في عام 1961 صدر في سلسلة «كتاب الهلال» بالقاهرة كتاب بعنوان «ذكريات الصبا والشباب» لبوريس باسترناك، وقد ترجمه إلى العربية د. نظمي لوقا، وأضاف إليه عناوين، وحذف الإهداء: إلى «ريلكه» كما أن العنوان الأصلي كان «صك الأمان» هذا ما يشير إليه الكاتب المغربي «إدريس الملياني» في ترجمته «رسم السيرة الذاتية رجال ومواقف» لبوريس باسترناك، والصادرة عن دار رؤية للنشر والتوزيع.
يتساءل الملياني: كيف تكون الترجمة كتابة ثانية وجديدة؟ بالأمانة أم بالخيانة؟ بالاقتراب من النص أم بالابتعاد عنه؟ كيف يبيح المترجم لقلمه أن يتصرف فيه، وأن يضيف إليه أو أن يحذف منه مقاطع كاملة، وأبياتا شعرية؟ وأن يستغني عن عتباته النصية كالهوامش والإهداء، وأن يغير أسماء ما لا يستطيع إليه وصولا؟
كتاب «صك الأمان» كما يسميه الملياني ليس مجرد «ذكريات للصبا والشباب» كما يسميه نظمي لوقا طبعا، بل يعتبر سيرة للفن، أكثر مما هو سيرة للذات، وأكبر حتى من السيرة ذاتها، والشاعر نفسه أطلق عليه هذه الصفة «شيء أوتوبيوجرافي عن الفن» وأراد أن يبرز فيه كيف كانت الحياة تتحول إلى فن، ولماذا؟ وفي كتابات أخرى لا يعد حتى سيرة ذاتية، بل دراسة عن «شاعره الكبير ومعلمه الأثير راينر ماريا ريلكه» لأنه استوحاه من وفاته في 31 ديسمبر 1926 وأهداه إلى ذكراه.
كان باسترناك الابن في سن التاسعة حين جاء ريلكه غير المعروف آنذاك، لأول مرة إلى روسيا عام 1899 وتعرف إلى باسترناك الأب الفنان المعروف والأستاذ في مدرسة الرسم والنحت والعمارة بموسكو، الذي قدمه أيضا إلى صديق العائلة ليف تولستوي، ومن برلين التي كان يقيم فيها منذ عام 1922 جدد باسترناك الأب علاقاته مع ريلكه وكتب إليه في ديسمبر سنة 1925 بمناسبة عيد ميلاده الخمسين، فرد عليه ريلكه بحرارة، مستحضرا إقامته في باريس السنة السابقة، وكتب في رسالة بتاريخ 14 مارس 1924 قائلا لباسترناك الأب: «إن المجد الفتي لابنك بوريس وصل إلى صداه من عدة جهات، وأحدث ما حاولت أن اقرأ هناك، إنها قصائد له، جميلة جدا، في أنطولوجيا صغيرة لإيليا إهرنبورج».
كان اطلاع باسترناك الأول على كتابات ريلكه من مكتبة الأب، قرأ له ديوانين، كل منهما يحمل إهداء من المؤلف، ثم اكتشف أن مؤلف الكتابين هو نفسه ذلك الألماني الذي رآه صيفا ذات رحلة مع العائلة بالقطار.