يحذر مختصون في الصحة والرقابة الغذائية والبيئة من خطورة أوضاع بعض «خزانات المياه»، المنزلية وسواها، على صحة الأهالي، في ظل إهمال أصحابها، متابعتها وفحصها وتنظيفها وتعقيمها دورياً، فيما تغيب «الرقابة» عن تلك الخزانات، ما يشكل خطراً محدقاً على الصحة العامة.
وتعتبر خزانات المياه الجزء المهم، الذي يستخدم لتخزين الماء بشكل ثابت على مدار السنة، وتتوزع أنواع الخزانات بين الأرضية التي نجدها في فناء المنزل، والعلوية التي تتواجد في الجزء العلوي من البيت «سطح المنزل» فيوجد منها خزان الصاج، والذي يطلى من الخارج والداخل بمادة مانعة للصدأ، وخزان الألياف الزجاجية والخرسانة المسلحة والبلاستيكية المصمم لتجميع المياه كغيره من الخزانات.
تحتاج خزانات المياه للعناية والتنظيف الدوري بهدف إزالة أي بقايا ورواسب وأوساخ تتواجد فيها، والتي بإمكانها أن تسبب في ظهور عدة مشاكل صحية، وتؤثر على طعم ورائحة مياه الشرب، ونجد بعض المخلفات الواضحة على شكل طبقات رقيقة، كبعض المواد العضوية مثل الطحالب التي تتواجد على جوانب الخزان. وتوجد الرواسب، فهي بعض أنواع المعادن مثل الكالسيوم التي تستقر في أسفل خزان المياه، أو بعض الجزيئات المعدنية الصغيرة التي تدخل خزان الماء، نتيجة وجود بعض الاضطرابات أثناء تدفق الماء، أو وجود خلل في أنابيب أو أنظمة السباكة المنزلية، ما يعطي الماء لوناً مغايراً للون الطبيعي.
ولإيضاح سلبيات تلوث خزانات المياه المنزلية، وارتفاع نسبة الرواسب فيها، أو تركها مكشوفة لملوثات الهواء، تعرض «الخليج» آراء اختصاصيين في الأمراض الجلدية، والبيئة في الأضرار التي يمكن أن يتعرض لها المستهلك جراء تجاهله لنظافة خزانات المياه، في التحقيق الآتي.
التنظيف الدوري
قالت «أم أحمد» الشحي، إنها تثق بالمياه التي تأتي من الجهات المسؤولة عن توزيع المياه، لغاية الشرب أو الطبخ أو الاستخدام الشخصي، لكن الثقة في هذه المياه تتلاشى كلياً عندما تستقر المياه داخل الخزانات الخاصة في تجميعها، وذلك لوجود رواسب من الممكن أن تشكل خطراً على صحة الإنسان لاستخدامات الشرب. وأضافت أنها تتخوف من مياه الحنفية، وذلك لأنها لاحظت مراراً تغير لون المياه عند وضعها في كوب زجاجي، وأوضحت أنهم يعملون على تنظيف خزانات المياه العلوية بين الحين والآخر للتخلص من الرواسب التي تكونت خلال الأيام، فعملية تنظيف الخزانات من الأمور المهمة جداً والحيوية، وذلك للحفاظ على الصحة العامة، حيث إن المياه من أكثر المواد تعرضاً للتلوث، وتنقل الأمراض إلى الإنسان بكل سهولة.
وأكدت أنه يجب تنظيف الخزانات بشكل دوري ومنتظم، لمنع حدوث تلوث المياه، فسلامة الخزانات والمحافظة عليها هي أمانة ومسؤولية صاحب الخزان، أو المسؤول عنها سواء في عقار أو في مطعم أو شركة أو مصنع، ويجب عليه أن يحافظ على نظافة الخزان بعيداً عن التلوث والرواسب وغيرها.
وجود بكتيريا مضرة
تستبدل ميادة عبداللطيف خزانات المياه الخاصة بمنزلها عندما تشعر باتساخها وتكوّن الرواسب فيها، مؤكدة أنها لا تستخدم مياه الخزانات لحاجات الشرب أو الطبخ، وذلك خوفاً من وجود البكتيريا المضرة في الإنسان داخل المياه. وأشارت إلى أن الطحالب تتكون على المدى البعيد داخل الخزانات بسبب دخول الضوء والهواء لنسيان باب الخزان مكشوفاً، كما أن تسرب الغبار إلى الداخل يحدث رواسب تضر بصحة الإنسان. ولاحظت تغيراً في لون المياه بعد ركودها، الأمر الذي يشكك بوجود رواسب مضرة في المياه، ما يستدعي تنظيف الخزانات بين الآونة والأخرى.
وأشارت إلى أنها لم تشاهد أو تسمع عن تنظيف الخزان الأرضي الخاص بالعمارة التي تقطنها، وقد يرجع ذلك لصعوبة عملية التنظيف، كما قد يرجع إلى عدم جدواها نظراً لسهولة وسرعة تعرض الخزان للتلوث نتيجة لطريقة تغذيته بالمياه، أو نتيجة للمواد التي تم تصنيع وتركيب هذا الخزان بها.
طعم غير مستساغ
قالت مريم الشامسي (ربة منزل) إن مياه الحنفية غير صالحة للشرب، لأن طعمها غير مستساغ، متسائلة: لماذا أشرب ماء الحنفية والمياه المعدنية المعبأة موجودة في كل مكان، ورخيصة الثمن؟
وأكدت أن فكرة الشرب من مياه الحنفية غير واردة إطلاقاً، فحتى لو كانت مياه المصدر نقية، لا يمكن الوثوق بنظافة خزانات المنازل أو خطوط الأنابيب التي تنقل المياه، ولا أريد تعريض أطفالي للإصابة بنزلات معوية.
وأضافت: برغم ما تقوم به الجهات المختصة، من اشتراطات فنية وصحية للحفاظ على المياه المخزنة من التلوث، فالمياه التي تصل للمنازل تكون نقية من أي شوائب كما نعرف، لكنها تتلوث نتيجة لطريقة التخزين الخاطئة، وعدم الاهتمام في مقومات السلامة.
نتائج متفاوتة
قالت الدكتورة عائشة القطامي، اختصاصية أمراض جلدية: إن مياه المنازل الملوثة والتي لا تشهد عناية دورية لتعقيمها وتنظيفها بين الآن والآخر، ممكن لها أن تلحق أضراراً جلدية واضحة على المدى البعيد، بسبب تكون البكتريا داخل المياه المتجمعة، بسبب تفاعلها مع ضوء الشمس وتعرضها للهواء، وهي في حالة ركود. وأوضحت أن الأمراض الجلدية بسبب احتواء المياه على رواسب أو طحالب، تختلف من شخص لآخر من حيث درجة التأثر أو عدمه، فالبعض يتعرض لتغيرات جلدية طفيفة بسبب استخدام المياه المالحة للاستحمام، ولكن بعد فترة تعتاد بشرته على هذه المياه، وتعود الأمور للوضع الطبيعي، بينما البعض الآخر طبيعته لا تتحمل هذه الملوثات في المياه، ما يسبب ظهور احمرار جلدي وجفاف، ما يستدعي مراجعة مختص الجلدية لمعالجة الأضرار، كما أن هذه الرواسب الحاملة للبكتريا ممكن لها أن تؤدي إلى تساقط الشعر، لذلك يترتب تنظيف خزانات المياه الخاصة بشكل دوري، وإضافة المعقمات للقضاء على البكتريا. وأكدت أنه لابد من تفعيل دور الجهاز الرقابي وعدم التهاون مع المخالفين، وتمكين أفراد المجتمع وقاطني الأبراج والفلل من أن يكون لهم صوت يسمع عبر قنوات التواصل الاجتماعي، مع تعزيز الثقة بين أفراد المجتمع والجهات الرقابية المختصة، ما يدفع الجميع للتعاون من أجل الصحة والمصلحة العامة.
خطر المياه الساكنة
قال عماد سعد، مستشار استدامة ومسؤولية مجتمعية للمؤسسات، تشير الدراسات والتحاليل المخبرية، إلى أن المياه التي تنتجها جهات الاختصاص وتقوم بتوزيعها ضمن شبكة عالية الجودة على كافة الأبراج والفلل السكنية، مطابقة للمواصفات الفنية التي وضعتها المنظمات الدولية، حيث إن مياه الشرب في مدينة أبوظبي على وجه الخصوص، لا تتعدى في مواصفاتها وخصائصها الكيميائية الحدود المسموح بها من قبل منظمة الصحة العالمية، مشيراً إلى أن كمية ملح الكلور مثلاً لا تتجاوز 120 مج/ليتر في خزانات المحطات، ويصل إلى حوالي 75 مج/ليتر في البنايات، بينما يبلغ الحد المسموح به حوالي 250 مج/ليتر، كما لا تتواجد العناصر السامة كالرصاص والزئبق والكادميوم على الإطلاق.
وأوضح أنه بمجرد أن تصل هذه المياه إلى الخزانات في البيوت تغدو في أحيان عديدة موطنًا للأمراض والأوبئة والجراثيم بسبب ما تعانيه هذه الخزانات من إهمال، لعدم تنظيفها بشكل دوري ما يؤدي لتغير طبيعة المياه لتشكل أكبر خطر على صحة الفرد والأسرة، الأمر الذي يحذر منه المتخصصون لخطورة الأمراض الناجمة عن ذلك الوضع، ومنها الفشل الكلوي والسرطان.
كما أوضح أن من العوامل المهمة الملوثة للخزانات بقاء المياه ساكنة مدة طويلة، ما يساعد على الترسيب، وبالتالي تجد الكائنات الدقيقة البيئة المناسبة للتكاثر، هذا إلى جانب ارتفاع درجة حرارة مياه الخزان إلى 30 درجة مئوية، وهو ما يتحقق خلال أشهر الصيف ويساعد على زيادة نمو الكائنات الملوثة.
العزل الصحيح
أكد الدكتور سيف الغيص، المدير التنفيذي لهيئة حماية البيئة والتنمية في رأس الخيمة، أهمية الالتزام بالاشتراطات الفنية الواجب توافرها في خزانات مياه الشرب بحسب المواصفة القياسية لصناعة خزانات مياه الشرب الصادرة عن هيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس، موضحاً أن هناك عنصراً لا يمكن تجاهله، ويمثل مصدراً رئيسياً لتلوث المياه، وهو المادة التي تصنع منها خزانات المياه وطريقة التصنيع، فالخزانات الأرضية يتم تصنيعها من الخرسانة، لذا يجب عزلها بالطريقة التي تمنع تلوث المياه، وعدم الانحصار في فكرة عزلها لضمان عدم تسرب المياه خارجها فقط، من دون أي مراعاة للجانب الصحي في ذلك، والتي تتمثل في عزل خارجي للجسم الخرساني، ضد المياه الجوفية حتى لا تتسرب إلى جسم الخزان أو داخل الخزان نفسه، إضافة إلى عزل داخلي للخزان نفسه، حتى لا تتفاعل المياه الموجودة داخل الخزان مع الخرسانة والحديد.
أما الخزانات المصنوعة من مادة الفيبرجلاس، فهي مادة يمكن أن تتفاعل مع الماء تحت درجات الحرارة، والظروف البيئية التي يتسم بها مناخ منطقة الخليج بصفة عامة، والتي يصعب التحكم فيها عند تخزين المياه في مثل هذه الخزانات، مشيراً إلى أن مادة الفيبرجلاس لا يمكن لها الوصول لسطح داخلي أملس للخزان، وبالتالي لا تقاوم ظاهرة الطحلبة، كما أن هذه المادة لا يمكن لها منع أشعة الشمس، من النفاذ إلى مياه الخزان لعدم احتوائها على طبقة سوداء تمكن من امتصاص هذه الأشعة.
وبالنسبة للخزانات المصنوعة من مادة البولي إثيلين، فبالرغم من أن المادة في حد ذاتها لا تتفاعل مع الماء في ظل الظروف الطبيعية، إلّا أنه حتى يمكن الاستفادة من مزايا هذه المادة فلابد من تصنيع الخزان بالاعتماد على تكنولوجيا القولبة، والتي تمكن من تصنيع الخزان كقطعة واحدة لا تتجزأ بما لا يؤدي إلى وجود لحام به أو مسام، وبما يمكن تصنيعه من عدة طبقات ذوات سماكات مناسبة لتوفير مياه صحية ونقية، ويحتفظ بدرجة حرارة المياه داخل الخزان، من دون التأثر بدرجة الحرارة خارجه، وهذا ما لا تستطيع توفيره العديد من الشركات المصنعة لمثل هذه الخزانات.
تشديد الرقابة على الشركات والمباني
بيّن عماد سعد، أن إهمال نظافة خزانات المياه خاصة بعد فترات السفر الطويلة، يجعلها بيئة نشطة لنقل الأمراض المعدية والبكتيرية بمختلف أنواعها، حيث تتسبب في انتقال أنواع من بكتيريا الكوليرا والسالمونيلا وبكتيريا القولون البرازية، التي تسبب التهابا رئوياً وحبيبات الكلى والدرن الرئوي، إضافة إلى التهابات الجلد والتهاب الزائدة الدودية والتيفويد والدوسنتاريا، فيما تسبب الفطريات التهاب فروة الرأس (الثعلبة)، والتهاب منبت الأظافر والتهاب فطر القدم الرياضي والتهاب منابت الشعر، أما الطفيليات والفيروسات فهي تسبب شلل الأطفال والتهاب الكبد الوبائي وحمى الغدد والسحايا والرمد والإسهال وأمراضاً عديدة أخرى.
وأكد أنه من أنجع الحلول للحيلولة من دون ما سبق ذكره، تبدأ بتشديد الرقابة على الشركات، وزيادة المسؤولية الملقاة على عاتقها، والمسؤولية مشتركة بين عدة أطراف أولها مالك البرج أو صاحب الفيلا أو المسكن، أو شركات ومكاتب تأجير العقارات، ومن ثم شركة الخدمات والصيانة التي تشرف على صيانة البرج.