محمد ولد محمد سالم

تعد قصيدة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق» إحدى روائع شعر أعشى قيس، وتدل الحكاية التي تروى حول هذه القصيدة على ما كان للشعر من أثر بالغ في رفع شأن الإنسان أو حط قدره في المجتمع الجاهلي، فتروي كتب تاريخ الأدب أن المحلِّق الكلابي واسمه الحقيقي عبد العزى بن جشم كان له ست بنات، وكان فقيرا، فلم يكن أحد يعبأ لشأنه، ولم تتزوج بناته لذلك، وذات يوم مر بحي بني كلاب الشاعر الأعشى، فأشارت زوجته - أي المحلق- عليه أن يستقبل الأعشى وينزله ببيته، ويكرمه، وقالت له: «إنه ما مدح أحدا إلا وارتفع صيته بين القبائل»، ولم تزل به حتى أقنعته، ولم يكن للمحلِّق من المال سوى ناقة واحدة، فقرر أن يستقبله وينحر له ناقته، وبات يطعمه ويكرمه، ثم إن الأعشى تركهم، وسار حتى جاء إلى سوق عكاظ قرب مكة، وكان ذلك في أيام حج أهل الجاهلية حيث يجتمعون في عكاظ وذي المجاز وغيرهما، فوقف تحت شجرة يجتمع عندها الناس، وأنشد قصيدته الشهيرة «أرقت وما هذا السهاد المؤرق» وذكر فيها المحلق وكرمه، فلما سمعه الناس كبر في نفوسهم المحلق، ولم يمض وقت يسير حتى تسابق أشراف العرب إلى حي المحلق يطلبون الزواج من بناته، فتزوجن كلهن.
الأعشى الذي تنسب إليه هذه القصيدة هو ميمون بن قيس بن جندل من بكر بن وائل، لقب بالأعشى لأنه كان ضعيف البصر، ويكنى أبا بصير، تفاؤلا، عاش عمراً طويلاً وأدرك الإسلام ولم يسلم، ومات في حدود 629م،.

استهل الأعشى قصيدته «أرقت وما هذا السهاد المؤرق» بذكر الأرق الذي أصابه بسبب تغير حاله وعلو الشيب في رأسه وتكاثر الهم وازدياد عشى عينيه، لكنه لا يلبث أن يتسلى عن ذلك بقلبه الشجاع الذي يستخلص الحكمة من حوادث الأيام، ولا يقبل بالاستكانة للدهر، ويعرف أنه لا مَنجى من حوادثه، وليس أحد بخالد معها، فيواصل حياته دون أن يحفل بها، ويضرب أمثلة كثيرة للملوك والعظماء الذين قضى عليهم الدهر رغم قوتهم، وتدل تلك الأمثلة على سعة اطلاع ذلك الجاهلي على أخبار الأمم التي سبقته، رغم محدودية معارف أهل ذلك العصر، ثم يذكر لهوه ومسراته في سالف أيامه وكيف كان فتى نشيطاً قوياً شجاعاً كريماً، ويلتفت إلى أعداء قومه، ويبعث لهم رسائل إنذار وتهديد، ويخلص أخيرا إلى مدح المحلق، فيتفنن في وصفه، ويقرنه بالكرم حتى يجعلهما أخوين توأمين رضعا من ثدي أم واحدة، وأقسما عندها أن لا يتفرقا أبدا، وهو يعطي على كل حال، في حالي الرخاء والشدة، وإليه يلجأ الناس عند الحاجة.

عَمرِي، لَقد لاحَتْ عُيُونٌ كَثيرَة ٌ

                     إلى ضَوءِ نَارٍ في يَفَاعٍ تُحَرَّقُ

تُشَبّ لمَقْرُورَيْنِ يَصْطَلِيَانِهَا

                وَبَاتَ عَلى النّارِ النّدَى وَالمُحَلق

رضيعيْ لبان ثدي أم تحالفاً،

                     بِأسْحَمَ داجٍ عَوْضُ لا نَتَفَرّق

يداكَ يدا صدقٍ فكفٌّ مفيدة ٌ

             وأخرى، إذا ما ضُنّ بالزادِ، تنفقُ

ترَى الجُودَ يَجرِي ظاهراً فوْقَ وَجهه

              كمَا زَانَ مَتنَ الهِندوَاني رَوْنَقُ

وفي القصيدة العديد من الأبيات والعبارات الناضحة بالحكمة التي تلقفتها الألسن وأصبحت مشهورة، مثل قوله «المُعان موفق»:

جماعُ الهوى في الرّشدِ أدنى إلى التقى

                 وتركُ الهوى في الغيّ أنجى وأوفقُ

إذا حَاجَة ٌ وَلّتْكَ لا تَسْتَطِيعُهَا

                   فَخُذْ طَرَفاً من غَيرِها حينَ تَسبقُ .