محمد ولد محمد سالم

«سيرة الأمير حمزة البهلوان» هي واحدة من أشهر السير الشعبية العربية، كانت متداولة في المجتمعات العربية القديمة، ترويها الأجيال عن الأجيال، وفي العصر الحديث حظيت باهتمام كبير تدل عليه كثرة طبعاتها، فقد نشرتها المطبعة اللبنانية في بيروت عام 1886 بتحقيق جورجي حنا غرزوزي، وطبعتها دار كرم بدمشق 1960، ونشرت في القاهرة عام 1962م من تأليف أبي الحسن علي بن الأثير عن مطبعة مصطفى البابي الحلبي، وظهرت في نفس التاريخ تقريباً طبعة لها عن مكتبة الجمهورية لصاحبها عبد الفتاح مراد، وطبعتها دار الكتب العلمية في بيروت 1985 م كما طبعتها دار الأوراد بدمشق 1992م، ومن آخر طبعاتها تلك التي صدرت عن هيئة قصور الثقافة في مصر 2014.
تروي السيرة أن كسرى ملك الفرس قبيل ظهور الإسلام رأى في منامه أنه كان جالساً في إيوانه يأكل من إوزّة كبيرة في صحن، فإذا بفارس يقبل عليه، مشهراً سيفه، ويختطف الإوزّة من الصحن ويخرج بها، ويصاب كسرى بالقلق بسبب ذلك الحلم، فيستدعي وزيره بزرجمهر ليفسر له الحلم، فيقول له بزرجمهر «إن فارساً يظهر في أرض الحجاز سيدخل إيوانه وينتزع منه ملكه»، ويتحقق الحلم ويكون هذا الفارس هو حمزة البهلوان بن إبراهيم ملك العرب في مكة، ذلك الفارس العربي الذي ولد في مكة قبل ظهور الإسلام، وكان يتفوق على أقرانه، ويمتلك قدرات خارقة لا يقهر معها، فهو «البطل الكرار والفارس المغوار، مبيد الأعداء أهل الكفر والطغيان، صاحب الغزوات المعروفة والفتوحات المشهورة» الذي سيعيش قروناً، ممتدة من العصر الجاهلي حتى العصور الإسلامية، ويقود الغزوات في الجزيرة العربية وبلاد الرافدين واليمن وينتصر في كل منها، ويسير مع الملك النعمان بن المنذر لغزو بلاد فارس، ويخوض حمزة مغامرات وأهوالاً لا حصر لها، تارة وحده وتارة مع جنوده، ويكون النصر حليفه في كل منها، وتنتهي كلها بانتصاره، حيث تسخّر كل الظروف لمساعدته، وينتصر في النهاية على كسرى ويبسط الإسلام في بلاد فارس، ويقيم العدل ويعم الخيرُ الناس.
يجمع حمزة البهلوان بين الشجاعة وقوة الإرادة، والدهاء، والقدرة على اختراع الحيل التي ينتصر بها على عدوه، ويساعده على ذلك تابعه الذكي صاحب الحيل الكثيرة «عمر العيار»، كما يبدو البهلوان في سيرته مؤيَّداً بالخوارق التي تتدخل لإنقاذه من المآزق، مثل فرسه الذي لا يمكن أن يدركه فرس، ومثل الرمح التي أعطاه إياها نسّاك الجبل عندما مر بهم فعرفوه من غير أن يقول لهم اسمه، وهو رمح مرن يلتوي ولا ينكسر ويقتل كل من يلمس حده، وكذلك أبناؤه الثلاثة من الجنيات الذين ينزلون فيخلصونه من الأسر، كل شيء مسخر لمساعدته حتى الأرض والجبال والشجر.
يسعى حمزة البهلوان في مغامراته إلى القضاء على الظلم ونشر السلم، ومحاربة الظالمين، وبسط شريعة الإسلام في البلدان التي يفتحها، وتشير سيرته، التي خاض فيها حروبه إلى جغرافيا الأرض التي كانت تحكمها الخلافة الإسلامية في العهد العباسي، وكأن حمزة البهلوان هو تعبير شعبي عن البطولة المفقودة، ومحاولة لاستعادة مجد الخلافة العربية الإسلامية الآفل، ونشر قيمها التي تراجعت بعد سقوط الدولة العباسية، فهو تعبير عن حلم سياسي عربي، في ظروف تمزقت فيها المجتمعات العربية وضعفت.
لا تحمل شخصية «حمزة» ملامح لأية شخصية تاريخية معروفة، وتزخر سيرته بفنون السرد على تنوعها، وبالأسجاع والأساليب الرفيعة، وكذلك بالأشعار، ما جعلها مدونة أدبية شيقة إلى جانب كونها مدونة للأخلاق والقيم الرفعية.