«علم التاريخ جليل المقدار، عظيم الأخطار، أنواره على مر الدهور لا تنطفئ، وفوائده الكثيرة على ذوي الأبصار لا تخفى»، صاحب هذا الكلام عاشق آخر للتاريخ في تراثنا العربي الإسلامي، كتب عن التاريخ الاجتماعي بالحماسة نفسها التي دون بها الوقائع والأحداث الجسام، أو التاريخ السياسي، رصد الأمراض والأوبئة والأسعار وأحوال الأسواق ورحلات الحج، بجوار تتبعه لأنباء المعارك ورسائل القادة وأخبار النخبة، هو ابن الحمصي صاحب كتاب «حوادث الزمان ووفيات الشيوخ والأقران» والذي عاش خلال الفترة من 841 إلى 934 ه، ليشهد أفول دولة المماليك وصعود الدولة العثمانية، ويسجل في كتابه أحداث تلك اللحظات المفصلية في تاريخنا.
عن كتابه يقول ابن الحمصي: «جمعت فيه ما يسره الله لي من حوادث الزمان، ووفيات الأعيان من الشيوخ والأقران، منذ مولدي، مفصلاً في كل سنة ما وقع، وحررته وشاهدته، واعتمدته»، ويتبع ابن الحمصي في التأريخ ذكر الحوادث على طريقة الحوليات، يفتتح كل عام بذكر السلطان القائم وحاشيته ومن يتولى الوظائف العليا والقضاء..إلخ، ثم يرصد الجوانب التي يود الحديث عنها في ما بعد،
ينقسم كتاب ابن الحمصي إلى ثلاثة أجزاء، يخصص الأول والثاني لأحداث دولة المماليك، ويفرد الثالث للدولة العثمانية، ويبدو أن هذا الكتاب وضعه صاحبه تلخيصاً لكتاب آخر ضائع بعنوان «التاريخ الكبير»، وعندما يريد أن يحيل قارئه إلى معلومات أكثر تفصيلاً تتعلق بواقعة أو حادثة ما أو ترجمة مستفيضة لأحد معاصريه، يقول: «انظر تاريخي الكبير».
في بداية الكتاب، وتحت حوادث عام 851 ه يكتب ابن الحمصي: «استهلت، يقصد السنة، وسلطان مصر والشام والحجاز السلطان الملك الظاهر جقمق، كان كثير المحبة لأهل العلم والقرآن، والصلحاء والفقراء، يحب من النساخ للقرآن من يكتب المصاحف الكبيرة الحجم، ويكره من يكتبها صغيرة، أهدى له بعض النساخ مُكرماً، مصحفاً، في غاية الكبر، فأجازه بألف دينار، وأهدى له بعض النساخ مُكرماً في غاية الصغر، فأمر بقطع يده، فشُفع فيه».
ويمتلئ الكتاب كذلك بالعديد من الترجمات لعلماء وشخصيات عصره، ولنستمع إليه متحدثاً عن وفاة ابن تيمور لنك: «توفي ملك الشرق شاه رُخ ابن الملعون تيمور لنك، وسيرته أحسن من سيرة أبيه، وكان فيه الميل إلى العلم والعدل، وعساكره كثيرة جداً أكثر من عساكر أبيه، ومملكته متسعة، قابل الله أباه بما فعل، فإن أباه هلك في سابع شعبان سنة سبع وثمانمئة بعلة الإسهال القولنجي، وله تسعة وسبعون سنة، أباد البلاد والعباد وأكثر في الأرض الفساد، دخل البلاد الشامية، فملكها إلا اليسير منها، ودخل دمشق.. ودخل إلى بلاد الروم، فحارب المسلمين بها وترك الفرنج، ودخل الهند قبل ذلك فحارب المسلمين بها وترك الكفار، وعزم آخر عمره على الدخول إلى الصين، فمضى في الشتاء فهلك من عسكره أمم لا يُحصون، فرجع إلى سمرقند، فأخذه أسر البول، يقصد حصر البول، فتمادى به حتى هلك بالقولنج».
محبة العلم
نشأ أحمد بن محمد بن عمر الأنصاري المعروف بابن الحمصي في بيئة علمية، حيث اشتهرت أسرته بمحبتها للعلم وتولى العديد من أقاربه مناصب القضاء والتدريس والإفتاء والخطابة، وذكر هو بعض من ذلك في «حوادث الزمان»، قضى ابن الحمصي معظم سنوات حياته في دمشق، وتربى على أيدي علمائها، وانتظم في حلقات الدرس في المسجد الأموي، وذكر بعض من شيوخه الذين أجازوه، ومنهم: القاضي بدر الدين بن المغربي، وبرهان الدين الزرعي الشافعي، وعندما سافر ابن الحمصي إلى مصر أخذ العلم عن قاضي القضاة زكريا بن الدين الأنصاري، الذي فوض له القضاء نيابة، والخطابة في القلعة، وكان ابن الحمصي يحضر مجالس الأمراء، ومثال ذلك ما أورده عن حضوره عقد قران الأمير طومان باي الدوادار، وتولى مناصب مهمة في الدولة المملوكية، وصاحب أهل العلم وخبر رجال الدولة مما أكسبه ثقافة مميزة وواسعة. ومثل كل مؤرخي عصره، نشعر بنبرة الحزن واليأس نتيجة هزيمة المماليك أمام العثمانيين في موقعتي مرج دابق والريدانية والتي تحولت مصر في أعقابها من دولة مستقلة قوية إلى مجرد ولاية تابعة للسلطان العثماني، وإن كانت نبرته في التعبير عن دخول العثمانيين إلى مصر أهدأ بكثير من ابن إياس الحنفي، أو ابن زنبل الرمال، يقول عن حوادث السنة 923 ه: «استهلت والناس في اضطراب شديد، وأمور الناس غير مستقيمة، بواسطة انقطاع الطرقات، وكثرة القتلى، وورود الخبر إلى دمشق، بأن السلطان سليم شاه بن عثمان وصل إلى مصر»، وعن أحوال الشام نفسها، يقول: «حصل غلاء شديد لكثرة العساكر، وتزايدت الأسعار، حتى بيع الرطل من لحم الضأن بستة عشر درهماً، والزيت بثمانية عشر، والسمن بخمسين، والجبن بأربع وعشرين، والخبز الرغيف الصغير بنصف درهم، وغير ذلك مما يطول شرحه».
لم تكن دولة المماليك تلك الدولة التي تمتاز بالعدل، وهو قيمة مركزية نجدها كامنة في نصوص كل من أرّخوا لهذه الدولة، ولكنها على كل حال كانت أفضل من الدولة العثمانية في العديد من الجوانب، فعساكر هذه الدولة الأخيرة ارتكبوا الكثير من الجرائم التي أوردها ابن إياس وغيره من المؤرخين، ولأن العدل كان يهيمن على هؤلاء المؤرخين، وبرغم أن ابن الحمصي كان على مقربة من المماليك نجده لا يغفل عن التأريخ لمظالمهم ويدينها بأقوى الألفاظ، يقول عن دخول عساكر الدوادار أركماس إلى جامع المزة: «أرسل أركماس داوادار السلطان بدمشق، إلى أهل المزة مماليكاً له، مُلبسة بالسلاح الكامل، ودخلوا إلى جامع المزة والخطيب على المنبر، وهم شاهرون السيوف، فمسكوا جماعة من أهل المزة، وضربوهم بالمقارع، وفرضوا عليهم أموالاً كثيرة، وذلك لأنهم لم يطيعوه، يقصد أركماس، قاتله الله»، أو ضرب أحد المماليك لقاضي قضاة بيروت ويصفها ب«الحكاية المهولة»، فضلاً عن إدانة واضحة لأعمال السلب والنهب التي كان يقوم بها عسكر المماليك بين الحين والآخر، تلك الأعمال التي كانت تؤدي إلى شغب وعنف، وتبشر وقائعها بوقوع الفتن التي كان يمنعها تدخل العلماء أو السلطان نفسه.
وبالنسبة إلى الدولة العثمانية أورد ابن الحمصي مثلاً مرسوم السلطان سليم الأول الذي بعث به إلى دمشق ويتحدث فيه عن إتمام دخوله مصر، ودون في أحداث عام 926 ه ثورة جان بردي الغزالي نائب الشام على العثمانيين، وكيف استقل بالحكم، وأمر بالدعاء له على المنابر، وتجنيده للعسكر لمحاربة العثمانيين، الذين بعثوا بحملة كبيرة قضت على ثورته، وسجل ثورة أخرى قادها أحمد باشا والي مصر للاستقلال بها، يقول في حوادث عام 930 ه: «وصل الخبر إلى دمشق أن الأمير أحمد الوزير نائب مصر تسلطن بها، وضرب الدرهم، والدينار باسمه، ولُقب بالعادل، فلما بلغ نائب الشام، وأمراء دمشق الخبر، انزعجوا لذلك انزعاجاً عظيماً، وحصنوا قلعة دمشق». ولنستمع إلى الأسى الكامن في لهجته لحال البلاد تحت حكم العثمانيين، حيث يقول في أحداث سنة 927ه: «مما تجدد في هذا الشهر، كان يؤرخ بالسنة والشهر واليوم، تزايد الظلم، وخطف النساء من الأسواق، وغيره من القبائح، والله المستعان».
منمنمات تاريخية
في تأريخه للحياة الاجتماعية يزودنا ابن الحمصي بمعلومات وأخبار على قدر كبير من الأهمية، ففي بداية عام 874 ه يكتب عن تفشي مرض الطاعون في الشام ومصر: «تزايد الطاعون في دمشق، ومات منه خلائق لا تعد ولا تحصى، واستمر إلى ثالث شهر، في العام، ولو ذكرت من مات فيه على التفصيل لطال الكتاب».
وعن حريق الجامع الأموي في عام 884 ه يقول: «بلية عظيمة لم يقع نظيرها ولا في فتنة تيمور لنك، وهي أنه حٌرق في ليلة السابع والعشرين من جمادى الآخرة الجامع الأموي بدمشق من أوله إلى آخرة ولم يسلم منه سوى مشهد النايب المعروف بسيدنا عثمان، ومشهد الشيخ خطاب المعروف بسيدنا علي بن الحسين رضي الله عنهما، وأحرقت المنارة الغربية، وسقط رأسها على رجل فمات، وأُحرق سوق الأخفافيين، وسوق العنبرانيين، وسوق الحريريين، وسوق التجار، والحباكين، وسوق الذراع، والصاغة، وذهبت للناس في تلك الليلة أموال، ونهبت حواصل، ودكاكين وغير ذلك، وكانت ليلة منكرة فظيعة تقشعر من ذكرها الجلود»، ويتحدث عن مشاركته الناس في محاصرة الحريق بالقول: «وكنت حاضراً لغالب هذه الأمور، أنقل البُسط أنا ورفاقي إلى صحن الجامع، وأستثير الناس على حملهم من داخل الجامع إلى الصحن، وأمرت بفك المنبر لما قربت منه النار، وحمل المصحف العثماني إلى الخارج»، ثم يعدد أسباب حريق المسجد ونقرأ هنا العديد من المواقف المؤثرة: «وكان ملك الأمراء قانصوه اليحياوي، قبل الحريق بشهرين قد جدد الرخام في الحائط القبلي للمسجد، وذهبه من أوله إلى آخره، فلما وقع الحريق تساقط التذهيب وصار كالملح يذوب، وذهبت محاسن الجامع.. وكان عند الناس عزاء عظيم وبكاء، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم».
ورصد ابن الحمصي الأحوال المناخية والظواهر الفلكية في مصر والشام، فتحدث عن كسوف الشمس وخسوف القمر، وسقوط الأمطار والبرد والصقيع، فكتب في أحداث عام 916ه: «وقع بدمشق مطر كثير، وبرد ورعد لم يسمع نظيره، حتى قال الناس: قامت القيامة، وحصل منه ضرر كبير».
ويرسم ابن الحمصي في الكتاب صورة معبرة للأحوال الاقتصادية في مصر وبلاد الشام، فكتب عن التجارة، والأسواق وأسعار المحاصيل والسلع، والمعادن: الذهب والفضة والنحاس، فضلاً عن المكاييل والموازين، وكل ما يهم الناس في حياتهم اليومية، ليربط من خلال كل ذلك بين استقرار المجتمع وأمانه وبين العدل، هو يسير على درب سلسلة ذهبية من مؤرخينا العظام، سلسلة كانت تؤمن بالعلاقة العضوية والضرورية بين التأريخ والأمانة والموضوعية في رصد الحدث، حتى وإن كان يبدو هذا الرصد «مقتطفات من هنا وهناك» كما يحلو لبعض المعاصرين وصف هؤلاء المؤرخين، وربما يعود ذلك إلى غياب الفضاء الأيديولوجي الصارم في تلك الأزمنة، الذي يدفع إلى تبني وجهة نظر معينة وإهدار وجهات النظر الأخرى بما يؤثر بالسلب في تناول المؤرخ للحدث التاريخي، وربما يعود أيضاً إلى نشأة علم التاريخ في الحضارة العربية الإسلامية من رحم علم الحديث، وتوخي المحدث والمؤرخ للأمانة بسبب التبعات الأخلاقية والدينية للكذب، ولكن في كل الأحوال، يبقى كتاب مثل «حوادث الزمان» مفيداً لمن أراد التعرف إلى الأسباب الثقافية والاجتماعية التي تؤدي إلى أفول الدول، فضلاً عن متعة قراءة الحياة الاجتماعية للبشر.