إعداد: محمد إسماعيل زاهر

«إن أحق العلوم بالتعلم، وأولاها بالتحفظ- بعد المعرفة بالله جل ثناؤه- علم البلاغة، ومعرفة الفصاحة، الذي به يعرف إعجاز كتاب الله تعالى، الناطق بالحق، الهادي إلى سبيل الرشد، المدلول به على صدق الرسالة وصحة النبوة، التي رفعت أعلام الحق، وأقامت منار الدين، وأزالت شبه الكفر ببراهينها، وهتكت حجب الشك بيقينها. لقد علمنا أن الإنسان إذا أغفل علم البلاغة، وأخل بمعرفة الفصاحة لم يقع علمه بإعجاز القرآن من جهة ما خصه الله به من حسن التأليف، وبراعة التركيب، وما شحنه به من الإيجاز البديع، والاختصار اللطيف؛ وضمنه من الحلاوة، وجلله من رونق الطلاوة، مع سهولة كلمه وجزالتها، وعذوبتها وسلاستها، إلى غير ذلك من محاسنه التي عجز الخلق عنها، وتحيرت عقولهم فيها»، نحن هنا أمام محب للبلاغة العربية، كتب فيها أحد أشهر الكتب البحثية والنقدية في تراثنا وهو كتاب «الصناعتين»، الكتابة والشعر، هو أبو هلال العسكري الذي عاش في القرن الرابع الهجري وترك الكثير من العلامات المضيئة في تراثنا العربي.
بدأ العسكري لكتابه «الصناعتين» بمقدمة نوه فيها بمعرفة علم البلاغة وضرورته لفهم إعجاز القرآن الكريم، وللتمييز بين جيد الكلام ورديئه، ولوقوف الكاتب والشاعر على ما ينبغي استخدامه من أساليب اللغة وألفاظها الجيدة البليغة، ثم صرح بقصده وهو الكشف عن الحدود والأقسام لوجوه البيان، ولهذا الغرض جعل كتابــه في عشـــرة أبواب: أولها لموضـــوع البلاغة وحدودها، وثانيها لتمييـــز الكلام جيـــده من رديئــه، وثالثها في معرفة صنعة الكلام وترتيب الألفاظ، ورابعها في حُسن النظم وجودة الرصف، وخامســـها للإيجــــاز والإطناب، وسادسها للسرقات الشعرية، وسابعها للتشبيه، وثامنها للسجع والازدواج، وتاسعها لفنون البديـــع، والعاشــــر لحسن المقاطع وجودة القوافي، ويلاحظ مثلاً أنه جعل فنون البديع في خمسة وثلاثين فصلاً، والقارئ للكتاب يدرك أن البلاغة أو صناعة الكلام قد أخذت بلب العسكري.
ولنستمع إلى العسكري وهو يذكر الأسباب التي دفعته لكتابه عمله هذا: «فلما رأيت تخليط هؤلاء الأعلام، الذين ألفوا في البلاغة والبيان، فيما راموه من اختيار الكلام، ووقفت على موقع هذا العلم من الفضل ومكانة من الشرف والنبل ووجدت الحاجة إليه ماسة والكتب المصنفة فيه قليلةً، رأيت أن أعمل كتابي هذا مشتملاً على جميع ما يحُتاج إليه في صنعة الكلام نثره ونظمه ويستعمل في محلوله وعقده، من غير تقصير وإخلال وإسهاب وإهذار، وليس الغرض في هذا الكتاب سلوك مذهب المتكلمين، في الجدال، وإنما قصدت فيه مقصد صناع الكلام من الشعراء والكتّاب، ونحن نفهم رطانة السوقي وجمجمة الأعجمي للعادة التي جرت لنا في سماعها في المدن التي تخالط فيها السوقة والأعاجم».
ولد العسكري في بلــدة «عســكر مُكْرَم» في الأهــواز لأســــرة مثقفــــة عُرف منهـا والــــده، وعم والده، بيد أن المصادر التي ترجمت له سكتت عن نشأته وعن مراحل حياته الأولى، وكل ما ذكرته أنه كان يزاول تجارة الثياب مع سعيه إلى التحصيل العلمي، وقد أشار أبو هلال نفسه إلى مهنته غير مرة في شعره، من ذلك قوله:

جلوسيَ في سوقٍ أبيع وأشتري
                                       دليل على أن الأنامَ قرود
ولا خير في قومٍ تذل كرامهم
                                      ويَعظمُ فيهم نَذْلُهم ويسود
ويهجوهم عني رثاثة كسوتي
                                      هجاءً قبيحاً ما عليه مَزيد

وفي أشعار أخرى له يشكو رقة الحال، يقول:

بليت بهجران وفقرٍ وفاقة
                                      وكثرة حاجات وثِقْل ديونِ
وأعظمها أن الزمان يسومني
                                     وقوفاً على أبواب من هو دوني

المعلومات عن حياة العسكري شحيحة والظاهر أن أحواله شهدت تقلبات، فثمة إشارات أخرى في شعره إلى حياة أقرب إلى الدَعَة تحدث فيها عمن يَسْعَون بين يديه إلى الطعام والشراب، وعن دعوته أصدقاءه لحضور مجالسه تلك، وثمة إشارات أخرى في شعره إلى وقيعة وقعت بينه وبين أحد الولاة، فصودرت أمواله، فعرض العسكري بهذا الوالي ثم عاد فاسترضاه، ويذهب بعض الدارسين إلى أنه عمل في خدمة الصاحب بن عباد، حيث كان أبو هلال يُطريه ويستشهد بأقواله.

الرسّام والموسيقي

في كتاب «الصناعتين» سنجد الشعر والنثر على قدم المساواة من جهة النظر إلى الأدب كفن لا يمكن وصفه بهذه الصفة من دون أن تتوفر له شروط جمالية وإبداعية وإمتاعية، يقول: «الكلام- أيدك الله- يحسن بسلاسته، وسهولته، ونصاعته، وتخير لفظه، وإصابة معناه، وجودة مطالعه، ولين مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادل أطرافه، وتشابه أعجازه، وموافقة مآخيره لمباديه، مع قلة ضروراته، بل عدمها أصلا، حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر؛ فتجد المنظوم مثل المنثور في سهولة مطلعه، وجودة مقطعه، وحسن رصفه وتأليفه؛ وكمال صوغه وتركيبه»، ولا يكتفي العسكري بالكلام المنطوق/ المكتوب، المنظوم / المنثور، ولكن الكلام في حد ذاته وبغض النظر عن الحقول الإبداعية التي توزع عليها يداعب الحواس كافة.
وأنت تقرأ كتاب «الصناعتين» تعثر على الأديب والفنان التشكيلي والموسيقي، يمزج العسكري بين «صنعة» كل هؤلاء في سبيل رسم لوحة تأخذ البصر، وقراءة تنفذ إلى الفهم وتدفع العقل إلى التفكير، وتحرك الوجدان، يقول: فإذا كان الكلام قد جمع العذوبة، والجزالة، والسهولة، والرصانة، مع السلاسة والنصاعة، واشتمل على الرونق والطلاوة، وسلم من حيف التأليف، وبعد عن سماجة التركيب، وورد على الفهم الثاقب قبله ولم يرده، وعلى السمع المصيب استوعبه ولم يمجه؛ والنفس تقبل اللطيف، وتنبو عن الغليظ، وتقلق من البشع؛ وجميع جوارح البدن وحواسه تسكن إلى ما يوافقه، وتنفر عما يضاده ويخالفه؛ والعين تألف الحسن، وتقذى بالقبيح؛ والأنف يرتاح للطيب ؛ والفم يلتذ بالحلو، ويمج المر؛ والسمع يتشوف للصواب الرائع وينزوي عن الجهير الهائل؛ واليد تنعم باللين، وتتأذى بالخشن؛ والفهم يأنس من الكلام بالمعروف، ويسكن إلى المألوف، ويصغي إلى الصواب، ويهرب من المحال، وينقبض عن الوخم، ويتأخر عن الجافي الغليظ، ولا يقبل الكلام المضطرب إلا الفهم المضطرب، والروية الفاسدة، وليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي والبدوي.
تحمل الفقرة السابقة مجموعة من الأفكار التي بإمكاننا الوقوف أمامها وتأملها، في النص الســابق تقتحمنـــا روح التوحيــدي والجاحظ وكل من برع في «صنعة الأدب»، ويستوقفنا كذلك رأيـــه الذي ربما يــراه البعض كلاســيكياً أو مســتفزاً ويتعلق بأولويــــة اللفظ على المعنى، وليس الشأن في إيراد المعاني، لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروي، وربما نتفهم أكثر إلى وجهه نظر العسكري إذا عدنا إلى ما بدأنا به حيث الشــــكوى من ضيــــاع صناعـــة الكلام بسبب اختلاط «السوقة والأعاجم»، وبتفسيره تلك الأولويــة بقولــه: «وليس يطلب من المعنـى إلا أن يكــــون صواباً، ولا يقنع من اللفظ بذلك حتى يكون على ما وصفناه من نعوته التي تقدمت».
ولكن كيف للكاتب أن يتمكن من أدواته التي تعينه على صناعة الكلام، لتلك الصناعة خطوات وشروط، لنستمع إلى العسكري وهو ينصح الكاتب بالقول: «إذا أردت أن تصنع كلاماً فأخطر معانيه ببالك، وتنوق له كرائم اللفظ، واجعلها على ذكر منك؛ ليقرب عليك تناولها، ولا يتعبك تطلبها، واعمله ما دمت في شباب نشاطك؛ فإذا غشيك الفتور، وتخونك الملال فأمسك؛ فإن الكثير مع الملال قليل، والنفيس مع الضجر خسيس؛ والخواطر كالينابيع يسقى منها شيء بعد شيء، فتجد حاجتك من الري، وتنال أربك من المنفعة. فإذا أكثرت عليها نضب ماؤها، وقل عنك غناؤها، وينبغي أن تجرى مع الكلام معارضة، فإذا مررت بلفظ حسن أخذت برقبته، أو معنى بديع تعلقت بذيله، وتحذر أن يسبقك فإنه إن سبقك تعبت في تتبعه، ونصبت في تطلبه؛ ولعلك لا تلحقه على طول الطلب، ومواصلة الدأب».

موسوعية لغوية

في كل فصول كتابه يمتعنا العسكري بملاحظاته وبثقافته الموسوعية وبنصائحه، ولصاحب كتاب «الصناعتين» مجموعة أخرى من الكتب، ومنها «ديوان المعاني» جمع فيه: «أبلغ ما جاء في كل فن وأبدع ما روي في كل نوع من أعلام المعاني وأعيانها» في اثني عشر باباً، أولها باب «في التهاني والمديح والافتخار»، وآخرها باب «في صفات أشياء مختلفة»، وله أيضاً كتاب «التلخيص في معرفة أسماء الأشياء»، وهو معجمٌ في المعاني والصفات في أربعين باباً، بدأها بموضوع الإنسان فذكر خلقه وصفاته، وما يتعلق به، ثم انتقل إلى موضوع السماء والنجوم والأزمنة، ثم إلى أسماء النبات والشجر والثمار وذكر الزراعة وأدوات الزارعين، ثم انتقل إلى الجماد، وله أيضاً كتاب «الأوائل»، وهو كتاب طريف يندرج في باب التأريخ، جعله أبو هلال في عشرة أبواب عرض فيها لأحداث ومناسبات نسبت لأشخاص هم أول من قاموا بها في الجاهلية والإسلام، كحديثه عن أول من كسا الكعبة، وأول من غير الحنيفية وعبد الأوثان، وأول من اتخذ الديوان، وأول من أخذ زكاة الخيل، وأول من لبس السواد، وأول من وضع الإعراب، وأول امرأة وضعت في نعش من العرب.
في حضرة العسكري تتعدد الأسئلة، عن ذلك الخائف على اللغة من«اختلاط السوقة والأعاجم» في القرن الرابع الهجري، توفي 395 هـ تقريباً، فسعى بكل جهده لوضع كتاب يصبح فيما بعد من أشهر الكتب الأدبية في التراث العربي، موجّه إلى كل من يحترف صناعة الأدب، وليس إلى «السوقة والأعاجم»، أي أنه أدرك ببصيرة تغيب عنا الآن أن الأدب رافعة اللغة، وقراءة النصوص الجمالية هي ما ترتقي بالذائقة اللغوية بشكل عام، هو درس العسكري الثقافي الممتد من زمنه حتى الآن، فلا نهضة للغة من دون المنوط بهم إمتاع العقول بقدرة اللغة على الإدهاش، أما درسه التاريخي، فتلك اللغة التي يبدو أنها كائن اجتماعي يتأثر بالمتغيرات السياسية والحضارية، تنهض وتحتل مكانها الطبيعي في فترات الازدهار و الانتعاش، وتعتل وتمرض في فترات النكوص والتراجع، أما درسه الأدبي فيتجاوز كل ذلك الجدل الفارغ بين أولوية جنس أدبي على آخر، فالمهم أن تتعزز ثقافتنا وحصيلتنا البلاغية لنمتع القارئ.