عثمان حسن

الثابت في الشعر هو شعريته، بوصفه جنساً أدبياً رفيعاً، تتحدد قيمته بما يحمل من فرادة الصور وأناقة اللغة والمعاني، وفي تاريخ الشعر برزت قصائد بعينها، ظلت تروي حكاية صاحبها، وسيقت مثلاً بوصفها من القصائد الملهمة، وهو الذي يعني كما هو متفق عليه، أن الشعرية لا يحددها عدد الدواوين، ولا كثرة القصائد التي كتبها الشاعر في حياته، ومن ذلك تلك القصيدة اليتيمة التي كتبها أبو الحسن علي بن زريق البغدادي، (المتوفى سنة 420 هـ / 1029 م) صاحب العينية الشهيرة، وهي القصيدة الجميلة المعروفة باسم (لا تعذليه فإن العذل يوجعه).
كتب ابن زريق هذه القصيدة، قبل وفاته بمثابة اعتذارية في حبيبته، هذه الحبيبة ترويها حكايات عدة، على أنها ابنة عمه، وهو الرجل الذي أصيب بالفاقة والعدم، ونكد العيش، فذهب قاصداً الأندلس ليمدح أمراءها، طمعاً في استقرار النفس وصفائها، لكي يتزوج من المرأة التي أحب، ومما يروى أن ابن زريق البغدادي لم يصغ لتوسلات حبيبته التي أصرت عليه بالبقاء راضية بالحال الذي هما عليه، لكنّ ابن زريق، بما حمله من حساسية الشعراء وكبريائهم، أصر على طلب المال، قاصدا توفير الراحة ورغد العيش لابنة عمه.
عند الأمير أبي الخير عبد الرحمن الأندلسي في الأندلس، وصل ابن زريق ومدحه بواحدة من القصائد بليغة المعاني والأوصاف، وهنا، تتعدد الروايات حول ردة فعل الأمير، بين واحدة تؤكد أنه أعطاه القليل القليل من المال، الذي لم يوفه حقه، بل ولم يستأهل تلك الرحلة الشاقة من بغداد إلى الأندلس، حيث تسرد ذات الحكاية أنه بهذا العطاء القليل، أصابته شدة من الحزن والقهر، بعد أن استذكر ابنة عمه التي تركها في انتظاره، فأصابته غمة قاسية أودت بحياته.
رواية ثانية.. تقول إنَّ عبد الرحمن الأندلسي، من خلال هذا العطاء القليل أراد أن يختبره ليعرف أكثر عن حقيقة معدنه وما إذا كان من المتعففين أم الطامعين الجشعين، فلما تبيَّن له أنه من المتعففين سأل عنه ثانية ليجزل له العطاء، فذهب نفر من رجال الأمير يبحثون عنه، ولما تفقدوه في أحد الخانات التي نزل فيها وجدوه ميتاً، وعند رأسه رقعة مكتوب فيها عينيته الشهيرة وهنا بكاه عبد الرحمن الأندلسي بكاءً حاراً.
من القصيدة:

(لا تعذليه فإن العذل يوجعه
                                          قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه
جاوزت في نصحه حدا أضر به
                                          من حيث قدرت أنّ النصح ينفعه
فاستعملي الرفق في تأنيبه بدلا
                                         من عذله فهو مضنى القلب موجعه
قد كان مضطلعا بالخطب يحمله
                                         فضيّقت بخطوب الدهر أضلعه
يكفي من لوعة التشتيت أنّ له
                                         من النوى كل يوم ما يروعه
ما آب من سفر إلا وأزعجه
                                        رأي إلى سفر بالعزم يزمعه

وهكذا تستمر هذه القصيدة الرائعة والشجية والتي تتألف من تسعة وثلاثين بيتاً لتنتهي بقول ابن زريق:

عسى الليالي التي أضنت بفرقتنا
                                       جسمي ستجمعني يوما وتجمعه
وإن تغلّ أحدا منا منيته
                                       فما الذي بقضاء الله يصنعه).