القاهرة «الخليج»:

لكل طائفة من طوائف المجتمع غناؤها المتعلق بحرفها اليدوية، للفلاحين غناؤهم، وللرعاة غناؤهم، ولأهل البحر والبحارة والصيادين غناؤهم، فكل عمل يؤدى بشكل مستمر ويعتمد عليه الإنسان في كسب قوته، هو حرفة، وكل حرفة تعتمد على الجهد العضلي للإنسان والحيوان هي حرفة يدوية.
وتتلازم نصوص أغاني الحرف اليدوية مع القيام بعمليات الحرفة نفسها، ومع استخدام المجهود العضلي لإنجازها، وقد تعودنا أن نطلق على تلك النصوص أغاني العمل باعتبارها أغانٍ تغنى أثناء القيام بالعمل، لكن درويش الأسيوطي في كتابه «غناء الفلاحين في صعيد مصر» يميل إلى استخدام مصطلح «أغاني الحرف اليدوية» بدلا من «أغنية العمل» لأن هذه التسمية أكثر تعبيراً عن سمات ذلك النوع من الأدب الشعبي، فلا تصلح أغنية عمل ما للتغني بها مع عمل آخر، حتى إن أغاني أعمال داخل الحرفة الواحدة لا تتناسب مع أغانٍ عملية أخرى، إلا إذا تشابها في الإيقاع الحركي، متطلبات ممارسة الحرفة من معارف.
ارتبطت حياة المصري بالنيل منذ وجد نفسه على شواطئه، ومنذ أن ارتبط بالزراعة مهنة له، ودارت حياته رخاء وبؤساً مع ما يحمله ذلك الشريان السخي من ماء وطمي، ويرى الكثيرون أن كل ما ابتدعه المصري من أنشطة وحضارة، كان نتيجة لذلك الصراع القديم مع النهر، وقد عظم نهر النيل في عين المصري حتى أسماه بحراً، ومن النادر أن تجد للنيل اسماً في التراث الشعبي غير بحر النيل، بل إن المصري حينما جعل لكل الأمور العظيمة في حياته رمزا مقدسا، جعل للنيل رمزه المقدس (حابي) وأولاه قداسة تليق بصانع الحياة على هذه الأرض، حتى إنه جعل من الذنوب التي تستحق الحساب أمام مجمع الآلهة والعقاب الأخروي تلويث مياه هذا النيل.
يشير المؤلف إلى أن غناء الفلاحين ارتبط بالأعمال الحرفية التي يمارسها الفلاح المصري طوال العام، بل يمكن القول إن غناء الفلاحين ارتبط بالآلات والأدوات التي استخدمها الفلاح في عمليات الفلاحة، فهناك أغانٍ للمحراث وأخرى للفأس وثالثة للعود وهكذا، وقد رأى المؤلف أن يستعرض تلك الفنون الشفهية بالتوازي مع استعراض للعمليات التي يمارسها الفلاح من البذر والري والحصاد، ويتوقف أمام كل مرحلة وكل آلة مع ما تيسر من الاتصال به من أغاني تلك المرحلة.