لا يمكن المرور على تاريخ الخط العربي من دون الوقوف مطولاً عند سيرة الخطاط المؤسس ابن مقلة، إذ يدين الحرف العربي له بإنجازات كثيرة أسهمت في تشكيل دراسات أكاديمية للخط، كان أبرزها أنه وضع قواعد خط الثلث، وخط النسخ، وكرس جل حياته لدراسة فنون الخط، ووظف معرفته بالهندسة لتطوير رسم الحرف العربي بصورة عامة.
لا تروي سيرته التاريخية كل ذلك الإنجاز التاريخي وحسب، وإنما تروي سيرة شغف بالحرف العربي، فقد قطعت يده اليمنى التي كان يبدع فيها لوحات الخط العربي، فصار يربط البوص على يده اليسرى ليواصل الكتابة، فصارت كتابته كلها باليسرى بعد أن ألقيت يده اليمنى في نهر دجلة عقاباً له من الخليفة القاهر بأمر الله.
تظهر سيرة ابن مقلة أكثر من سيرة خطاط يدين له الخطاطون حتى اليوم بما أضافه لفنون الحرف العربي، فتتعدى ذلك إلى سيرة شخصية سياسية شهدت على تحولات مفصلية في تاريخ الدولة العباسية، فمن هو ابن مقلة؟ وما الذي ترويه سيرة حياته؟
ولد الخطاط ابن مقلة ببغداد سنة 272 ه 886 م. في أسرة تعود لمدينة بيضا بفارس، عملت في الخط زمناً طويلاً، فكان جده خطاطاً، أما أبوه فقد كان أستاذه الذي علمه صنعة الخط، وكذلك كان أستاذه إسحاق بن إبراهيم الأحول صاحب كتاب«تحفة الوامق» وتتلمذ على يد ثعلب وابن دريد.
عرف محمد بن علي بابن مقلة لأن له أمّاً كان أبوها يلاعبها في صغرها ويقول لها: «يا مقلة أبيها» فغلب عليها هذا الاسم واشتهرت به، فاتصل هذا الاسم بابن مقلة، فكان بذلك مقلة الزمان وملك الخط والبيان.
يشير الناقد الفني غازي النعيم في دراسة له عن ابن مقلة أنه «تولى في بداية حياته، في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله، بعض الأمور الإدارية في الدولة، فولي بعض أعمال فارس يجبي خراجها، ثم عاد إلى بغداد يخدم في بعض الدواوين في كل شهر بستة دنانير، ينسخ ويكتب إلى أن علق بأبي الحسن بن فرات الذي رفع من قدره وحسن من أحواله، فاشتهر حتى روي خبر كتابته كتاب هدنة بين المسلمين والروم، وبقي الكتاب إلى زمن السلطان محمد الفاتح حين فتح القسطنطينية سنة 1453».
أخذ أبو علي بن مقلة الخط عن الأحول المحرر وانتهت إليه رئاسة الخط العربي في عصره، حيث تقلد الوزارة في عهد الخليفة العباسي المقتدر بالله سنة 316 للهجرة، سنة 318 للهجرة.
بعد ذلك نفي إلى بلاد فارس بعد أن صودرت أمواله، ولما آلت الخلافة إلى القاهر بالله أرسل إليه يستدعيه واتخذه وزيراً سنة 320 للهجرة، ولم يزل وزيراً للخليفة القاهر إلى أن اتهم بمعاضدة علي بن بليق الذي خرج على الخليفة، فبلغ الخبر ابن مقلة أن الخليفة يريده فاختفى واستتر سنة 321 هجرية.
بقي ابن مقلة عرضة للمحن والفتن إلى أن أصدر الخليفة القاهر بأمر الله أمراً بقطع يده اليمنى سنة 324 للهجرة، وذلك بإيعاز من ابن رائق الذي استولى على مقاليد الحكم وقرن اسمه مع الخليفة في الدعاء على المنابر. وقيل أن يده أُلقيت في دجلة، إلا أن الخليفة عاد وندم على إصداره ذلك الأمر المجحف بحق ابن مقلة، وأمر الأطباء بمعالجته في سجنه.
يقول المستشرق إدوارد روبرتسن «إن ابن مقلة قد اخترع طريقة جديدة للقياس عن طريق النقط، وجعل الريشة وحدةً للقياس، فقد جعل من حرف الألف الكوفي مستقيماً بعد أن كان منحنياً من الرأس نحو اليمين كالصنارة، وقد اتخذه مرجعاً لقياساته، وخطا ابن مقلة خطوة أخرى، إذ هذّب الحروف، وأخذ الخط الكوفي كقاعدة، وأخرج من هذه الحروف أشكالاً هندسية، وبذلك أمكنه قياس هذه الحروف».
بلا ضفاف
ابن مقلة
16 مايو 2016 01:26 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 مايو 01:26 2016
شارك
محمد أبو عرب