تذكرت من يبكي علي فلم أجد
سوى السيف والرمح الرديني باكيا
صريع على أيدي الرجال بقفرة
يسوون قبري حيث حم قضائيا
ولما تراءت عند مرو منيتي
وخل بها جسمي وحانت وفاتيا
أقول لأصحابي ارفعوني فإنني
يقر بعيني أن سهيل بدا ليا
خذاني فجراني ببردي إليكما
فقد كنت قبل اليوم صعباً قياديا
وبالرمل منا نسوة لو شهدنني
بكين وفدين الطبيب المداويا
فمنهن أمي وابنتاها وخالتي
وباكية أخرى تهيج البواكيا
هذه الأبيات مقتطفات من قصيدة شاعر قالها حينما دنت منيته إثر لدغة أفعى، وهي قصيدة تقع في اثنين وستين بيتاً مطلعها:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
صاحب هذه القصيدة كان لصاً ثم تاب والتحق بجيش ابن عفان الذي ذهب للفتح، وتعتبر القصيدة من شعر الفتوح الإسلامية الذي يعد سجلاً مهماً، ووثيقة تاريخية، ومرجعاً وجدانياً، بالغ القيمة في الكشف عن عواطف الفاتحين وظروف حياتهم.
وقد أذكى شعر الفتوح جذوة الشعر العربي، وفتح أمام الشاعر أبواباً عديدة، وتلاحقت الفروسية والشعر فأنتجت شعراً صادقاً، كما أحدثت البيئات الجديدة أثرها، وولد الحنين إلى الأوطان والأهل عاطفة صادقة ملتهبة، وقد جمع هذا الشعر بين الطابعين الجاهلي والإسلامي، وامتزج بالاثنين الطابع الشعبي المفعم بأحاديث البطولة وقصص الفرسان.
أما صاحب هذه القصيدة التي نالت شهرة واسعة، ونسجت حولها الأساطير، فهو مالك بن الريب من بني مازن بن عمرو بن تميم، وكنيته أبو عقبة، نشأ في بادية بني تميم بالبصرة، وتزعم طائفة من اللصوص، وامتد نشاطه إلى مكة وأطرافها، وما لبث أن لحق بسعيد بن عثمان بن عفان، بعد أن عاهد على نبذ اللصوصية، فيغنيه سعيد، وقد مات ابن الريب بعد ذلك بقليل في طريق عودته إلى وطنه، وقيل إن سبب موته ناتج عن أفعى لسعته.
موضوع القصيدة الرئيسي رثاء نفسه، لكن مالكاً الفارس الفاتك الشاعر، ذا النفس المتمردة التي اعتادت الخروج على كل رتيب، قد رسم في هذه المرثية صورة لنفسه عبر تحولاته المختلفة، رسم صورة تذكرنا بحديث فرسان الشعراء الجاهليين ورسم انصياعه لأوامر الله بالخروج للجهاد، رسم ضعف نفسه كذلك ، فطلب من يبكي عليه، وأحس بالوحشة، فوجد الأنيس في سيفه ورمحه وفرسه، وتذكر روحه المغامرة التي شكلت الطابع العام في حياته كلها، ولم ينس نغمات الحب والحنين، فصور الحب الحقيقي الذي يداعب قلوب الفرسان، إلى آخر ما في القصيدة من علامات ومعانٍ، لذا، طبقت شهرة القصيدة الآفاق، ولعل من أسباب ذلك انتقال قائلها من نقيض إلى نقيض.
تملكت ابن الريب أحاسيس عارمة بالغربة التي لا لقاء بعدها، غربة الموت، وهذا هو النغم العام في القصيدة كلها، غربة بعيدة لا رجعة منها، ممتزجة بحنين وشوق عارمين إلى الوطن والأهل.
وعندما أيقن الشاعر بهلاكه يقدم لصاحبيه وصية، فيطلب منهما بعد إعلامهما بأن الموت قد دنا، ليترك برابية لأنه مقيم هنا ( قبره)، ويرجو أن يقيما عليه يوما أو بعض ليلة ولا يعجلاه، وإذا ما استلت روحه فليهيئا له السدر ليزرعاه على قبره، والأكفان ثم ليبكيا عليه، وليحفرا بأطراف أسنة الرماح قبره، وأن يبقيا عليه رداءه، وليوسعا له قبره، وأخيراً ليأخذاه ويجراه ببردته جراً، فقد كان قبل اليوم صعب القياد، وإنما اختار الجر بالبردة لأن فيها حركة بديلة لموكب الجنازة الذي يليق به، إنها صورة مفصلة مؤلمة لمشهد الإعداد للدفن حتى يوارى الميت التراب، وقد نصف ذلك لآخرين، ولكن أن يصفه الشاعر لنفسه ويطلب تنفيذه، وهو موقن بأنه هالك فذلك ما لا يحتمل.