«السيف أصدق إنباءً من الكتب» هو بداية مطلع لقصيدة مشهورة عرفت بهذا، واشتهرت بين قراء ودارسي الأدب العربي، وتعاطاها الناس على مرّ العصور، مجددين بها ذكرى ملحمة لا تزال ترويها الأجيال، وقد وثقتها قريحة شاعر فاق شعراء زمانه وبزهم في ميادين الشعر، وحاز من الرياسة ما لم يحزه غيره، هو أبو تمام حبيب بن أوس الطائي، المتوفى عام 232ه، فقد جمع في هذه القصيدة بين رفعة المعنى وشرفه، وكونه يلامس قضية حسّاسة لكل عربي مسلم في ذلك الزمان، وعلى مر الأزمان، فقد انتهكت كرامتهم، وكان لابد من هبّة لاسترجاع تلك الكرامة، وكان أبو تمام حاضراً لتلك الهبّة مراقباً لكل تفاصيلها، منذ البداية إلى النهاية، واستقرت صور ما جرى في ذهنه، فأبدع لها أجمل الأوصاف واختار لها أحسن العبارات.
كانت عمورية مدينة بيزنطية مزدهرة، وكانت تلي حدود المسلمين، وكان البيزنطيون يشنون منها الغارات على بلاد المسلمين، وتروي كتب التاريخ أن روميّاً من أهل عمورية اعتدى على امرأة عربية من أصول هاشمية تدعى «شراة العلوية»، فصاحت (وامعتصماه) مستنجدة بالخليفة العباسي المعتصم بالله، فسخر منها الرومي، ووصل ذلك إلى المعتصم فأقسم أن ينصرها، وغزا بلاد الروم وفتح عمورية وأسر الرومي وأحضر المرأة لتأخذ حقها منه، وكان قبل الغزو قد نصحه بعض المنجمين بالانتظار حتى يكون موسم نضج التين والعنب، لأنه لن يستطيع فتح عمورية قبل ذلك، لكنه لم يستمع لنصيحتهم، وغزاها وانتصر، فأنشد أبو تمام في ذلك بائيته هذه.
ازدهى أبو تمام بهذه النصر، ويبدو من طريقة وصفه أنه كان حاضراً في ميدان المعركة يشاهد ما يحدث، ويرى صور المعركة تتابع متجهة إلى النصر، وقد أذكى ذلك حماسته فانفجر منه سلسال الشعر متراقصاً خلاباً، عبر أبيات تتدافع في نفس واحد لا يترك للمتلقي فرصة التقاط أنفاسه من قوة ما يجذبه من المعاني والصور المتتابعة، كأنها شريط سينمائي يبث أمام عينيه، وقد اعتمد في صناعة المعنى والصورة على التناقض الذي يخلق الصراع الدرامي الجاذب، وأسس هذا التناقض على معنى ضمني هو التناقض بين الإسلام الذي يمثل الخير والعزة، وبين العدو الذي يمثل الشر والهزيمة، ثم طفق يفرع من هذا المعنى معاني أخر، ومتضادات لا يخرج من واحدة منها إلا ليدخل في الأخرى، وهذا الصراع الدرامي المتواتر ظل الحبلَ الخفي الذي يشد القارئ للقصيدة، فلا يخبو انجذابه إليها حتى نهايتها، وكانت أداة أبي تمام لصناعة المفارقة الضدية هي اللغة والصورة الشعرية، فمن ناحية اللغة، نشاهد تلك المقابلة منذ البداية بين المفردات المتعلقة بالتنجيم وكتبه، وبين المفردات المتعلقة بالسيف وأفعاله، كما نشاهد الطباق بين الظلمة والنور التي يسترسل فيها عبر أبيات متعددة تقدم صورة رهيبة لذلك الحريق الهائل الذي أحدثه المعتصم في عمورية، ويتركنا، عن قصد، حائرين في تمييز الليل من النهار (فالشمسُ طالعة من ذا وقد أفلتْ/والشمسُ واجبة من ذا ولم تجبِ).
إنها واحدة من عيون الشعر العربي، ومن خزائن العزة والكرامة العربية، وملحمة نشاهد ونحن نقرأها أعراف خيل المعتصم، وسيوف جيشه، ومجانيقه تصبب الحمم على الغزاة، وتدك حصونهم، وتتقدم داخل المدينة لتصنع النصر وتعيد للمسلمين كرامتهم التي انتهكها الغزاة، يقول أبو تمام من قصيدته:
فالشَّمْسُ طَالِعَةٌ مِنْ ذَا وقدْ أَفَلَتْ
والشَّمسُ واجبةٌ منْ ذا ولمْ تجبِ
ما ربعُ ميَّةَ معموراً يطوفُ بهِ
غَيْلاَنُ أَبْهَى رُبىً مِنْ رَبْعِهَا الخَرِبِ
ولا الْخُدُودُ وقدْ أُدْمينَ مِنْ خجَلٍ
أَشهى إلى ناظِري مِنْ خَدها التَّرِبِ
لوْ يعلمُ الكفرُ كمْ منْ أعصرٍ كمنتْ
لَهُ العَواقِبُ بَيْنَ السُّمْرِ والقُضُبِ
تَدْبيرُ مُعْتَصِمٍ بِاللَّهِ مُنْتَقِمٍ
للهِ مرتقبٍ في الله مُرتغبِ
ومُطعَمِ النَّصرِ لَمْ تَكْهَمْ أَسِنَّتُهُ
يوماً ولاَ حُجبتْ عنْ روحِ محتجبِ
لَمْ يَغْزُ قَوْماً، ولَمْ يَنْهَدْ إلَى بَلَدٍ
إلاَّ تقدَّمهُ جيشٌ من الرّعُبِ
لوْ لمْ يقُدْ جحفلاً، يومَ الوغى لغدا
منْ نفسهِ وحدها في جحفلٍ لجبِ