إعداد: محمد إسماعيل زاهر

«وأقمنا بالجرجانية أياماً وجمد نهر جيحون، من أوله إلى آخره، وكان سمك الجمد سبعة عشر شبراً، وكانت الخيل والبغال والحمير والعجل تجتاز عليه كما تجتاز على الطرق وهو ثابت لا يتخلخل فأقام على ذلك ثلاثة أشهر، ورأينا بلداً ما ظننا إلا باباً من الزمهرير قد فتح علينا منه ولا يسقط فيه الثلج إلا ومعه ريح عاصف»، هكذا يصف الرحالة أحمد بن فضلان بلدة الجرجانية ونهر جيحون، ومناخ شديد البرودة لم يألفه ذلك الرحالة القادم من بغداد في بدايات القرن الرابع الهجري، ويعد أول عربي يكتب عن الروس وعاداتهم وتقاليدهم.
بدأت رحلة ابن فضلان في عام 309 ه بتكليف من الخليفة العباسي المقتدر بالله، وذلك عندما طلب منه ملك الصقالبة أن يرسل إليه بعثة تعرفه إلى الإسلام، وتبني له مسجداً، فضلاً عن حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له، فأرسل له الخليفة وفداً يتكون من أربعة رجال أساسيين، منهم أحمد بن فضلان ذلك الذي ستتحول رحلته إلى رواية شهيرة بعنوان «أكلة الموتى» لمايكل كرايتون، وفيلم «المقاتل الثالث عشر».
المعلومات عن صاحب الرحلة شحيحة للغاية، وهناك خلاف حول اسمه هل هو أحمد أم محمد، وخلفيته الثقافية أو حتى مركزه ودرجة قربه من البلاط العباسي، وظل الاعتقاد لفترة طويلة أن ياقوت الحموي هو الوحيد الذي أشار إليه في «معجم البلدان» بالقول: «وقرأت رسالة عملها أحمد بن فضلان بن راشد بن حماد مولى محمد بن سليمان رسول المقتدر بالله إلى ملك الصقالبة، ذكر فيها ما شاهده منذ انفصل من بغداد إلى أن عاد إليها»، وقام ياقوت أيضاً بنشر عشرين صفحه من الرسالة في مواضع مختلفة تحدث فيها عن «خوارزم، باشغرد، بلغار، روس وخزر»، وظل هناك اعتقاد آخر أن الإصطخري والمسعودي قد قرأوا رسالة ابن فضلان ونقلوا عنه ما أورده عن الروس والخزر والبلغار، ولكن لا يوجد ما يؤكد ذلك، إلى أن انتشر كتاب القزويني «آثار البلاد وأخبار العباد» حيث يقول فيه: قال ابن فضلان في رسالته «رأيت جيحون وقد جمد سبعة عشر شبراً».
لقد ظلت رحلة ابن فضلان إشكالية على المستويات كافة، فعندما تقرأ لبعض من يكتب عن سبب هذه الرحلة ستجد رؤى تشتط في قراءاتها الفكرية الخاصة، فمثلاً يذهب بعضهم إلى أن سبب الرحلة هو إجابة عن سؤال وجهه ملك الصقالبة إلى الخليفة المقتدر يستفهم فيه عن سر جاذبية الإسلام وانتشاره بهذه السرعة في معظم أنحاء الأرض، ولكن أحمد بن فضلان يقول في بداية الرسالة: «لما وصل كتاب أمش بن يلطوار ملك الصقالبة إلى أمير المؤمنين المقتدر يسأله فيه البعثة إليه ممن يفقهه في الدين ويعرفه شرائع الإسلام ويبني له مسجداً، وينصب له منبراً ليقيم عليه الدعوة له في بلده، وجميع مملكته، ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له، فأجيب إلى ما سأل من ذلك».
تكون وفد الرحلة من ابن فضلان وعبد الله بن باشتو الخزري، رسول ملك الصقالبة إلى المقتدر، والرسول من جهة هذا الأخير سوسن الرسي، وتكين التركي وبارس الصقلابي وقصدت بلاد الصقالبة، وهم سكان شمال القارة الأوروبية وكانوا يسكنون على أطراف نهر الفولغا وتقع عاصمتهم بالقرب من مدينة قازان اليوم في خط يوازي موسكو. وحاول مايكل كرايتون أن يصور في روايته أن الرحلة تجاوزت نهر الفولغا ووصلت إلى البلدان الاسكندنافية وخاصة السويد.
استغرقت الرحلة أحد عشر شهرا في الذهاب وتميزت بالصعوبة والانفتاح على ثقافات مغايرة و عادات وتقاليد وسلوكيات أخرى، ويتسم سرد ابن فضلان بالبساطة والسلاسة وتلك الدهشة التي تتسلل بين سطوره كلما وقعت عيناه على كل ما هو غريب أو غير مألوف في العديد من البلدان التي مرت بها الرحلة، منها الدراهم المزيفة و طرائق السفر على ظهر الجمال وفي الأنهار، وتعليقاته على اختلاف أحوال المناخ، وانطباعاته عن أفكار البشر وتصرفاتهم، بحيث تتحول الرحلة/‏ الوثيقة الصغيرة التي لا تتجاوز الثلاثين صفحة إلى مادة دسمة للتعرف إلى مناطق نائية في العالم آنذاك، وثيقة في الجغرافيا و العقائد، وثيقة تصور ذلك الجدل المبكر بين الأنا والآخر، فضلاً عن امتاعيتها بوصفها تنتمي إلى أدب الرحلة.
«ولقد رأيت الأرض تنشق فيها أودية عظام لشدة البرد، وإن الشجرة العظيمة العادية لتنفلق بنصفين لذلك، فلما انتصف شوال من سنة تسع وثلاثمئة أخذ الزمان في التغير، وانحل نهر جيحون، وأخذنا نحن ما نحتاج إليه من آلة السفر، واشترينا الجمال التركية، واستعملنا جلود الجمال لعبور الأنهار التي نحتاج إلى أن نعبرها»، هي الأنهار التي نصادفها بكثرة في رسالة ابن فضلان ومنها نهر يغندي و جام و جاخش وأذل وأردن ووارش وأختي ووتبا.
وفي رحلته تتعدد مشاهداته للقبائل التركية ولم تكن قد دخلت الإسلام «ووقفنا في بلد قوم من الأتراك يقال لهم الباشغرد فحذرناهم أشد الحذر وذلك أنهم شر الأتراك وأشدهم إقداماً على القتل، يلقى الرجل الرجل فيفزر هامته ويأخذها ويتركه، وهم يحلقون لحاهم ويأكلون القمل»، « ومنهم من يزعم أن له إثني عشر ربا.. ورأينا طائفة منهم تعبد الحيات، وطائفة تعبد السمك، وطائفة تعبد الكراكي»، وبحس المسلم السليم يقول ابن فضلان معلقاً «تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً»، وهؤلاء يختلفون عن البنجاك «ثم صرنا بعد ذلك إلى البنجاك وإذا هم نزول على ماء شبيه بالبحر غير جار، وإذا هم شديدو السمرة، وإذا هم محلقوا اللحى، فقراء خلاف الغزية، قبيلة تركية أخرى، لأني رأيت من الغزية من يملك عشرة آلاف دابة ومئة ألف رأس من الغنم».
بعد مرور الرحلة ببلاد بالعديد من الأقوام تصل إلى بلاد الصقالبة، وطريقة استقبال الملك وحاشيته لرسل الخليفة المقتدر تؤكد دخولهم في الإسلام «فلما كنا من ملك الصقالبة وهو الذي قصدنا على مسيرة يوم وليلة وجه لاستقبالنا الملوك الأربعة الذين تحت يده، وإخوته وأولاده، فاستقبلونا ومعهم الخبز واللحم، وساروا معنا فلما صرنا منه على فرسخين تلقانا هو بنفسه، فلما رآنا نزل فخر ساجدا شكرا لله جل وعز وكان في كمه دراهم فنثرها علينا ونصب لنا قباباً فنزلناها»، بعد ذلك يسرد ابن فضلان وقائع لقاء الوفد بالملك ورجال دولته وانطباعاته عن قوم حديثي عهد بالإسلام: شريعته وآدابه وقواعده.

إمتاعية المشاهدة

تصل الغرائبية في الرحلة مداها في بلاد ملك الصقالبة وربما شحذ المشهد التالي خيال كاتب رواية آكلة الموتى و صناع فيلم «المقاتل الثالث عشر»: «ورأيت في بلده من العجائب ما لا أحصيها، من ذلك أن أول ليلة بتناها في بلده رأيت قبل مغيب الشمس بساعة قياسية أفق السماء وقد احمرت احمراراً شديداً وسمعت في الجو أصواتاً شديدة وهمهمة عالية فرفعت رأسي فإذا غيم أحمر مثل النار قريب مني، وإذا فيه أمثال الناس والدواب، وإذا في أيدي الأشباح التي فيه وتشبه الناس رماح وسيوف أتبينها وأتخيلها، وإذا قطعة أخرى مثلها أرى فيها أيضاً رجالاً ودواباً وسلاحاً فأقبلت هذه القطعة تحمل على تلك كما تحمل الكتيبة على الكتيبة ففزعنا من ذلك وأقبلنا على التضرع والدعاء، وهم يضحكون منا ويتعجبون من فعلنا، وكنا ننظر إلى القطعة تحمل على القطعة فتختلطان جميعاً ساعة ثم تفترقان فما زال الأمر كذلك ساعة من الليل ثم غابتا، فسألنا الملك عن ذلك، فزعم أن أجداده كانوا يقولون: إن هؤلاء من مؤمني الجن وكفارهم وهم يقتتلون في كل عشية وإنهم ما عدموا هذا منذ كانوا في كل ليلة».
وتستمر مشاهدات ابن فضلان في بلاد الصقالبة: «ورأيت القمر لا يتوسط السماء، بل يطلع في أرجائها ساعة ثم يطلع الفجر، وحدثني الملك أن وراء بلده بمسيرة ثلاثة أشهر قوم يقال لهم ويسو الليل عندهم أقل من ساعة»، و«رأيتهم يتبركون بعواء الكلب ويفرحون به»، و«رأيت الحيات عندهم كثيرة حتى أن الغصن من الشجرة لتلتف عليه العشرة منها والأكثر ولا يقتلونها ولا تؤذيهم».
تتغير طبيعة العين في ملاحظاتها فمن الغريب والمدهش والخلاب في بلاد الصقالبة إلى التعليق الساخر وربما المستهجن والرافض للسلوكيات في بلاد الروس، سلوكيات تتعلق بأساليب الطعام والشراب والنظافة ورؤيتهم للمرأة وعلاقتهم بها ووضعها في المجتمع، فضلا عن طقوس المرض «وإذا مرض الواحد منهم ضربوا له خيمة ناحية عنهم وطرحوه فيها وجعلوا معه شيئا من الخبز والماء ولا يقربونه ولا يكلمونه، في كل أيام مرضه لا سيما إن كان ضعيفا أو مملوكا، فإن برىء وقام رجع إليهم، وإن مات أحرقوه فإن كان مملوكا تركوه على حاله تاكله الكلاب وجوارح الطير».
لا تختلف العين في التقاطاتها في بلاد الخزر كثيرا عن بلاد الروس «وإذا ركب هذا الملك الكبير، ملك الخزر، ركب سائر الجيوش لركوبه، ويكون بينه وبين المواكب ميل فلا يراه أحد من رعيته إلا خر ساجدا له لا يرفع رأسه حتى يجوزه»، «وإذا مات ودفن، يقصد ملك الخزر، ضربت أعناق الذين يدفنونه حتى لا يدرى أين قبره»، و «رسم ملك الخزر أن يكون له خمس وعشرون امرأة منهن ابنة ملك من الملوك الذين يحاذونه يأخذها طوعا أو كرها».
اهتم الاستشراق وخاصة الروسي برحلة ابن فضلان، ففي عام 1817 عُثر على قسم من مخطوطة الرحلة في روسيا، نشرته أكاديمية سان بطرسبرغ باللغة الألمانية في عام 1923، وفي عام 1924 عثر مهاجر روسي متخصص في الدراسات الشرقية على مخطوطة للرحلة في مدينة مشهد الإيرانية، هذه المخطوطة حققت وتُرجمت في عام 1939 تحت إشراف وتعليق المستشرق الروسي كراتشكوفسكي، وفي عام 1976 صدر كتاب/‏ رواية «أكلة الموتى»، وحاول مؤلفه مايكل كرايتون الإيحاء للقارئ أنه ينشر ترجمة للمخطوطة الأصلية لابن فضلان، فضلاً عن الكثير من الدراسات الأدبية والفكرية التي رصدت الرحلة ووقائعها وما تختزنه من أفكار ورؤى لمشاهدات ذلك الرحالة من بغداد الذي يزور بلاد الصقالبة والروس والخزر في بدايات القرن الرابع الهجري وتثير رؤاه كل هذا الزخم، وتتحول مشاهداته إلى فضاء اعتمد عليه البعض في دراسة الأساطير والمعتقدات والعادات والتقاليد وذلك الجدل الذي لا ينتهي بين الأنا والآخر.