القاهرة «الخليج»:
لم تحظ الشخصية في أعمال نجيب محفوظ الروائية أو القصصية، بصفة عامة، إلا بعملين مستقلين، وبعض المقالات في الدوريات، هذان العملان هما «المنتمي» لغالي شكري، وهو دراسة لشخصيات محفوظ الرئيسية في رواياته، ومدى انتمائها إلى الواقع فكرياً واجتماعياً، وبالطبع فإن تحميل الشخصيات رؤى ومضامين، من خلال أقوالهم وسلوكاتهم، كان مطعماً برؤية غالي شكري نفسه.
أما العمل الثاني فهو للدكتور بدري عثمان حول «بناء الشخصية الرئيسية في روايات نجيب محفوظ» وهو رسالته للدكتوراه، وبجانب تركيزه على الشخصية الرئيسية، فإنه ينحو منحى بنيوياً، يركز على لغة الشخصيات الرئيسية، في إطار مقولات نظرية السرد الروائي، كما يقف عند نماذج يراها تمثل حجر الزاوية في بناء هذه الشخصيات. وقد خصصت مجلة الهلال في العام 1970 عدداً كاملاً لنجيب محفوظ، تضمن حواراً معه حول بعض الشخصيات الثانوية النسائية في أعماله، وما تمثله من رؤية فكرية للكاتب حول انحراف بعض شخصياته وتعاطفه معها، ويذهب البعض إلى أن الشخصية الثانوية مجرد عوامل مساعدة للشخصية الرئيسية، تساعد البطل في سلوكه وتصرفاته، بل وفي رؤاه الفكرية، ومع ذلك لم تحظ هذه الشخصيات الثانوية بالاهتمام.
وهذا ما لفت انتباه «محمد علي سلامة» فأصدر كتابه «الشخصية الثانوية ودورها في المعمار الروائي عند نجيب محفوظ» عن المجلس الأعلى للثقافة، وفيه يؤكد أنه: «من خلال معايشتي لأدب نجيب محفوظ الروائي بصفة خاصة، وجدت أن الأمر يستحق وقفة بحثية، حول شخصياته الثانوية، بعد أن أدركت من خلال القراءة المتأنية، أنها لا تمثل عوامل مساعدة للشخصية الرئيسية فقط، بل إنها لا تقل خطورة عنها».
وكانت الهيئة المصرية العامة للكتاب قد أصدرت كتاباً بعنوان «نموذج الشخصية الدينية في إبداع نجيب محفوظ القصصي»، انتهى إلى أن الكاتب الكبير طرح رأيه في المسألة الدينية، ليس فقط في ما جاء على لسان بعض شخصياته الرئيسية، بل أظهره بصورة أوضح عبر رسمه للشخصيات الثانوية، التي تنتمي إلى الفكر الديني، وانتهى أيضاً إلى أنها تعبر بوضوح عن تطور رؤية نجيب محفوظ، عبر مراحل تطور أعماله الروائية.
يقول المؤلف: «بعد المعايشة البحثية لأعمال نجيب محفوظ وجدت أن الشخصية الثانوية تلعب دوراً مهماً في البناء الفني للروايات، والأمر يحتاج إلى بحث مستقل وموسع، يتناول هذا الموضوع ويبرز هذا الدور، الذي ربما كان الأساس في البناء الفني، وليس مجرد الرؤى الفكرية».
ولتحقيق هذا الهدف بدأ المؤلف كتابه بمدخل عن الشخصية ودورها في بناء الرواية، باعتبارها العمود الفقري له، إذ من خلال الشخصية تتكون الأحداث وتتشابك وتتضح الرؤى سواء كانت الشخصية رئيسية أو ثانوية، وأتبعه بالفصل الأول عن الشخصيات الثانوية بين الكم والكيف، مستعرضاً توزع الشخصيات بين شخصيات ثانوية تلعب دوراً كبيراً، وأخرى تلعب دوراً صغيراً، ومع هذا فإن الدور الذي تلعبه الثانية، لا يقل أهمية عن فكرة الأنماط والنماذج، ما يجعل فكرة الترابط في إنتاج نجيب محفوظ كله قائمة، حيث يمكن عده وحدة واحدة متكاملة.