تدين المعرفة الإنسانية الحديثة والمعاصرة، إلى واحد من المناهج العلمية التي غيّرت تاريخ البحث العلمي، والتنظير المعرفي، والمتمثل في «البنيوية» كمنهج بحثي شكل حضوره علامة مفصلية في مسيرة البحث الإنساني، وكان ركيزة لدراسة مختلف الظواهر، والتطورات الأدبية والعلمية، وتكرس توظيفه في مختلف ميادين العلوم حتى تجلى بصورة فاعلة في الأدب، واللغة بصورة عامة.
لا يمكن الحديث عن البنيوية والأثر الذي حققته في معارف القرن العشرين من دون البحث في تاريخ ظهورها، إذ تشكلت كمنهج ومذهب فكري على أنها ردة فعل على ما عرف بالوضع «الذري» الذي ساد في بداية القرن العشرين، وكانت منطلقاته تتمحور حول تشظي المعرفة وتجزيئها، وفتح الباب على تشكيل تخصص التخصص، وهو مشتق من مفهوم الذرة، أي الجزء الأصغر في الوجود الذي يشكل اتحاده كتلاً وبنى مادية.
برزت البنيوية في بداياتها في مطلع القرن التاسع عشر ضمن حقل علم النفس، لكن حضورها الفعلي تشكل في منتصف القرن العشرين حين لاقت رواجاً كبيراً، وفرض سلطته على جميع أنواع العلوم والتخصصات، فتوسعت من إطار علم النفس لتصبح «منهجاً بحثياً مستخدماً في عدة تخصصات علمية تقوم على دراسة العلاقات المتبادلة بين العناصر الأساسية المكونة لبنى يمكن أن تكون: عقلية مجردة، لغوية، اجتماعية، ثقافية».
وعلى الرغم من أن البنيوية جذبت الكثير من العقول في مختلف ميادين المعرفة والبحث الإنساني، إلا أنها تمركزت بعد سنوات من انتشارها في البحوث اللغوية، والدراسات الأدبية، فطرحت الكثير من الأسماء الكبيرة المؤسسة لركائز المباحث العلمية.
باحثون وفلاسفة كثر ارتبطت أسماؤهم بالمنهج البنيوي -وفق كتاب «البنيوية» لمؤلفه جان بياجيه-، حيث برز في مجال اللغة فردينان دي سوسير الذي يعد الرائد الأول للبنيوية اللغوية إذ أنتج ما عرف ببنيوية النظام اللغوي المتزامن، الذي قال فيه:«إن سياق اللغة لا يقتصر على التطورية، وإن تاريخ الكلمة لا يعرض معناها الحالي، ويكمن في وجود أصل النظام أو البنية، معتبراً أن المعاني تتعلق ببعضها، كما تؤلف نظاماً متزامناً».
«وفي مجال علم الاجتماع برز كل من: كلود ليفي شتراوس، ولوي التوسير اللذين قالا: إن جميع الأبحاث المتعلقة بالمجتمع، مهما اختلفت، تؤدي إلى بنيويات، وذلك أن المجموعات الاجتماعية تفرض نفسها من حيث إنها مجموع وهي منضبطة ذاتياً، وذلك للضوابط المفروضة من قبل الجماعة».
شكل كل ذلك الاهتمام أنواعاً من البنيوية، فبرزت «البنيوية اللسانية» مع دي سوسير ومارتنيه وهلمسليف وجاكبسون وتروبتسكوي وهاريس وهوكيت وبلومفيلد، و«البنيوية السردية» مع رولان بارت وكلود بريمون وجيرار جنيت، و«البنيوية الأسلوبية» مع ريفاتير وليو سبيتزر وماروزو وبيير غيرو، و«بنيوية الشعر» مع جان كوهن، ومولينو، وجوليا كريستيفا، ولوتمان، و«البنيوية الدراماتورجية» أو المسرحية مع هيلبو، أو «البنيوية السينمائية» مع كريستيان ميتز، و«البنيوية السيميوطيقية» مع غريماس، وفيليب هامون، وجوزيف كورتيس، و«البنيوية النفسية» مع جاك لاكان، وشارل مورون، و«البنيوية الأنتروبولوجية» خاصة مع زعيمها «كلود ليڤي شتراوس» الفرنسي، وفلاديمير بروب الروسي، و«البنيوية الفلسفية» مع جان بياجيه، وميشيل فوكو، وجاك دريدا، ولوي ألتوسير.
كان مفهوم «موت المؤلف» واحداً من أشهر المفاهيم التي أنتجتها البنيوية، إذ جاءت البنيوية لتدرس النص بمعزل عما يحيط به من مؤثرات، منطلقة من مفهوم المتن، والبنية، فاستندت إلى القاعدة الأساسية في ذلك القائلة: «»البنية تكتفي بذاتها، ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى أي من العناصر الغريبة عن طبيعتها.