يعدّ كتاب «النفس» لأرسطو واحداً من أهم مؤلفاته على الإطلاق، فهو يمثل بالنسبة للفلسفة والعلوم الأرسطية واسطة العقد، فدراسته في علوم الحياة وعلوم الإنسان تعتمد عليه اعتماداً كبيراً، فهو يمثل بالنسبة لعلوم الحياة ما يمثله كتاب «الطبيعة» في العلوم الطبيعية، فضلاً عن أن نتائج دراسة أرسطو للنفس وقواها قد لعبت دوراً مهماً في فهم طبيعة الإنسان وتميزه عن بقية الأنواع الحيوانية، كما لعبت الدور الأهم في نظرية المعرفة الأرسطية وبيان قوى الإنسان المعرفية، ودور كل واحدة منها، خاصة الحواس والعقل بشقيه الاستدلالي والحدسي.
ولا يمكن إغفال الأثر الكبير لهذا الكتاب في دراسات أرسطو الأخلاقية؛ إذ إن ملكة الأخلاق عند الإنسان ومنبع الفضيلة لديه تبدأ بتحكم القوة العاقلة لديه، فتدرك بالحدس المبادئ الأخلاقية التي لا يمكن بمقتضاها توجيه السلوك الإنساني نحو الطريق المستقيم، فالفضيلة بشقيها الأخلاقي العملي والتأملي الفلسفي أساسها العقل، فالعقل إذن هو القوة المميزة للإنسان، وهو أعلى قوى النفس الإنسانية تأثيراً في حياته، أخلاقية كانت أو سياسية أو معرفية.
وهذا الكتاب ليس بهذه الأهمية فقط في جوانب فلسفة أرسطو المختلفة الأخرى، بل هو بالقدر نفسه من الأهمية في مجاله، مجال علم النفس على مدار تاريخ هذا العلم، فقد ظل هذا الكتاب واحداً من أهم المؤلفات في مجاله، حتى القرن التاسع عشر إلا أنه على حد تعبير مترجمه د. أحمد فؤاد الأهواني: «ظل عماد علم النفس القديم حتى القرن التاسع عشر»، وهو على حد تعبير تريكو الأساس الذي يعتمد عليه علم النفس الكلاسيكي.
ويقول د. مصطفى النشار في دراسته التي تصدرت ترجمة الكتاب: «في اعتقادي أنه ربما تضاعفت أهمية الكتاب في ضوء علم النفس التجريبي المعاصر؛ نظراً لأن أرسطو عدّ دراسة النفس من مباحث العلم الطبيعي، وهذا ما يلحظه القارئ من النظر إلى قائمة مؤلفات أرسطو السابقة، فقد وضع ضمن المجموعة الثانية وهي مؤلفات أرسطو الطبيعية، وقد كان من جوانب عبقرية أرسطو في دراسته للنفس أنه لم يدرسها مستقلة عن البدن، بل اعتبرها وثيقة الصلة في كل أحوالها بالبدن وبأحواله، ومن ثم فلا يمكن في رأيه تفسير أي ظاهرة أو حالة من حالات النفس دون معرفة أحوال البدن وعلاقتها به».
ولا تقتصر أهمية الكتاب على تأثيره في الدراسات النفسية اللاحقة، ولا في كونه أكثر معاصرة في توجهه نحو ربط دراسة أحوال النفس بأحوال الجسم من دراسات كثيرة أخرى اتخذت طابعاً نظرياً تأملياً، فأهمية هذا الكتاب تتبدى أكثر في تلك المناقشات والجدل الذي دار حوله طوال تاريخ الفلسفة اللاحق، فقد تعرض أرسطو فيه لقضايا خطيرة، منها قضية العلاقة بين أنواع الكائنات الحية، تلك الأنواع التي تكتسب تميزها وصفاتها المميزة من الوظائف التي تمارسها النفس داخل الجسم، إذ لا يختلف النبات عن الحيوان عن الإنسان إلا بهذه الوظائف، فالنفس في جوهرها واحدة في كل هذه الكائنات، ويبدو الاختلاف بينها من أنها تقتصر في وجودها في النبات على ممارسة وظائف التغذية والنمو والتوالد، وتضيف إليها في الحيوان وظيفة الإحساس، ويضاف إلى هذه الوظائف الأربع وظيفة التفكير العقلي في الإنسان.
يقول د. مصطفى النشار، إن هذه الترجمة التي بين أيدينا قد حققت المراد منها تماماً، حيث شاع هذا النص الأرسطي المهم، وعرفه الجميع، سواء كانوا من الباحثين المتخصصين أم من هواة الاطلاع على النصوص الفلسفية القديمة، أم من محبي التراث اليوناني عموماً، كما كان لهذه الترجمة الفضل الكبير في تشجيع الكثير من الباحثين العرب على خوض غمار الدراسات اليونانية عموماً والأرسطية خصوصاً، من دون خشية القصور في المعرفة باللغة اليونانية القديمة.
كتب غيرت الوعي
كتاب «النفس» لأرسطو.. العقل منبع الفضيلة
20 مايو 2016 02:47 صباحًا
|
آخر تحديث:
20 مايو 02:47 2016
شارك
القاهرة: «الخليج»