوس بنت منقذ، وكان في جوار هذه المرأة رجل يسمى سعد له ناقة، وقد أطلقها فرعت في حمى كليب، فلما رآها كليب رماها فقتلها، ولما علمت البسوس بذلك صاحت: «واذلاه.. واجاراه»، وأنشدت في ذلك شعراً، فاستعدت ابن أختها جساساً، فاستدرج كليباً حتى تمكن منه فقتله، فقامت الحرب بين تغلب وبني شيبان، وكان المهلهل جالسا بين ندمائه سكران عندما جاءه خبر موت أخيه، فنذر ألا يذوق الخمر ولا يقرب النساء حتى يأخذ بثأر كليب، ولما كان كليب سيداً لا ند له في قومه، فقد كان الثأر غاليا، وتطلب منه أن يقتل كل سادة بني شيبان وبني بكر بن وائل، فقتل جساساً وأخاه همام بن مرة، ولم يتوقف عند ذلك لأنه رأى أن ليس فيهم رجل واحد عِدلاً مساوياً لكليب فيكتفي به دون الآخرين، يقول المهلهل:

وَأني قدْ تركتُ بوارداتٍ

                                 بُجَيْراً فِي دَمٍ مِثْلِ الْعَبِيرِ

هَتَكْتُ بِهِ بُيُوتَ بَنِي عُبَادٍ

                                وَبَعْضُ الغَشْمِ أَشْفَى لِلصُّدُورِ

وَهَمَّامَ بْنَ مُرَّة َ قَدْ تَرَكْنَا

                                عليهِ القشعمانِ منَ النسورِ

قَتِيلٌ مَا قَتِيلُ المَرْءِ عَمْروٌ

                                 وَجَسَّاسُ بْنُ مُرَّة َ ذُو ضَرِيرِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ

                                 إِذَا خَافَ المُغَارُ مِنَ الْمُغِيرِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ

                                 إِذَا طُرِدَ اليَتِيمُ عَنِ الْجَزُورِ

عَلَى أَنْ لَيْسَ عِدْلاً مِنْ كُلَيْبٍ

                                 إذا ما ضيمَ جارُ المستجيرِ

انتقلت شخصية الزير سالم إلى الدراما الإذاعية والتلفزيونية فعملت منها مسلسلات كثيرة، مزجت حقيقته التاريخية بالحكايات الشعبية حوله.