يعد جان جاك روسو أعظم من أنجبت فرنسا من الكتاب، غير أن آراءه تقبل أو ترفض، وهو يحب أو يكره ككاتب، أوحى بالثورة الفرنسية قبل كل شيء، ويوجد لما كتبه معنيان، فبهما ينفذ إلى الذهنية التي كانت سائدة في القرن الثامن عشر، وهي ذات أثر بالغ في حوادث أوروبا التي وقعت فيما بعد، وبهذه الكتب يمثل روسو في عالم الفكر السياسي مرحلة الانتقال من النظرية التقليدية للدولة في القرون الوسطى إلى الفلسفة الحديثة حول الدولة.
لم يعالج روسو نظم الدول الموجودة، خلافاً لما صنع مونتسكيو وفولتير، فبينما كانا ينتميان إلى الطبقة العليا، ويقتصران على المطالبة بالإصلاح السياسي، كان «روسو» ابن الساعي، ابن الشعب، الذي قضى شباباً قاسياً، ينتهي بآلامه إلى ضرورة تجديد الدولة والمجتمع تجديداً كلياً، ومن أقوال روسو: «لم يهدف مونتسكيو إلى معالجة مبادئ الحق السياسي، وإنما كان يكتفي بمعالجة الحق الوضعي (القانون) للحكومة القائمة».
كان روسو سيئ الحظ، فعاش شريداً بائساً، وربما كان لهذا أثر في عبقريته، لقد عاش في بيئة قاسية، وكان لها أثر في نضج آرائه، والكشف عن كثير مما يحيط به من المفاسد والشرور والجهر بآرائه في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والتربية، وكان عليلاً فآثر الحياة الهادئة على غيرها، وحين ظهر كتابه «العقد الاجتماعي» سنة 1762، بلغ به الذروة من النضج، فهو يشتمل عملياً على نظريته السياسية، ويدل عنوانه على موضوعه، ويسمى هذا الكتاب «مبادئ الحقوق السياسية أيضاً، وضعه روسو، و كان جريئاً فيما أبداه، حيث حمل على الرق وعدم المساواة، وناضل دفاعاً عن حقوق الإنسان، وقال إن هدف كل نظام اجتماعي وسياسي هو فقط حقوق كل فرد، وأن الشعب وحده هو صاحب السيادة، وكان يهدف إلى النظام الجمهوري، فتحقق هذا النظام بالثورة الفرنسية بعد ثلاثين سنة، حين اتخذ «العقد الاجتماعي» إنجيل هذه الثورة.
في كتابه إيميل - كما يوضح عادل زعيتر في ترجمته الصادرة عن دار التنوير للنشر - ظهر روسو الفيلسوف المربي، بجانب روسو الفيلسوف الاجتماعي، وقد حاول بفي كتابه «إيميل» تأسيس التربية الحديثة، ففيه ألقى دروساً ممتعة في تربية الأطفال ومذاهب التربية والفضيلة والحياة الزوجية، وقد نال كتاب «إيميل» من الأثر والصيت ما أصبح معه معول علماء التربية، حتى إن الفيلسوف كانط تأثر به كثيراً.
في الثاني والعشرين من يونيو سنة 1712 ولد جان جاك روسو في جنيف، وكان أبوه ساعياً، وجده لأمه قسيساً، وقد استقرت أسرته التي هي من أصل فرنسي بهذه المدينة، وتعلم القراءة والكتابة في سن السادسة، وقرأ مع أبيه كتباً كثيرة، قبل بلوغه العاشرة، وتعهده خاله بالتربية، بعد فرار أبيه من جنيف، خوفاً من أن يسجن في قضية اعتداء على أحد الضباط، ويرسله خاله إلى نحات ليتعلم على يديه هذا الفن، لكن النحات يقسو عليه ويضربه، وحين كان في السادسة عشرة ذهب مع أصدقاء له للنزهة خارج جنيف، ولما عاد مساء وجد أبواب المدينة مقفلة، فتمثلت له غلظة أستاذه ولم يرجع إليه، وصار يطوف حول جنيف ويعيش مع الأشرار.
ظل روسو جائعاً يجول في الأسواق والطرقات، وكاد يموت جوعا، وهو يبحث عن عمل يعيش منه، وفي العام 1741 كان قد بلغ التاسعة والعشرين من العمر، سافر إلى باريس، ليقضي حياة شاقة هناك، وحين كان في السابعة والثلاثين نشرت أكاديمية ديجون إعلان مسابقة في موضوع: «هل أدى تقدم العلوم والفنون إلى إفساد الأخلاق أو إلى إصلاحها؟» فكتب في الموضوع مؤكدا بالدليل أن العلوم والفنون أفسدت الأخلاق وأوجبت شقاء الإنسان، وأن الترف والحضارة من نتائج العلوم والفنون، وأنهما علة فساد الأخلاق.
قضى روسو أيامه الأخيرة مطارداً من السلطات الفرنسية، مختبئا في أحد الأكواخ، ليموت فجأة، وكان ذلك في 3 يوليو 1778 ويدفن في الجزيرة التي كان مختبئاً بها، وفي العام 1794 ينقل رفاته إلى مدفن العظماء بباريس.