تحقيق: محمد الدويري

أمام فرص مجالات الاستثمار العديدة التي تتيحها الدولة للمستثمرين «الوافدين» ومشاركتهم الموكلين الإماراتيين من خلال منحهم تراخيص لممارسة أعمالهم طبقاً لبنود القانون بغية قيام منشأة، تجارية كانت أو صناعية، لوافد يرغب في أن يستثمر بالدولة أمواله، ونظراً للتسهيلات والمميزات الاستثمارية المقدمة له، في غفلة يجد الموكل «المواطن» نفسه متورطاً في قضية أمام المحاكم لقيام الوكيل باستخدام التوكيل الممنوح له من دون علمه فيجد الموكل نفسه في ورطة بوقوعه في قضية نصبها له الوكيل لجهل الآخر بالقانون، ونتيجة سوء نية الوكيل له، لتتراكم الديون المالية التي أغرقته في مياه المخالفات والغرامات من دون أن يعلم، لتثقل كاهله ويتوه في مغبة الثقة التي تلاشت بسرعة الريح من دون أي إشعار بذلك.
قضايا عدة تنظرها أروقة محاكم رأس الخيمة لسوء نية المكفول للكفيل، نتناول نماذج من الضحايا وردود القانونيين في تلك القضايا.
قال المواطن (ع.س.ع) متهم في القضية الاستئنافية رقم (352/2015) في إحدى محاكم الدولة، التي أصدرت هيئة المحكمة الموقرة حكماً بإدانته، نظراً لقيام الوكيل باستخدام التوكيل الممنوح له في استقدام عمال على كفالة المنشأة، ولم يقم الوكيل بتوفيق أوضاعهم داخل الدولة ما نتج عن تصرفه تقدم دائرة العمل بشكوى ضد الأصيل (الموكل) باعتباره مالكاً للمنشأة، والذي كان خارج الدولة بناء على دلائل تثبت ذلك وقت توقيع الوكيل على عقود المكفولات، ولا علم له على الإطلاق بوجود العمالة المكفولة، الذين استقدمهم الوكيل على المنشأة، ورغم ذلك صدر الحكم عليه بغرامة مالية تبلغ 300 ألف درهم، وبراءة الوكيل من التهمة، لعدم توفيق أوضاع العاملين على المنشأة، مع العلم بأن الموكل لا يعلم بوجود مكفولين على المنشأة، ولم يوقع على أي من عقودهم بحسب قوله.

وأوضح أن ما حصل معه من تراكم مالي كبير على عاتقه، بسبب جهله لبنود القانون الذي يحفظ حقه، ويقيه من شر الوقوع في شرك المخالفات الناتجة عن منح وكالة مفتوحة لمستثمر بناء على الثقة العمياء، من دون التدقيق على التصرفات المالية والإدارية للمنشأة، ما أسفر عن سجنه وتغريمه مبالغ مالية كبيرة، وفقدانه عمله. 

وفي حالة أخرى قضت إحدى محاكم الدولة في القضية الاستئنافية رقم (402، 391 /2015 ) والمتهم فيها مواطن يدعى (ع. م. س) بالإدانة بغرامة مالية تبلغ 50 ألف درهم.
وفي تفاصيل هذه القضية حرر المواطن توكيلاً لآخر بغرض أداء عمل محدد، إلا أن الأخير قام بتحرير توكيل لثالث للقيام بذات الأعمال الموكل بها، وقد صدر حكم من أحد محاكم الدولة بإدانة الأصيل في القضية رقم (23/2015) على الرغم من انه لم يطلب من الوكيل تحرير توكيل لهذا الشخص، ولم يملِ الأصيل على وكيله شخصاً محدداً كي يساعده في تصريف أعمال الوكالة.

شيكات من دون رصيد

في قضية متداولة في أروقة محاكم رأس الخيمة، تورط المواطن الموكل (م. س)، الذي أصدر وكالة للتعامل على الحساب البنكي العائد لشركته، تبيح الحصول على دفتر شيكات من البنك المعتمد للشركة، ليتعامل الوكيل بتلك الشيكات مع بعض رجال الأعمال والشركات الأخرى، بسحب كميات من البضاعة، ليعمل بعد ذلك على إلغاء التوكيل قبل موعد استحقاق الشيكات التي لا يعلمها الموكل، وتغيير التوقيع البنكي للشخص الموقع على الشيكات الذي كان حينها الوكيل بالأعمال.
وهنا تعرض مستحقو الشيكات لعملية نصب بلغت قيمتها الاجمالية 4 ملايين درهم ونصف المليون، كون وقت استحقاق الشيكات البنكية امتنع عن صرفها، وكون الشخص الموقع عليها بالوكالة، ليس له أي صفة تربطه بالشركة وقت الاستحقاق.

عملية نصب محكمة

وفي السياق ذاته، وفي قضية جديدة، أصدر المواطن (ع. م) وكالة عامة لشخص كان أقنعه بأنه على معرفة بشخص يعمل في قطاع العقارات، لديه أحد العملاء ينوي شراء عقار وتملكه، حيث تم تحرير وكالة عامة استغلها الوكيل بالأعمال، ليقوم بتسجيل العقار باسمه، بالاتفاق مع رجل العقارات والعميل الذي ينوي شراء العقار، لإتمام عملية النصب، والاحتيال على العقار، ليكون الموكل (المواطن) قد وقع في فخ عملية نصب محكمة.

الموكل هو المسؤول

قالت المحامية خديجة الشيخ: إن الكفيل عندما يُبرم اتفاقاً قانونياً مع مستثمر لإقامة منشأة، يستند في غالب الأمر إلى عقد موثق بين الطرفين مبني على الثقة بتسيير الأعمال واستقدام العمالة الخارجية، موضحة أنه في حال مُنح المستثمر وكالة قانونية تتيح له التصرف الحر، يمكن لها ان تُوّقع الموكل في متاهات مالية مع جهات مُقرضة، إلا أنه يجب الاشتراط في عدم تدخل الموكل مالياً وإدارياً في الإجراءات عامة للمنشأة، لضمان حقوقه القانونية، وإخلاء مسؤوليته بالكامل عن أي مخالفات يمكن ان تتكبدها المنشأة، بناء على وكالة محددة.
وأشارت إلى أن جميع الأعمال والتصرفات القانونية التي يقوم بها الوكيل، ترجع للأصيل (الموكل) بصرف النظر عما إذا كانت ضارة له أم صالحة، ما دامت في حدود الوكالة الحرة غير المقيدة، إلا أنه بتفعيل الفرع الأول في الفصل الثالث من المادة القانونية في المعاملات المدنية 948، والتي تنص «يلتزم الوكيل بأن يوافي موكله بالمعلومات الضرورية عما وصل إليه تنفيذ الوكالة، وبأن يقدم إليه الحساب عنها»، يكون الموكل على اطلاع بكافة الأعمال والتصرفات المالية لوقاية نفسه من مغبة الوقوع في شرك المخالفات القانونية والتراكمات المالية.
وأكدت أن أكثر الإجراءات خطورة، هي إعطاء الموكل للوكيل بناء على وكالة تصريف الأعمال، الحق في توكيل الغير كطرف ثالث في العملية الاستثمارية وبنفس صلاحيات الوكالة الأولى، موضحة أنه يجب على كاتب العدل عند تحرير الوكالات، أن يقوم بتحذير الأشخاص من مغبة ومخاطر الصلاحيات الواردة في تلك الوكالات، كالإقرار، والتنازل، والإبراء، والصلح، وحق استلام المبالغ المالية، والحرية في استقدام العمالة، والتوكيلات.

منشآت وهمية

قال المحامي خالد العسقلاني إن هذه العلاقة ينتج عنها بعض المشكلات، لأنه في كثير من الأحيان تكون المنشأة وهمية ولا تمارس نشاطها المسجل في الأوراق الرسمية، وإنما يتم استغلالها من جانب المستثمر لإصدار تأشيرات عمل على كفالتها، وهو ما يعرض الكفيل للعقوبات عند اكتشاف وزارة العمل ذلك.
وأضاف: إن الموكل، هو مواطن إماراتي يدير متطلبات الترخيص، وغيرها من المسائل الأخرى المتعلقة بالإجراءات الحكومية، لإنجاز أعمال مالك الرخصة التجارية للمنشأة، نظير أتعاب سنوية محددة، بناء على عقد مبرم بين الطرفين.
وأكد أنه من الضروري أن تتضمن الوكالة التي يمنحها الكفيل للمكفول، صلاحيات محددة تحفظ للأول حقوقه كافة، وتقيه من شر الوقوع في إشكالات مالية بناء على إجراءات تمويلية من البنوك أو غيرها من الإجراءات، والتركيز على تضمين الوكالة بند عدم توكيل الغير، لأن المعادلة برمتها تعود في مسؤوليتها على عاتق الموكل الأصل وهو المواطن.
وأوضح أن أغلب الكفلاء لا يأخذون المادة القانونية 948 من قانون الإجراءات المدنية في الاعتبار أثناء إبرام عقود الوكالات، التي تنص على إلزام الوكيل، بأن يقدم للموكل كشف حساب عن أعمال وكالته بشكل دوري متفق عليه قانونياً، ليكون على دراية بكل التطورات المالية والإدارية.

وقال المحامي والمستشار القانوني عمر حميدان الزعابي، إن الوكالة تكون مطلقة أو مقيدة أو معلقة، والموكل أو مالك المؤسسة التجارية هو المسؤول عن كافة التصرفات المالية والإدارية، حيث إن المؤسسة جزء من ذمة صاحبها، موضحاً أن المحكمة هي المختصة بتفسير مضمون الوكالة الخدماتية أو الاستثمارية.

وأضاف: إن عدم التزام مستثمرين بالمعايير والإجراءات القانونية، يؤدي إلى توقيع مخالفات وغرامات مالية بحق الوكلاء، خصوصاً أن القانون ينص على إيقاف جميع المنشآت التي تعود ملكيتها أو يكفلها مواطن، حال وجود مخالفة على أي شركة تابعة له، بهدف دفع المواطنين لمتابعة سجلات منشآتهم وتسوية أوضاعها، وعدم تركها لمستثمرين مخالفين.

وتابع: يشترط لصحة الوكالة ان يكون الموكل مالكاً حق التصرف بنفسه في ما يملك، وأن يكون الوكيل غير ممنوع من التصرف، وان يكون محل الوكالة معلوماً وقابلاً للنيابة فيه، وتثبت للوكيل بمقتضى عقد الوكالة ولاية التصرف في ما يتناوله التوكيل، من دون أن يتجاوز حدوده إلا في ما هو أكثر نفعاً للموكل.

وبين ان الوكالة إذا كانت خاصة، فليس للوكيل إلا مباشرة الأمور المعينة فيها وما يتصل بها من توابع ضرورية، تقتضيها طبيعة التصرفات الموكل بها أو العرف الجاري، أما ‘ذا كانت عامة، جاز للوكيل مباشرة التعويضات والتصرفات عدا التبرعات فلا بد من التصريح بها.

وأشار إلى أنه من الضروري على كاتب العدل في المحكمة أن يوضح كل الحقوق والواجبات القانونية للوكيل والمستثمر معاً، ويبين كل الإجراءات الممكن تنفيذها قانونياً، لتحفظ الحقوق والواجبات لكافة الأطراف على المديين القريب والبعيد، بإبرام اتفاق لإخلاء المسؤولية عند كاتب العدل وتوثيقها قانونياً.

الحذر من النصوص المطبوعة

قال المحامي والمستشار القانوني يوسف النعيمي، إنه من واجب كاتب العدل توعية الموكل عند تحرير نص الوكالة والقانونية وتوضيح الحقوق والواجبات كافة، والتداعيات المستقبلية في حال كانت الوكالة عامة وحرة، مبيناً أنه يجب على كل من ينوي تحرير وكالة عامة لشخص آخر، أن يحذر من العبارة الواردة في الوكالات المطبوعة مسبقاً التي تنص على أن «للوكيل الحق في توكيل الغير في بعض أو كل ما نصت عليه الوكالة» وغالباً ما تكون في نهاية محضر الوكالة.
وأضاف: إن هذه العبارة تتيح للوكيل أن يوكل الغير، ويصدر وكالات لأطراف جديدة يجهلها الموكل الأصيل، الأمر الذي يمكن أن يتسبب بتصرفات من دون علم الأصيل توقع على عاتقه إشكالات هو في غنى عنها.
وأوضح النعيمي أن الموكل يمكن أن يلجأ لمواد القانون التي لها دور بارز في حمايته من مغبة الوقوع في غرامات مالية قد تثقل كاهله.

العيادة القانونية

قال الدكتور حسن محمد المرزوقي الأستاذ بكلية القانون في جامعة الإمارات، إن الموكل لا بد أن يكون ملماً بكافة بنود الوكالة، وعلى معرفة تامة بحقوقه وواجبته في حال تحرير وكالة عامة لوكيل بالأعمال، موضحاً أن جزءاً كبيراً من تداعيات الوكالة العامة يقع على عاتق كاتب العدل، ولا بد على الموكل أن يستفسر من مستشارين قانونيين حول الوكالة المنوي تحريرها، وماذا يترتب عليها من تصرفات مستقبلاً.

وأكد أن الوكالة العامة أوسع من غيرها وهي التي تكثر مشكلاتها وثغراتها القانونية، وتختلف عن الخاصة المحددة التي يمكن السيطرة عليها وتقييدها.
وأشار إلى أن كلية القانون في جامعة الإمارات عمدت مسبقاً لإنشاء العيادة القانونية، ومهمتها تقديم الاستشارات القانونية بكافة المجالات من دون أي مقابل، وهي عبارة عن لجان معتمدة ومرخصة من الأساتذة والطلبة في الكلية ليقدموا المشورات القانونية لمن يحتاج اليها.