القاهرة:«الخليج»

«أقدمت على ترجمة هذا النص في فترة ارتبكت فيها حياتي: هزائم خاصة، وهزائم عامة، وارتباك في الفكر والسلوك، وكانت لهذه الترجمة علاقة، لا أقول عالجت الموقف، لكنها أضاءت بعض جوانبه، ودعتني إلى الاعتدال والبساطة، في تناول الحياة».

تلك العبارة تتصدر ترجمة الراحل علاء الديب لكتاب «الطاو» الصيني المقدس، وعنوانه «الطريق إلى الفضيلة» ومؤلفه «لو تسو» وهو رفيق «كونفوشيوس»، وقد عاش في القرن السادس قبل الميلاد، في مدينة لوينج بمقاطعة هينان، وكانت خلاصة فكره أن «الطاو»، الذي يمكن أن يصاغ في كلمات ليس هو الطاو الأبدي.
وطبقا للأسطورة القديمة فإن لو تسو هجر الحياة كلها، ورفض أن يسجل الحكمة، يأساً من أحوال الناس وشرورهم، وعدم جدارتهم بالحكمة، هجر الحياة وانطلق وحيدا مع حماره، إلا أن حراس المناطق الشمالية أجبروه على تسجيل كلماته، ثم جمعوا هذه الكلمات فكانت إحدى وثمانين قطعة، ويرجع تاريخها إلى 2500 سنة قبل الميلاد، والتي أثرت بعد ذلك في الروح الصينية وفي الأساطير والتراث والثقافة الصينية كلها.
إذا كانت الكونفوشيوسية تهتم بسلوك البشر في الحياة اليومية، فإن «الطاوية» تخاطب جانبا أكثر روحانية في حياة الإنسان، حيث تقول الإحصاءات الغربية إن كتاب «الطاو» من أكثر الكتب مبيعاً، وطباعة في العالم كله، بعد الإنجيل، والفلسفة الطاوية بسيطة: «اقبل ما أمامك، لا ترغب في أن تكون الحال غير ما هي عليه، ادرس قانون الطبيعة والأشياء واعمل طبقا لهذا القانون، ولا تعمل ضده، أي محاولة للتغيير تستثير المقاومة، الطبيعة تقدم كل شيء دون أن تنتظر شكراً أو أجراً، هي تقدم عطاءها للجميع دون تفرقة أو تمييز».
ومن «الطاو» أيضا يمكننا أن نقرأ: «دعنا نقابل الجميع بوجه واحد، ونعامل كل الناس بالمساواة، إذا أمعنّا النظر لوجدنا أن العمل ينجز ببراعة وسرعة أكثر، لو توقفنا عن تعمد المحاولة، وتوقفنا عن أن نبذل من أجل الحصول على الأشياء، جهداً أزيد من اللازم، وتوقفنا - أيضاً - عن انتظار وتوقع النتائج، في العقل الساكن المفتوح، سوف تنعكس الحقيقة، حينئذ نستطيع تذوق المعنى الحقيقي للعالم، أن تفهم يعني أن تخضع، إننا نخدم من، وما يقف أمامنا دون تمييز، ودون أدنى تفكير في أنفسنا».
يقول علاء الديب: «هذه هي خلاصة سريعة لفكر «الطاو» لكن العلاقة التي قامت بيني وبين النص امتدت، لتشمل مجال الفن، ومشكلة بساطة التعبير، امتدت لكي تحاول اكتشاف تلك القدرة الفائقة والضرورية للتعبير المتكرر عن البديهيات، فكرت في قدم هذه البديهيات وخلودها، هل العدل، والصحة هنا والفضيلة، هي سر الخلود أم أن سر الخلود هو القدرة على التعبير البسيط، وما هو البديهي على أي حال؟ لا أعرف، لقد اقتربت من النص، بروحي وقلبي، أكثر مما اقتربت منه بعقلي، ولعل هذا هو أحد المتناقضات الأساسية في الإنسان، والتي كشف عنها الكتاب».
الترجمة الإنجليزية التي نقل عنها علاء الديب هي ترجمة بسيطة ومصورة، يقول عنها أحد النقاد المتخصصين إنها تعمدت تقريب الكلمات القديمة في النص إلى البسطاء، إنها ترجمة حية ومباشرة لنص غاية في القدم، وقد قام بالترجمة من الصينية إلى الإنجليزية «جياو فو فونج»، الذي ولد عام 1919 ودرس الفلسفة في الصين، ثم هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ليكمل الدراسة هناك، ثم يقوم بالتدريس في عدد من الجامعات، حتى انتهى به المطاف إلى «جامعة كولورادو» رئيسا لقسم الدراسات الشرقية، وأسس جماعة التأمل الطاوي في «جامعة كولورادو».
ساعدته في الترجمة أستاذة أمريكية، تعمل بالتصوير ودارسة متخصصة في الحضارة الصينية، وقدمت مع الترجمة عددا كبيرا من الصور الفوتوغرافية، التي تشكل جزءا مهما من الترجمة المبدعة، فهي تقوم بتدريس الحضارة المقارنة في جامعة كولورادو أيضاً.
ضمن ما جاء في «الطاو»: «الرجل الحكيم لا يحاول أن يخزن الأشياء أو يدخرها، كلما عمل من أجل الناس، زاد ما عنده، وكلما أعطى الآخرين، زادت وفرته، طريق السماء مدبب، لكنه لا يؤذي، طريق الرجل الحكيم هو العمل دون مكابدة».