كان عبدالله بن المقفع رجلاً حكيماً، على خلق رفيع وأدب جم، وكان خطيباً مفوهاً، وكاتباً راقي الأسلوب، عاش في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية، وقربه أبوجعفر المنصور، وقد وُلع ابن المقفع ببث الأخلاق والحكم بين الناس، وعمل على ذلك طوال حياته، فألف بالعربية كتابي الأدب الكبير والأدب الصغير، كلاهما في الخلق الحميد والوفاء وأخلاق الملوك والرعية، وترجم عن الفارسية كتاب «كليلة ودمنة» الذي ألفه حكيم الهند بيدبا لملك الهند دبشليم، متضمناً حكماً كثيرة في أخلاق الملوك، وفي حسن التصرف في المواقف، وقد تصرف ابن المقفع في الكتاب بما يناسب الذوق والواقع العربي آنذاك، وصنعه بأسلوب نثري لم يسبق لمثله، فجاء كتابه تحفة جمالية وأخلاقية نادرة.
أصبح كتاب «كليلة ودمنة» منذ تأليفه تحفة ثمينة يتسابق المتأدبون والقراء لاقتنائه، للتمتع بأسلوبه والتزود من حكمته، وكان لترجمة ابن المقفع إلى العربية الفضل في بقاء الكتاب وانتشاره في العالم كله، فقد أخذت عن هذه الترجمة كل الترجمات الأوروبية وغيرها، لأن الأصل الهندي للكتاب ضاع، كما ضاعت ترجمته الفارسية التي يعتقد أن ابن المقفع أخذ عنها، ولولا أن ابن المقفع يذكر هذين الأصلين في مقدمة كتابه لما كان لهما ذكر.
قدم بيدبا الحكم التي ألفها للملك في شكل حكايات على ألسنة الحيوانات والطيور، التي اتخذت شكل شخصيات بشرية، ويورد على ألسنتها الكثير من المواعظ والحكم، وأساليب تدبير الحكم وسياسة الرعية، وقد تضمنت هذه التقنية الأسلوبية عنصرين جاذبين ساعدا على رواج الكتاب، وإضفاء عنصر الإدهاش والتشويق عليه، وهما تحويل الحكمة إلى حكاية مشوقة تغزو النفس عن طريق الإيحاء، وترسخ فيها بسهولة، بدل أن تكون أمراً وتلقيناً مباشراً ينفر منه السامع، والثاني هو إضفاء الصفات البشرية من حكمة وشجاعة وفطنة وحذر، وسفه وجبن وغباء وتهور، على الحيوانات، ما يجعل العالم الذي يظهر أمام القارئ عالماً عجائبياً، يحفز الخيال، وربما لهذا السبب لفتت تلك القصص اهتمام كسرى أنوشروان ملك الفرس عندما سمع بها، فبعث طبيبه برزويه إلى الهند، لاستنساخ الكتاب، وكان محفوظاً في خزائن ملك الهند لا يطلع عليه إلا الملك وخاصته، فتلطف برزويه وعمل بالحيلة حتى تقرب من الملك، فاستطاع أن يحصل على الكتاب، فترجمه، وعاد بالترجمة إلى ملكه.
يحتوي «كليلة ودمنة» على خمسة عشر باباً تتضمن الكثير من قصص الحيوانات، ومن أبرز أبطالها، الأسد الذي يلعب دور الملك، وخادمه الثور الذي يُدعى «شتربة»، إضافة إلى «كليلة» و«دمنة» وهما من جنس حيوان ابن آوى، ويمثلان الذكاء والحيلة، وفي عصرنا الحاضر لقي كتاب ابن المقفع احتفاء كبيراً من طرف واضعي مناهج التعليم الذين وجدوا في طريقته في بث الحكم والأخلاق الحسنة وسيلة جيدة لتعليم النشء، مع ما فيه من ميزات أدبية رفيعة تربي أبناء المدارس على الأسلوب العربي الأصيل، فحفلت لذلك كتب التعليم بنصوص ومقتطفات من هذا الكتاب.
جاء في الكتاب على لسان شتربة: وإنما ضربت لك هذا المثل لتعلم أنه إن كان أصحاب الأسد قد اجتمعوا على هلاكي، فإني لست أقدر أن أمتنع منهم، ولا أحترس، وإن كان رأي الأسد لي على غير ما هم من الرأي في، فلا ينفعني ذلك، ولا يغني عني شيئاً. وقد يقال: خير السلاطين من عدل في الناس. ولو أن الأسد لم يكن في نفسه لي إلا الخير والرحمة، لغيّرته كثرة الأقاويل: فإنها إذا كثرت لم تلبث من دون أن تذهب الرقة والرأفة. قال دمنة: فماذا تريد أن تصنع الآن؟ قال شتربة: ما أرى إلا الاجتهاد والمجاهدة بالقتال: فإنه ليس للمصلي في صلاته، ولا للمتصدق في صدقته، ولا للورع في ورعه من الأجر ما للمجاهد عن نفسه، إذا كانت مجاهدته على الحق. قال دمنة: لا ينبغي لأحد أن يخاطر بنفسه، وهو يستطيع غير ذلك، ولكن ذا الرأي مَن يجعل القتال آخر الحيل، ويبدأ قبل ذلك بما استطاع من رفق وتمحل وقد قيل: لا تحقرن العدو الضعيف المَهين، ولا سيما إذا كان ذا حيلة ويقدر على الأعوان، فكيف بالأسد على جراءته وشدته؟

محمد ولد محمد سالم