غيث خوري

يعد أبو تمام أحد أبرز شعراء العصر العباسي، وقد تصدر المشهد الشعري في زمانه كشاعر محدث ومجدد، اقتدى بطرائقه ونهجه الكثير من شعراء ذلك العصر، لما كان يمتاز به شعره من قوة السبك وحسن الإخراج، والتأنق في البيان لفظاً ومعنى، والغوص في عميق المعاني وغزيرها، وكثرة الاختراع والتوليد فيها.
ولد حبيب بن أوس بن الحارث الطائي (788- 845 م)، في قرية جاسم (من قرى حوران في سوريا). وفي شبابه، سافر إلى مصر، وتردد على مسجد الفسطاط، حيث حلقات العلم في اللغة والنحو والفقه والأدب وعلوم الدين. ثم حفظ الشعر منذ طفولته، وصار يقلد الشعراء حتى أبدعه. واستقدمه المعتصم إلى بغداد فقدمه على شعراء وقته، وأقام في العراق، ثم ولي بريد الموصل، فلم يتم السنتين في ذاك، حتى توفي.
اشتهر أبو تمام بديوان الحماسة الذي أشاد به وبقيمته الكثير من النقاد والمتخصصين، وقد نظم أبو تمام في الخليفة المعتصم أجمل قصائده، خصوصاً بائيته المشهورة التي مدحه فيها بعد فتح مدينة عمورية الرومية، وخالف في مطلعها ما كان سائداً في استهلال القصيدة العربية بالغزل والوقوف على الطلل، فاستهلاها بالحكمة، قائلاً:

السيف أصدق إنباءً من الكتب
                                   في حده الحد بين الجد واللعب

كما أصبحت الكثير من أشعاره حكماً يتداولها الناس بصورة دائمة في يومياتهم، ومن ذلك قوله المشهور:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
                                   مـــــــا الــــحــــب إلا لــلــحــبــــيـــب الأول
كــــم مـــنــزل فـــي الأرض يـــألـفــه الفتى
                                   وحـــنــــيـــــنــــــه أبـــــــداً لأول مــــنــــــزل     

تتلمذ على أبي تمام عدد من الشعراء، يقف في مقدمتهم البحتري، الذي رافق أبا تمام كثيراً ونهل منه، وعارضه في كثير من الأحيان، وقد نقل البحتري وصية أبي تمام إليه، التي وردت مختلفة في أكثر من مصدر، حيث أضيفت وأدخلت عليها شروح المفسرين، ويقول البحتري في هذه الوصية:
«كنت في حداثتي أروم الشعر، وكنت أرجع فيه إلى طبع، ولم أكن أقف على تسهيل مأخذه، ووجوه اقتضابه، حتى قصدت أبا تمام، وانقطعت فيه إليه، واتكلت في تعريفه عليه، فكان أول ما قال لي: يا أبا عبادة، تخير الأوقات وأنت قليل الهموم، صفر من الغموم، واعلم أن العادة في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيء أو حفظه في وقت السحر، وذلك أن النفس قد أخذت حظها من الراحة، وقسطها من النوم، فإن أردت التنسيب، فاجعل اللفظ رقيقاً، والمعنى رشيقاً، وأكثر فيه من بيان الصبابة، وتوجع الكآبة، وقلق الأشواق، ولوعة الفراق، وإذا أخذت في مدح سيد ذي أياد، فأشهر مناقبه، وأظهر مناسبه، وأبِن معالمه، وشرف مقامه، وتقاض المعاني، واحذر المجهول منها، وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الزرية، وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجسام، وإذا عارضك الضجر، فأرح نفسك، ولا تعمل شعرك إلا وأنت فارغ القلب».
شهد العصر العباسي بذور التغيير والتجديد على المستويات كافة، وكان أبو تمام أحد رواد هذا التجديد، في معارضته وخروجه عن تقاليد الشعر، ومحاولته بناء الجديد على مستوى الشكل والمضمون، وفي ديوان أبو تمام الصادر عن مؤسسة البابطين في الكويت، الذي جاء في ثمانية مجلدات، جمعت من 76 مخطوطة، يرى محقق هذه الطبعة محمد مصطفى أبو شوارب، أن قارئ شعر أبي تمام يمكن أن يلحظ ظهور ملامح شخصيته الإنسانية بوضوح في قصائده ومقطوعاته، فيبدو ذا نفس طموحة متعجلة، متأرجحة بين الاندفاع حيناً والتعمق حيناً آخر، جريئاً مقداماً، أحب المعارك والحروب، وتعلق بها، وأجاد تصوير حوادثها وتعمق مشاعر من يخوضونها، ذو نزوع واضح إلى استخلاص تجارب الحياة وتكثيفها والخروج بها من حيز الخاص الفردي إلى دائرة العام الإنساني، يدمن النظر في الأشياء ويتعمق جواهرها.