شيماء المرزوقي

«اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً» لابد أن هذا القول تردد على أذهاننا كثيراً، غير أن البعض يعمل بالشطر الأول دون أن يتعمق في جوهر الشطر الثاني.
هذا لأن نتائج الأعمال للدنيا ملموسة، بينما الغيبيات غير محسوسة، وهذا ما يجعلنا ننسى حقيقة وجودها.
إن الموت حقيقة فرضت على البشرية، إلا أننا نتجنب التعامل معها باستسلام، وأعني في ذلك أننا نتهرب من استيعاب حقيقة أننا جميعاً ميتون. نعمل في هذه الدنيا مطاردين أحلامنا التي نوجه لها كل تركيزنا وقدراتنا دون أن نتوقف للحظة ونسأل: «لماذا اخترت أن أفعل كذا وكذا؟» أو «ما الغاية من هذا كله؟» أسئلة كهذه تبدو مرعبة، لأنها وجيهة وبسيطة جداً، ولكن للأسف، نادراً ما تلقى إجابة لها.
متى بدأت هذا السباق المحموم؟ ولأجل ماذا؟ لأجل ماذا انخرطت وسط المجتمع وكوّنت لنفسك جبالاً شاهقة من الغايات التي تتسلق لأجلها؟ والسؤال أكثر خطورة هو «هل الأقدار تعبأ بهذه الإنجازات الجبارة والجهود المبذولة والطموحات الشاهقة؟ هل الموت يختار طريقة عظيمة لإنهاء حياتنا تتناسب مع عظمة أملاكنا ومناصبنا؟ هل شفعت تلك المطاردة المحمومة خلف الدنيا لنيل ميتة مشرّفة في نهاية المطاف؟». ماذا لو توقفت عن الجري لبرهة، وسألت نفسك هذه الأسئلة؟ هل تداعت كل تلك البيوت القطنية التي بنيتها دون بصيرة ظناً منك أنها قلاع فولاذية؟ وهل استوعبت الحقيقة التي نعرض عنها لأنها لا تتناسب مع أحلامنا الدنيوية؟ ما أحاول قوله هو أن لا تنجرف خلف رغباتك دون أن تسأل نفسك لماذا؟ وما الهدف؟ وما الغاية؟ إن شعرة خفيفة تفصل بين تحول الأحلام لمطامع وتبدل الغايات لجشع.
أتيلا الهوني الذي أسس في إقليم روسيا وأوروبا إمبراطورية كبيرة الاتساع، عاصمتها هي ما تسمى المجر اليوم، والذي يُعد أقوى رجال الإمبراطوريات في أوروبا، وملكاً متغطرساً جبّاراً لا يعرف الرحمة لمن يخالفه، عاش حياة ملكية، وترفاً باذخاً من خدم وكنوز وأموال، رجل أسس إمبراطورية في حاضرها كانت تسود العالم، وفي حاضرنا تحتل حيّزاً تاريخياً لا يستهان به. أتيلا الهوني في نهاية المطاف مات بسبب نزيف في الأنف.
فكر معي في أن يقتلك الرعاف. هل الأقدار حقاً تعبأ بمكانتنا الدنيوية ومناصبنا؟ وهل نحن مستعدون لمواجهة قدرنا المحتوم بشجاعة؟

[email protected]
www.shaimaalmarzooqi.com