مارلين سلوم

فيلم يذكرك بفيلم. عنوان يقودك رغماً عنك إلى فيلم مضى، ربما لم تكن ولدت بعد حين ظهوره، لكنك تعرفه بسبب شهرته، ولأنه علامة مميزة في تاريخ السينما العالمية. فيلم «ملكة الصحراء» يذكرك بفيلم «لورانس العرب»، ومن هنا تبدأ الرحلة التي تمتد لنحو ساعتين من الزمن، في أجواء الصحراء الساحرة.
ممتع الفيلم منذ مشاهده الأولى، يذكرك بأفلام الستينات التي كانت تحكي عن سحر الشرق والصحراء، والروايات الرومانسية الجميلة. لكن حالة من الترقب والانتظار ترافقك طوال الفيلم، لأنك تجد أمامك أسلوب تصوير وجنوح الأحداث نحو القصص الرومانسية لامرأة اشتهرت بأنها قوية تنافس الرجال، لم تتزوج، تحدت كل الصعاب وواجهت الطبيعة الصحراوية وظروفها القاسية لتستكشف جمالها وطبيعة شعوبها. تنتظر أن ترى ذلك الدور السياسي المهم الذي لعبته «ملكة الصحراء» فاستحقت اللقب، فتجد أمامك امرأة أبرز الكاتب والمخرج فيرنر هيرزوغ الجانب الرومانسي فيها كشاعرة وكاتبة تهرب من قصص الحب الفاشلة إلى الصحراء.
وكأن هيرزوغ أراد هو الهروب بفيلمه من معمعة السياسة، وخاف من مطبات الأوضاع الحالية في منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً في العراق، وارتباطها بالخريطة التي رسمتها بريطانيا والدور الأساسي الذي لعبته المعمارية، والمستكشفة، والرحالة، السيدة بيل التي تم تلقيبها أيضاً ب «المرأة التي أسست العراق» وكان أهل العراق ينادونها ب «الخاتون». هرب هيرزوغ بفيلمه من السياسة فغلفها برومانسية ساحرة، رغم أن ركيزته الأساسية قائمة على حكاية سيدة لعبت دوراً مهماً في المجال الدبلوماسي. ويقال إن جيرترود كانت «جاسوسة بريطانية»، لكن المخرج نفى عنها تلك التهمة مرات عدة.
يتطرق «ملكة الصحراء» للعرب بشكل إيجابي، ينصفهم أكثر من مرة، خصوصاً حين تتحدث جيرترود عن خصائل الشعوب العربية الحميدة، تحب فيهم «حريتهم وكرامتهم وقصائد الشعر عن الحياة»، وترى أنهم القوة القادمة، التي تستعد للنهوض وتسلم زمام أمور بلادها، بينما تريد «الامبراطورية» البريطانية إظهار الأمر وكأنها هي التي تمنحهم الفرصة لذلك كما تردد جيرترود في الفيلم أكثر من مرة، وخصوصاً في إطار حديثها مع «لورانس» عن المنطقة وتقسيمها.
تبدأ الأحداث مع بداية الحرب العالمية الأولى، من استعداد القوى الاستعمارية العظمى لتقسيم الشرق الأوسط مع سقوط الامبراطورية العثمانية التي استعمرت الشرق 500 عام. ومن القاهرة، نرى بداية رسم التقسيم من المكتب العربي- البريطاني، ولأن «المرأة» كما كانوا يسمونها، هي الوحيدة التي تعرف القبائل وطبيعة شعوب المنطقة، تتم الاستعانة بها. هنا، يعود بنا المخرج 12 عاماً إلى الوراء، حيث مقر عائلة لوثيان بيل والجدل الطويل بين الشقراء جيرترود (نيكول كيدمان) ووالديها حول الزواج، ورغبتها في تحقيق ذاتها والأفكار التحررية والمتطورة التي تشكلت في ذهنها أثناء دراستها في جامعة أكسفورد.
يوافق والد جيرترود على سفرها للعيش عند خالتها في طهران، حيث يعمل زوج خالتها سفيراً لبريطانيا. سكرتير السفارة هنري كادوجان (قام بدوره جيمس فرانكو) يصبح مرافقاً لجيرترود وابنة خالتها فلورنس (هولي إيرل) التي تصرح لجيرترود بحبها الصامت لهنري. هنا يترك هيرزوغ هذه التفصيلة تسقط منه، فبينما تنمو قصة حب قوية بين هنري وجيرترود، تغيب فلورنس كلياً عن الصورة دون منطق وهي التي كانت تلازمهما باستمرار، كما لم تبدِ جيرترود أي أسف أو تردد من سرقة حبيب ابنة خالتها، ودون أن تمد لها يد العون لتنقذها من عذابها الممتد لسنوات.
جيرترود التي تعشق الشعر وقرأت عمر الخيام، تعلمت الفارسية على يدي كادوجان، لكن قصة الحب بينهما لم تكتمل بسبب رفض والدها له، ثم قالوا لها إنه انتحر فيما شعرت هي بأنه قُتل. هذه الحادثة دفعت بالمرأة إلى اتخاذ قرارها بالرحيل، لتكتب الشعر وتستكشف الصحراء وتكتشف ذاتها، ومما دونته في مذكراتها التي كانت رفيقتها في كل رحلاتها: «لأول مرة أعرف ما أريد.. قلبي لا ينتمي لأحد غير الصحراء».
قصدت عمان في الأردن، وسارت مع «فتوح» رفيقها الدائم، على ظهور الجمال في قافلة صغيرة. من أجمل مشاهد الفيلم تلك التي صورها هيرزوغ في قلب الصحراء، حيث الرياح والعاصفة الرملية، وتصوير الجِمال وهي تمشي فوق طبقات الملح المتراكمة وكأنها الثلج، وتمشي على الثلوج في جبل الدروز حين قررت جيرترود التوجه إليه من دمشق قبل أن تنتقل للقاء قائد جزيرة العرب.
هيرزوغ المخرج تفوق على هيرزوغ الكاتب في هذا الفيلم. دقيق هو في التفاصيل الصغيرة التي يحرص عليها، مثل ارتداء جيرترود زياً واحداً طوال تنقلها في الصحراء، مما يبدو منطقياً لأنها لم تحمل معها حقائب من الملابس الفاخرة، رغم أنها سيدة ثرية وأرستقراطية، بل انشغلت بالأمور العملية. ومن التفاصيل وجود حوض خاص «بالسيدة بيل» كي تستحم فيه في الصحراء، وطاولة صغيرة تجلس خلفها لتكتب ملاحظاتها ومذكراتها، وأمامها وضعت كوبين من الشاي، أحدهما لها والآخر لحبيبها الراحل هنري. الذبائح التي استقبلها بها بعض زعماء القبائل. لم تحمل معها الهدايا إنما قدمت هديتين فقط لزعيمي قبائل، المنظار الذي كانت تستعمله، والسلاح الذي أهداها إياه السفير البريطاني في عمان تشارلز دوتي ويلي الذي لعب دوره داميان لويز، وهو الرجل الثاني في حياة جيرترود وكاد أن يصبح زوجها لولا انضمامه إلى الجيش في الحرب، وإعلان اختفائه.
«ملكة الصحراء غير المتوجة»، «صانعة الملوك»، من الألقاب الكثيرة التي أطلقت على هذه السيدة، وكنا ننتظر من الفيلم أن يقدم لنا دورها الفعلي والحقيقي في المنطقة. رأيناها تلتقي لورانس العرب (روبرت باتينسون ) كامبل تومسون (مايكل جين) كعالمي آثار في مقر أبحاث الآثار البريطاني في البتراء. وبدت منحازة للعرب وهي تردد: «العرب هم المستقبل.. ستنبثق روح الأمة لديهم.. أي تغيير حقيقي يتطلب قروناً.. في الصحراء أنام بشكل أعمق مما يمكن أن توفره الحضارة».
كيدمان هي سيدة الفيلم، ونستون تشرشل (كريستوفر فولفرد) مر مرور الكرام للزوم الحقبة التاريخية لا أكثر، وبدا ساذجاً. وفتوح لعب دوره الممثل الأمريكي من أصل سوري جاي عبدو، ورافق كيدمان في أغلب مشاهدها.

بين «الملكة» ولورانس

لا يمكنك أن تتجاهل المقارنة بين «ملكة الصحراء» و«لورانس العرب». ولا يمكنك ألا تنحاز لرائعة المخرج دايفيد لين «لورانس العرب» 1962، الحاصل على 7 جوائز أوسكار، عدا الجوائز العالمية الأخرى. الفيلم ضم مجموعة من نجوم السينما العالمية والعربية، بيتر أوتول، أنطوني كوين، جاك هوكنز، عمر الشريف، جميل راتب، أنطوني كويل، كلود رينز، جوزي فيري.. والأهم أنه ركز على دور لورانس في المنطقة.
وبين بيتر أوتول وروبرت باتينسون لا مجال للمقارنة، فالأول: جدي ورزين ويبدو سياسياً محنكاً، بينما الثاني بدا ضعيفاً، والشخصية فضفاضة عليه، ولم تعط حقها في الكتابة.

كيدمان و«العربية»

«أنا أرسم قدري بنفسي»، «ليش؟»، «شكراً جزيلاً»، «يشرفني أن أكون في ضيافتكم»، «وصّل هذه من فضلك».. هذه العبارات والجمل القصيرة حفظتها النجمة نيكول كيدمان لترددها بالعربية، لأن «السيدة بيل» كانت في الواقع تجيد العربية أفضل من لورانس العرب، حتى إن بعض القبائل العربية، قالت عنها إنها الأجنبية الوحيدة التي فهمتهم.